الطبقة الوسطى في الجزائر... جيوب منهكة تترقب الانتخابات الرئاسية

26 نوفمبر 2019
الصورة
محتجون يرفضون مرشحي الانتخابات الرئاسية وبرامجهم (بلال بن سالم/Getty)
+ الخط -

 تشهد الجزائر مع اشتداد وقع الأزمة الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الأخيرة، ظهور بوادر تآكل طبقتها الوسطى أو "طبقة الزوالية" كما يسميها المواطنون، في وقت تتوجه الأنظار لبرامج مرشحي الانتخابات الرئاسية المقررة الشهر المقبل، وما تحمله من حلول، خاصة لحماية قدرتهم الشرائية، التي تترنح منذ بداية انهيار الدينار قبل 5 سنوات.

وكانت الأزمات المعيشية أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع احتجاجات ساخطة منذ شهور أطاحت الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وما زالت مستمرة حتى الآن.

ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية، يتحرى المنتمون للطبقة الوسطى، برامج المرشحين الخمسة، وما حملته من حلول لإنقاذ جيوبهم المنهكة بغلاء المعيشة، سواء برفع الأجور أو رفع قيمة الدينار، أو على الأقل إلغاء بعض الضرائب، وهو ما يبدو غائبا في برامج المتسابقين لخلافة عبد العزيز بوتفليقة، حسب الجزائريين.

وفي السياق، يقول المواطن، عمر زغيش، إنه "استمع للمرشحين في الأسبوع الأول من الحملة الانتخابية، ولم يسمع أي وعد واضح يمس الطبقة الوسطى أو حتى الفقيرة، فكل ما قيل هو عموميات، كحماية القدرة الشرائية، لكن دون توضيح الآليات ".

وأضاف المواطن الجزائري أن "المتسابقين نحو قصر المرادية، لم يتحدثوا مثلا عن الضريبة على الدخل العام، التي تقتطع مباشرة من أجور العمال، لا أحد من الخمسة يقترح مثلا خفضها أو خفض الرسم على القيمة المضافة المقدر بـ 19 في المائة، وهي أمور تهم المواطن وينتظرها".

من جانبه، قال الموظف الإداري، جلول خدوش، إن "برامج المرشحين لخلاف بوتفليقة، لم تحمل تصورا واضحا لتحسين معيشة المواطن، أو تصورا لإنقاذ الدينار الذي فقد بريقه منذ سنوات".

وأضاف خدوش لـ 'العربي الجديد"، أن "المثل الجزائري يقول "ما يحس بالزوالي غير الزوالي" أي لا يعرف معاناة صاحب الدخل المتوسط إلا صاحب دخل مماثل له، وبالتالي كيف يمكن لهم وهم المنحدرون من نظام بوتفليقة أن يحملوا حلول لأزمة لم تطاولهم يوما، فاقد الشيء لا يعطيه".

وينافس على كرسي رئاسة الجزائر، خمسة أسماء وهي عبد المجيد تبون رئيس الحكومة (سنة 2017) وقبلها وزير السكن، بالإضافة لعلي بن فليس، رئيس الحكومة الثانية في عهد بوتفليقة، وعز الدين ميهوبي وزير الثقافة (2017-2019)، وعبد القادر بن قرينة وزير السياحة سابقا، برفقة عبد العزيز بلعيد أصغر المرشحين، لم يسبق له أن شغل منصبا ساميا في الدولة الجزائرية.

وتزايدت مخاوف الطبقة الوسطى التي كانت إلى ماضٍ قريب "مفخرة الجزائر المستقلة" بسبب الصدمة التي تعرض لها الاقتصاد الجزائري جراء انهيار مداخيل النفط، وباتت هذه الطبقة تترقب انهياراً وشيكا لجزء كبير منها في ظل تأكيد التوقعات إلى تواصل الأزمة الاقتصادية إلى ما بعد 2022.

ويقول موظف في قطاع البريد، كمال بهوان، إن "الطبقة الوسطى لن يكون لها بقاء في الجزائر بعد 5 سنوات على الأكثر في ظل التراجع الحاد للمؤشرات الاقتصادية، فكيف يمكن لمواطن يتقاضى 20 ألف دينار (حوالي 200 دولار) أن يعيش 30 يوما وكيس الحليب الواحد يبلغ 25 دينار والخبز بـ 10 دنانير والخضر كلها فوق 50 دينارا للكيلوغرام الواحد، دون احتساب النقل والعلاج والكهرباء والماء، إذاً كلنا فقراء ولسنا من الطبقة الوسطى".

وتتقاطع رؤية المواطن كمال مع رؤية المواطنة لامية عشعوش، لمستقبل الطبقة الوسطى، التي أكدت لـ"العربي الجديد" أن "الزوالية" يزدادون فقرا كل سنة وسيصبحون في خبر "كان" لأن السلطة تريد ذلك فهي ترفع الأسعار دون رفع الرواتب وفي نفس الوقت تساعد الأغنياء بمنحهم إعفاءات بحجة دعم الاستثمار وتنويع الاقتصاد، وظهر في الأخير أنهم هربوها إلى الخارج، ما أدى إلى سجن العديد من رجال الأعمال والوزراء.

وتعاني الجزائر من أزمة مالية حادة في ظل تراجع الإيرادات النفطية، وهوت إثرها احتياطات الجزائر من العملة الصعبة إلى 72.6 مليار دولار مع نهاية إبريل/نيسان 2019، مقابل 79.88 مليار دولار في نهاية سنة 2018، أي بانخفاض قدره 7.28 مليارات دولار في أربعة أشهر فقط. وتوقعت الحكومة في موازنة 2019، انخفاضا في احتياطات الصرف إلى 62 مليار دولار، ثم إلى 47.8 مليار دولار في 2020 لتتهاوى إلى 33.8 مليار دولار في 2021.

ويعود ظهور الطبقة الوسطى في الجزائر في أحضان القطاع العام، إلى عهد الاشتراكية، وخاصة خلال مرحلة الرهان على التصنيع السريع، حيث كانت الحاجة ماسة إلى موظفين ومهندسين لترجمة المشروع قبل 30 سنة.

وإن لم يُحدد ضوابط لتعريف الطبقة الوسطى فإنه يمكن تحديدها كما يقول أستاذ الاقتصاد الاجتماعي في جامعة باجي مختار، سعيد بربيش، "حسب الدخل، والتي يمكن حصرها في الأشخاص الذين يتقاضون ما بين 200 دولار و1600 دولار في الشهر".

وأضاف الخبير الجزائري لـ"العربي الجديد"، أن "الطبقة المتوسطة ليست غنية إلى درجة تسمح لها بالعيش دون خوف من الظروف الاقتصادية التي تمر بها الجزائر، ولا هي فقيرة إلى درجة تسمح لها بالاستفادة من المنح التي تخصصها الحكومة الجزائرية للفقراء، فهي تمثل 52 في المائة من سكان البلاد المقدر عددهم بنحو 42 مليون نسمة".

ومن جانبه، يقول الخبير الاقتصادي، جمال نور الدين، إن "المخاوف بدأت تكثر وسط المجتمع الجزائر من زوال الطبقة الوسطى وتحول المجتمع إلى طبقتين "برجوازية" غنية تزداد غنى وتبحث عن جمع المال وأخرى فقيرة تزداد فقرا همها كسب قوت يومها".

وأضاف المتحدث نفسه، أن غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية بالنسبة للطبقة الوسطى عاملان يعجلان باتساع دائرة الفقر على حساب دائرة "ميسوري الحال".

وبعد أن عاشت الطبقة الوسطى في الجزائر سنوات "وردية" منذ 2010 حتى 2014 تميزت برفع أجور عمال القطاع العمومي ورفع الراتب الوطني الأدنى المضمون، إلى 18 ألف دينار (150 دولارا)، إلا أن هذه الشريحة من المجتمع أضحت تعيش حاضرا يتميز بتدهور قدرتها الشرائية جراء انهيار قيمة الدينار وارتفاع الأسعار، وهو وضع قد يغير تركيبة المجتمع الجزائري إذا استمر الحال على هذا الحال.

وكان البنك الأفريقي للتنمية قد كشف في دراسة له أجراها سنة 2016، أن 34 في المائة من الطبقة الوسطى في الجزائر باتت مهددة بالفقر.

وإن كانت مخاوف المتتبعين للشأن الاقتصادي ومن خلفهم المواطنين من زوال الطبقة الوسطى في الجزائر لأسباب خارجة عن طاقتها، إلا أن بعض الخبراء يرون أن تركيبة هذه الطبقة كانت عاملا آخر يؤثر على بقائها.

وفي هذا السياق، يقول الخبير الاقتصادي، فرحات علي، أن "الطبقة الوسطى مبنية أساسا على أفراد يعيشون من الريع، ولا يساهمون في خلق الثروة، عكس البلدان المتقدمة التي تعتمد في نموها على هذه الشريحة باعتبارها خلاقة للثروة الدائمة فهي تنتج وتستهلك في نفس الوقت بالإضافة إلى أنها أكثر الطبقات دفعا للضرائب من الاقتطاع المباشر من رواتبها".

وأضاف الخبير الجزائري لـ "العربي الجديد"، أن "الحكومة من جانبها لم تعر اهتماما لهذه الفئة حيث ركزت على الفقراء والأغنياء فقط".

المساهمون