العراق: كورونا يزيد المساكن العشوائية

العراق: كورونا يزيد المساكن العشوائية

05 يناير 2021
بابا نويل زار حيّاً عشوائياً في النجف (حيدر حمداني/ فرانس برس)
+ الخط -

كوارث فيروس كورونا الجديد لا تقتصر على المرض نفسه. وفي العراق خسر كثيرون مصادر دخلهم، وطُردوا من بيوتهم المستأجرة، فلجأوا إلى السكن العشوائي

زاد انتشار فيروس كورونا الجديد من الفقر في العراق، حتى ارتفع إلى مستويات قياسية في غضون أشهر فقط، وهو ما أدى بدوره إلى بروز ظواهر اجتماعية لم تكن مختفية سابقاً، لكنّها باتت أكثر وضوحاً واعترافاً بها على المستوى البرلماني والحكومي، من بينها زيادة اللجوء إلى المساكن العشوائية، بعدما اضطر عدد من الأهالي إلى الخروج من منازلهم المستأجرة واختيار بعض الأراضي التابعة للدولة وبناء وحدات سكنية عليها. يترافق ذلك مع توقف حملات الرقابة وما فيها من إزالة للمنازل العشوائية قبل اكتمال بنائها، بسبب حظر التجول وتعطيل الدوائر الحكومية المختصة.

طلاب وشباب
التحديثات الحية

لا يملك المسؤولون في الحكومة العراقية أيّ إحصائية دقيقة لتنامي ظاهرة السكن العشوائي، لكنّهم يؤكدون ارتفاعها من خلال ملاحظات موظفي البلديات في عموم المحافظات، بعد عودتهم إلى نشاطاتهم في مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، تحديداً في مناطق الفرات الأوسط (وسط العراق). ويصل السكن العشوائي إلى أماكن قريبة من الدوائر الحكومية، ومواقف السيارات، والبساتين في أطراف المدن، كما كان اللجوء إلى شراء الكرفانات الجاهزة ووضعها على الأرض التابعة للدولة سمة الأشهر الماضية.
الفقر من أبرز الأسباب التي دفعت إلى ذلك، بحسب المسؤول المحلي في محافظة بابل، حسين الغريباوي، الذي يقول لـ"العربي الجديد" إنّ "عشرات الأسر التي تعتمد على الأجور اليومية في الأعمال الحرة، اضطرت إلى مغادرة المنازل التي تستأجرها، بسبب عدم تساهل أصحاب الأملاك مع المستأجرين، ما أدى إلى خروج جماعي لشريحة من الفقراء والتوجه نحو المساكن العشوائية، أو البناء على أراضي الدولة". يتابع قائلاً: "الحكومة العراقية لم تساند الشريحة الفقيرة التي تضررت وفقدت عملها بسبب الإجراءات التي سبّبتها جائحة كورونا، فقد أقرّ العراق حظراً للتجول استمر أكثر من ثلاثة أشهر، وفي المقابل لم تسعف الجهات الحكومية المتضررين من هذه الإجراءات"، مشيراً إلى أنّ "تعاظم نسبة سكان المناطق العشوائية في العراق، تتحمله الحكومة التي فيها وزارة للتخطيط، يفترض أن تعرف كيف تدير الأمور، وبالتالي إنّ غالبية سكان العشوائيات هم ضحايا الأخطاء الحكومية".
وكانت وزارة التخطيط العراقية قد أعلنت في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، عن ثلاثة ملايين ونصف مليون مواطن عراقي يسكنون في العشوائيات في عموم البلاد. وهي نسبة تعادل نحو 10 في المائة من مجموع السكان. وتتصدر محافظات بغداد والبصرة ونينوى صدارة المحافظات العراقية في الأحياء العشوائية. وأضافت أنّ عدد العشوائيات تجاوز أربعة آلاف تضمّ أكثر من 500 ألف وحدة سكنية". وأشارت إلى أنّها "بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (الموئل) وضعت خطة لتنفيذ مسح شامل للعشوائيات للوقوف على واقعها وتحديد الحلول والمعالجات المطلوبة، في ضوء القانون الذي قدمته الوزارة، الخاص بمعالجة السكن العشوائي وتسويته".
على الرغم من إشارة الوزارة إلى أنّ نسبة السكان في الأحياء العشوائية تعادل نحو 10 في المائة من سكان العراق، فإنّ مسؤولاً حكومياً يؤكد لـ"العربي الجديد" أنّ "النسبة أكبر مما أعلنته وزارة التخطيط، بل إنّ هذه النسبة هي رؤية ما قبل انتشار كورونا في البلاد، إذ زادت بعد انتشاره وما زالت في ارتفاع مستمر". يضيف أنّ "الحكومة العراقية لا تمتلك نسبة واضحة أو معلومات دقيقة عن هذه الظاهرة المستمرة بالانتشار، لكنّها تحاول أن تمنع تمددها من خلال الفرق الخاصة بالبلديات والقوات الأمنية التي تفرض عقوبات بحق المتجاوزين على الأملاك العامة". ويلفت المسؤول، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، إلى أنّه "كان من المفترض أن تدعم خطة الحكومة العراقية برئاسة مصطفى الكاظمي، شريحة المتضررين من كورونا والفقراء، وإيجاد حلول لمشكلة السكن العشوائي، لكنّ انهيار أسعار النفط، والأزمة المالية المركبة في البلاد، حالتا دون استمرار المشاريع التنموية. لذلك، لم تتخذ الحكومة أيّ قرارات تسعف المتضررين من الفيروس، بل إنّ الأزمة أجبرتها خلال الأشهر الماضية على وقف رواتب الموظفين".

