اتجار بالبشر... عراقيون يخشون على أبنائهم

28 نوفمبر 2020
الصورة
إحدى الضحايا (حيدر همداني/ فرانس برس)
+ الخط -

تشهد مدن عراقيّة عدّة، أبرزها بغداد والبصرة، زيادة كبيرة في جرائم الاتجار بالبشر، والتي تأخذ أشكالاً مختلفة تبدأ من استغلال العصابات الأطفال والنساء في التسول، وصولاً إلى سرقة الأعضاء. ولم يعرف العراقيون هذه الظاهرة كما هي اليوم قبل الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، ليُضاف إلى البلاد تحدٍ أمني جديد بات يقلق الأسر العراقية، خصوصاً أن المجرمين يعتمدون في أحيان كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي لاستدراج الضحايا.
وأقرّ البرلمان العراقي قانون مكافحة الاتجار بالبشر عام 2012، والذي يسمح بمتابعة وملاحقة تلك العصابات التي صارت تترصد الأحياء السكنية، خصوصاً الراقية منها، حيث يقطن ميسورو الحال. 
ويعزو مراقبون اتساع ظاهرة الاتجار بالبشر في العراق إلى الفقر والبطالة وضعف الأمن وقوة المليشيات وغيرها. كما يتهمون بعض عناصر هذه المليشيات بدعم الشبكات الإجرامية والانتفاع منها مادياً. وبين الحين والآخر، تعلن الجهات الرسمية عن تحرير مختطفين من عصابات الاتجار بالبشر، أو القبض على أفراد منها، وكان آخرها نهاية أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حين أعلنت وزارة الداخلية العراقية اعتقال امرأتين بتهمة الاتجار بالبشر في بغداد، مشيرة إلى أن "عملية الاعتقال تمت أثناء بيعهما طفلة تبلغ من العمر 5 أيام بمبلغ 20 مليون دينار عراقي (نحو 16 ألف دولار)". وبحسب البيان، تمّ الاعتقال بعد نصب كمين محكم لهما، وكان بصحبتهما طفلة أخرى تبلغ من العمر 8 أعوام، تبين من خلال التحقيقات أنهما اشترتاها بـ 3.5 ملايين دينار (2950 دولاراً)".
وخلال الشهر نفسه، أصدرت محكمة الجنايات في النجف (160 كيلومتراً جنوب العاصمة بغداد) حكماً بالسجن المؤبد بحق  متهم وشريكه وبدفع غرامة مالية، فيما حكمت على زوجة الشريك بالسجن ثلاثة أعوام لإغرائهم فتيات قاصرات بترك منازل عائلاتهن، بهدف سرقة أعضائهن.
وبحسب تقرير نشره مجلس القضاء الأعلى العراقي، فإن الفتيات هن ثلاث شقيقات قاصرات من سكان محافظة النجف، كان والدهن قد أبلغ الشرطة باختفائهن من المنزل ومعهن مبلغ 75 ألف دينار (نحو 60 دولاراً) وملابسهن وهاتف والدتهن.
وعثرت الشرطة على الفتيات الثلاث بعدما تعقبت هاتف والدتهن. وكان في حوزتهن مصوغات سلمنها لشريك المتهم الذي استضافهن وزوجته في شقة سكنية في بغداد، بهدف تمكينهن من السفر إلى خارج البلاد. وما دفعهن إلى الاستجابة هو تهديد واحد من الرجلين المتهمين إحداهن بنشر صورها التي حصل عليها من خلال حسابها على انستغرام. ووجدت الشرطة بطاقات تعريف رسمية مزورة وعليها صور الفتيات لدى اعتقالها المتهمين. 
وكانت القوات الأمنية العراقية قد تمكنت قبل نحو عامين، من اعتقال شخص كان يخترق حساب تلغرام في هواتف الضحايا المستهدفين، ليسرق الصور الموجودة فيه ويعمد إلى ابتزاز الضحايا للحصول على مبالغ مالية كبيرة في مقابل عدم نشر الصور، ما تسبب بمشاكل كبيرة لدى مئات العائلات.

رقابة
يحرص الأهل عادة على التعرّف إلى أصدقاء بناتهم والأماكن التي يقصدنها بل ويرافقونهن أحياناً للاطمئنان عليهن. لكن الخطر قد يكون موجوداً داخل البيت نفسه، وهو ما يؤكده كثيرون، منهم بهجت حسين، الذي يقول لـ "العربي الجديد" إنه اضطر إلى تعلم كل صغيرة وكبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي ليحمي عائلته.

حسن، وهو أب لأربعة أولاد، يقول إن "هناك خطراً كبيراً يهدد أسرنا اليوم. العصابات موجودة بيننا. حتى لو أقفلنا أبوابنا لن نتخلص منهم لأنهم موجودون في منازلنا وهواتفنا التي لم نعد نستطيع التخلي عنها". يُتابع: "أضطرّ أحياناً إلى الطلب من أفراد أسرتي الاطلاع على محادثاتهم الخاصة على حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي. يتضايقون لكنني أرى أن هذا من حقي لأحافظ على حياتهم. هم أيضاً باتوا يتفهمون خوفي هذا، خصوصاً أنني أخبرهم باستمرار عن هذه الجرائم من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، سواء داخل العراق أو خارجه".
هذه العصابات باتت الشغل الشاغل للناس، إذا تكثر جرائم الخطف وهرب المراهقين من كلا الجنسين، بالإضافة إلى ما تعلنه  الأجهزة الأمنية عن اعتقال عصابات متخصصة. وتقول ثريا سلمان (51 عاماً)،  لـ "العربي الجديد"، إنها كانت على وشك فقدان ابنتها بعدما اكتشفت أن هناك من يتربص بها من خلال موقع فيسبوك، ويُحاول اقناعها بإجراء عملية تجميل للأنف. وتوضح أنها اطّلعت على محادثات ابنتها المراهقة مع فتاة لا تعرفها، تضمنت مساعٍ لإقناعها بإجراء عملية تجميل للأنف في إيران بسعر زهيد جداً يغطي تكاليف السفر والطعام وغيرها. "وحين صارحتني ابنتي، قالت إنّها مقتنعة بإجراء هذه العملية لكنها اعترفت بعدم معرفتها بصاحبة الحساب، وأن علاقتهما بدأت من خلال فيسبوك".

العراق (أحمد الربيعي/ فرانس برس)
(أحمد الربيعي/ فرانس برس)

إذاً، تتسع ظاهرة الاتجار بالبشر على الرغم من تشريع البرلمان العراقي قانون مكافحة الاتجار بالبشر رقم 28 لسنة 2012. وينص القانون على أن "الاتجار يقصد به، تجنيد أشخاص أو نقلهم أو إيواؤهم أو استقبالهم بوساطة التهديد بالقوة أو استعمالها أو غير ذلك من أشكال القسر أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال السلطة أو بإعطاء أو تلقي مبالغ مالية أو مزايا لنيل موافقة شخص له سلطة أو ولاية على شخص آخر، بهدف بيعهم أو استغلالهم في أعمال الدعارة أو الاستغلال الجنسي أو السخرة أو العمل القسري أو الاسترقاق أو التسول أو المتاجرة بأعضائهم البشرية أو لأغراض التجارب الطبي".

تورط الأمن
يقول مسؤول أمني رفيع في وزارة الداخلية العراقية رفض الكشف عن اسمه، لـ "العربي الجديد"، إن "عناصر داخل الأجهزة الأمنية وأخرى في مليشيات نافذة لها علاقة ببعض هذه الجرائم تمنع القضاء عليها". ويؤكّد أن الأجهزة الأمنية تبذل جهوداً كبيرة لملاحقة المجرمين، مشيرة إلى أنها تمكنت من اختراق عدد كبير من هذه الشبكات وإطاحتها. ويوضح أن "الاتجار بالبشر مخالف للقانون، وعادة ما ترتكبه مجموعات تابعة لمليشيات نافذة في الدولة"، مشيراً إلى أنّ "هذه المجموعات تدعم الشبكات التي تدير المتسولين والسطو المسلح والدعارة وتهريب المخدرات. وفي حال التعرض لها من قبل الأجهزة الأمنية، يتعرضون لتهديدات وتتدخل جهات نافذة في الدولة لمنع التعرض لهم". ويؤكد أن "وجود هذه الشبكات المدعومة من قبل مليشيات تشجع قيام شبكات أخرى غير مدعومة لارتكاب الجرائم سعياً لكسب المال".

ويذكر أنّ بعض الشبكات تعمل بشكل محترف لاستدراج الضحايا من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، منها على سبيل المثال نشر إعلان عن حاجة مريض الى متبرع بعضو ما، دون الإعلان عن المبلغ. ويشير إلى أنه من خلال الشبكة، يتم تداول الإعلان ونشره والتعليق عليه ليتداوله أكبر عدد ممكن من الأشخاص ليصل إلى الفقراء الذين هم في حاجة إلى المال. 
ويشرح المسؤول أن هناك نوعين من الاحتيال: "الأول هو تحديد شخص معين معروف الهوية ذكراً كان أو أنثى، والعمل على الإيقاع به من خلال مواقع التواصل الاجتماعي أو التواصل المباشر، والثاني هو استدراج الضحايا من دون معرفة سابقة. في الأول، يكون الهدف واضحا وكذلك الغاية. على سبيل المثال، خطف الضحية وبيعها خصوصاً الأطفال والفتيات الصغيرات، أو إجبارهم على العمل في مجال التسول أو الدعارة أو غيرها بعد السيطرة عليهم من خلال المخدرات. أما الثاني، فهو من خلال نشر الإعلانات بهدف استدراج أي ضحية من دون معرفة مسبقة بها".

طفل متسول في العراق (وليد الخالد/ فرانس برس)
(وليد الخالد/ فرانس برس)

من جهته، يقول الأكاديمي والباحث واثق عباس، إنّ "العصابات التي تمارس الاتجار بالبشر باتت تتقن وسائل مختلفة ومبتكرة لخداع الضحايا"، مضيفاً لـ "العربي الجديد" أن "عوامل عدة أدت إلى انتشار هذه العصابات، أبرزها الفقر والبطالة وضعف القانون وانتشار السلاح. وهذه العوامل عززتها الظروف الصعبة التي مرت بها البلاد مثل الطائفية والحروب والصراعات". ويشير إلى أن من بين أبرز قضايا الاتجار بالبشر لجوء عصابات إلى "تجنيد الأطفال وإجبارهم على التسول، لتحقيق مكاسب كبيرة".
وتطرّق عباس إلى تقارير وإحصائيات نشرها باحثون ومراكز اجتماعية، تفيد بأن أكثر من خمسين في المائة من هذه الجرائم حدثت في العاصمة بغداد. وغالبية الضحايا هم من الأطفال والنساء، مشيراً إلى أن هذه التقارير تؤكّد أن سلطة هذه الشبكات قوية ما يعني أنها قادرة على الفرار من العقاب. ويرى عباس أن الحدّ من هذه الجرائم يكون من خلال "التوعية وحث العائلات على توخي الحذر"، لافتاً إلى أن الفقر والبطالة هما أبرز عاملين للاتجار بالبشر. يضيف أن كثيرين يقعون في الفخ نتيجة الجهل، مشيراً إلى أنه "كلّما كان الوضع الأمني متردياً زادت نسبة جرائم الاتجار بالبشر. لذلك، على الدولة إيجاد حلول ناجعة وقوانين صارمة لإيقاف مثل هذه الجرائم الخطيرة على المجتمع".

المساهمون