"فلسطين... الأرض الموعودة" لليانا صالح: الجماليات البصرية وبشاعة الواقع

17 اغسطس 2019
الصورة
ليانا صالح: الأفلام توثِّق الرواية الفلسطينية (العربي الجديد)
أنجزت الفلسطينية ليانا صالح فيلمًا وثائقيًا جديدًا، بعنوان "فلسطين.. الأرض الموعودة" (إنتاج قناة "فرانس 24"، إخراج مشترك مع الصحافي والمراسل الحربي جيمس أندريه)، محاولةً البحث فيه عن الحقيقة في الأراضي المحتلة، عبر سرد مميّز لنمط حياة الإنسان الفلسطيني، الذي يظهر في الفيلم أنّه، رغم الحرب، لا يزال يعيش ويرقص ويغنّي، ويمارس حياته اليومية بفرح مكلّل بالحزن والألم، وبحلم العودة ذات يوم إلى أهله وأصحابه، كما في شهادة مؤثرة لرجل عجوز، أمضى نحو 70 عامًا بعيدًا عن أرضه.

في حوارها مع "العربي الجديد"، قالت ليانا صالح، الفلسطينية المولودة في رام الله والمُقيمة فيها أعوامًا مديدة، قبل مغادرتها عام 2005 لإكمال دراستها في الإخراج السينمائي في باريس: "بحكم عملي كصحافية في "فرانس 24" منذ 10 أعوام، ابتعدتُ عن الإخراج وانصرفت إلى الإعلام. بدأت في قسم الأخبار كمعدّة تقارير، قبل إتاحة فرصة خوض تجربة ميدانية في تغطيات صحافية عدة، أنجزت خلالها تقارير صحافية من بلدان عربية مختلفة". أضافت أنها التحقت، عام 2015، بقسم البرامج، وبدأت إعداد برنامج "ثقافة" وتقديمه، مستضيفة فيه فنانين وكتابا ومبدعين في مجالات متنوّعة، ومن بلدان مختلفة. تجربتها الوثائقية الأولى مع "فرانس 24" كانت عام 2015، مع فيلم "ثائرة من الرقّة"، الذي أخرجته مع كلير بييه: فتاة سورية غامرت بحياتها لتوثيق مدينتها، التي سيطر عليها تنظيم "داعش" (حاز الفيلم جوائز عدة). أما فكرة "فلسطين.. الدولة الموعودة"، فجاءت من "رغبة مشتركة مع زميلي جيمس أندريه في إنجاز شريط تأمّلي، يبتعد ولو خطوة واحدة عن لغة الأخبار وصُورها".



مع بداية مارس/آذار 2018، واقتراب الذكرى الـ42 لـ"يوم الأرض"، بدأت التحضيرات لمسيرة "العودة الكبرى"، فنُصبت خيام في قطاع غزة، بالقرب من السياج الشائك الذي يفصل دولة الاحتلال عنه: "هذا الموضوع ولّد لديّ رغبة في اكتشاف واقع الفلسطينيين اليوم، الذين يعيشون بين الاحتلال الإسرائيلي وقيادات سياسية فاسدة، في الضفّة والقطاع، بالإضافة إلى تهالك الأحزاب السياسية، وانهيار المشروع الوطني الفلسطيني".

عن الصعوبات والمشاكل المادية وغير المادية، التي واجهتها أثناء تصوير الفيلم، خصوصاً أنّ بعض مشاهده صُوِّرت في منطقة "ج" (سي)، ذات السيطرة الإسرائيلية إداريًا وأمنيًا في الضفة الغربية، قالت ليانا صالح: "في البداية، كنا ننوي القيام برحلة على حدود أراضي الـ67، التي يُفترض بدولة فلسطين أنْ تُقام عليها، بحسب القرارات الدولية. لكن للأسف، لم نتمكّن من الحصول على تصريح إسرائيلي للدخول إلى قطاع غزة، فقرّرنا البقاء في الضفة الغربية، وركّزنا اهتمامنا على مناطق "ج" (سي)، التي تُشكّل نحو 60 بالمائة من أراضي الضفة، ويعيش فيها مئات آلاف الفلسطينيين في شقاء يومي. تقسيم أراضي الضفة إلى مناطق "أ" و"ب" و"ج" من نتائج اتّفاق "أوسلو 2"، وكان يُفترض به أنْ يكون مؤقّتا بانتظار حلّ نهائي".