قضايا وناس
التحديثات الحية

من جهتها، تشير منظمات مدنية وإنسانية وحقوقية، إلى أنّ محافظات الفرات الأوسط، تحديداً كربلاء وبابل والنجف، هي الأبرز في السكن العشوائي. هناك يتخذ الفقراء، ولا سيما مَن تأثرت مصالحهم ومصادر رزقهم بسبب كورونا، بعض البساتين العائدة إلى وزارة الزراعة والبلديات، بالإضافة إلى بعض الأراضي التابعة لوزارة المالية وأخرى للموارد المائية، مساكن لهم بُنيت بطرق بسيطة، فيما اختار آخرون شراء كرفانات، وهي غرف جاهزة مصنوعة من الألمنيوم والحديد، ليستقروا فيها على أراضٍ لا تعود إليهم.
تعليقاً على القضية، يقول المتحدث باسم وزارة التخطيط العراقية، عبد الزهرة الهنداوي، إنّ "جائحة كورونا خلفت ارتفاعاً بنسب الفقر في البلاد، وزادت الأزمة الاقتصادية والمالية بسبب هبوط أسعار النفط. الفقر قد يزداد مع عدم وجود الحلول للعبور بالعراق إلى برّ الأمان"، موضحاً أنّ "الوزارة تمضي في إيجاد الحلول المناسبة، وفق ما تسمح به الظروف في البلاد، وضرورة الاستفادة من تجارب الدول الأخرى في مجال معالجة ملف المساكن العشوائية، والانفتاح على شركات القطاع الخاص، للبحث في إمكانية بناء مجمعات سكنية مناسبة، تسهم في حلّ المشكلة". يشير الهنداوي إلى أنّ "الفقر تزايد في العراق من 20 في المائة إلى 34 في المائة، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة أكثر، وإن بحدود ضئيلة"، لافتاً إلى أنّ "عدد الأسر التي تعيش تحت خط الفقر تقدّر بنحو مليوني أسرة عراقية، وهذه الأسر لم تتقاضَ أيّ مبالغ دعم من الدولة بعد".

المساهمون