أضافت صالح: "اليوم، يدفع الفلسطينيون ثمنًا باهظًا في هذه المناطق، فهم يعيشون تحت تهديد الاحتلال الذي يُقوّض مصادر عيشهم واستقرارهم". وأشارت إلى أنها وفريق العمل، أثناء تجوّلهم في مناطق "ج"، حيث توجد مئات المستوطنات الإسرائيلية، "توقّفنا في قرية جب الذيب، وهي قرية نائية في جنوب الضفة، وهي تُشكّل نموذجًا لما يعانيه الفلسطينيون هناك. همّي كان رصد يوميات الفلسطيني العادي، وعلاقته بالمكان والذاكرة، وهي علاقة مُعقّدة بطبيعتها، وتختلف من مكان إلى آخر، ومن جيل إلى آخر. فهناك جيل النكبة، الذي يحمل ذاكرة المكان الأول. وهناك جيل أوسلو، الذي دفع الثمن غاليًا خلال الانتفاضة الثانية. وهناك جيل الألفية الثالثة، الذي ورث هذه الهزائم كلّها، مع ثقل الذاكرة، وهَمّ إيجاد أدوات جديدة لإكمال صراع البقاء على هذه الأرض".
وعن تتبّعها المكثّف والدقيق لحياة الفلسطينيين في بعض الأراضي المحتلة، ذات الصلة الوطيدة بمعجم فلسطيني خاص، كـ"انتفاضة" و"عودة" و"لاجئ" و"تحرير"، قالت ليانا صالح: "هذه مفردات مُعاشة وحيّة، تجاوزت اللغة، وأصبحت مقادير أساسية في تشكيل الهوية الفلسطينية اليوم. المقادير تتفاوت في أهميتها بين فلسطيني وآخر، فالشيخ المُهجّر من يافا عام 1948، والذي عاش في المخيم أكثر من 7 عقود، يبقى انتماؤه الأول إلى يافا، ومفردته الأولى هي العودة. أما ابن الـ20 عامًا، الذي ولد وكبر في المخيم، فانتماؤه إلى المخيم كوطن يعرفه ويُدرك حدوده، ومفردته الأولى ليست بالضرورة عن العودة، لكنها بالتأكيد موجودة كحالة إدراك لهوية ناقصة، لا تكتمل إلا بالعودة، بغض النظر عن شكل هذه العودة".

وتوقّفت صالح عند غسان كنفاني، قائلةً إنّه "فكّك هذه المفردات بشكل بديع في أعماله الأدبية، التي لا تزال مرجعًا ثقافيًا لفهم ما آلت إليه الذات الفلسطينية". ورأت أنّ "المشكلة لا تكمن في المخيلة الفلسطينية، بل في السرد الفلسطيني المرتبط ـ بحكم الصراع ـ بمرجعيات ورموز شكّلت أسسه بوعي أو بلاوعي". وقالت إنّها لا تعرف إذا "كانت الأفلام قادرة على تحرير المخيلة، لكنها بالتأكيد قادرة على توثيق الرواية، أو الروايات الفلسطينية، ومساءلة سرديّتها". وتمنّت أن يُساهم فيلمها، "ولو قليلاً"، في تَشَكّل فلسطين كقطب ثابت ورافد من الروافد التي تلعب دورًا في تشكيل المخيال الجمعي للشعب الفلسطيني: "هناك الفلسطينيون، وهناك فلسطين الفكرة، وفلسطين المكان الذي يمتاز بكثافة المفردات البصرية فيه، كالحاجز والمخيّم والجدار وغيرها، وهذه كلّها عناصر مستفزة، لكنها مثيرة للتصوير، لما تحمله من جماليات بصرية رغم بشاعتها".

لكن، هل يمكن للصورة وحدها أن تحكي عن هذه الثنائية؟ "باعتقادي نعم، فهي قادرة على البوح إذا أتيحت لها فرصة التعبير، بعيدًا عن ثرثرة اللغة". وهل لا تزال فلسطين جُرحَ المواطن العربيّ منذ 1948، أم أن الحروب والويلات، التي أصابت الفضاء العربي في السنوات الأخيرة، كسرت حضور فلسطين في الذاكرة السينمائية العربية؟ أجابت صالح: "المعجم الفلسطيني الذي تحدّثت عنه بات اليوم معجمًا عربيًا. فالمخيم واللجوء والعودة لم تعد حكرًا على الفلسطينيين، بل صارت قدرًا لأناس كثيرين. فلسطين باتت مرجعًا لمقاربة هذه الويلات. ربما الشأن الفلسطيني غائب عن شاشات التلفزيون، لكنّه موجود في السينما، فهناك أفلام فلسطينية متميّزة، ومهرجانات سينمائية متخصّصة في الشأن الفلسطيني".

دلالات

تعليق: