انتفاضة لبنان: صراع النفس الطويل وفقدان الأمل

17 أكتوبر 2020
الصورة
رسخت الانتفاضة مفهوم التضامن بين المنتفضين (حسين بيضون)

تستعدّ ساحات لبنان، اليوم السبت، لاستقبال منتفضي "17 أكتوبر/تشرين الأول 2019"، بعد مرور عامٍ على صرخةِ شعبٍ نزل الى الشارع بالآلاف، وحطَّمَ حواجز الطائفية، وعرّى الطبقة السياسية الحاكمة، وأنزل الزعماء عن عروش الاستقواء والتسلّط، فأفقدهم هيبتهم ولا سيما في بيئتهم الخاصة ومعاقلهم، التي استعادت صوتها الحرّ. وفي الذكرى الأولى، على تحركات رفعت شعار "كلن يعني كلن" ووحّدت اللبنانيين للمرّة الأولى حتى في الأعلام والأناشيد الوطنية، وكسر صورة الرايات واللافتات الحزبية، تعيش الانتفاضة خطر البقاء والصمود، في ظل تراجع الزخم، وصعوبة تكرار مشهد الحشود التي ملأت السّاحات لأسباب كثيرة. من هذه الأسباب، خرق الأحزاب للتحركات والمجموعات ما أضرّ بمدنية وموضوعيّة الثورة، وافتعال أعمال شغب أحدثت قلقاً في صفوف المعتصمين، لا سيما العائلات التي فضّلت عدم تعريض حياة أولادها للخطر، بالإضافة إلى عوامل عدة، أهمها فيروس كورونا الذي فرض خروج المنتفضين من الشارع بعد أشهرٍ من التحركات، وفقاً للمواطنة سارة ياسين.

 

هموم تأمين لقمة العيش صارت تحتل الأولوية عند كثيرين

وتضيف ياسين في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أنها لم تترك الساحة يوماً، وشاركت في كل التظاهرات من بيروت إلى طرابلس شمالاً وصيدا جنوباً، لكنها فقدت الحماسة ووصلت إلى قناعة بأنّ التغيير مستحيل في لبنان، خصوصاً أنها لمست في الأشهر الماضية عودة الكثير من المنتفضين إلى أحزابهم، ومواقفهم السابقة، بمعنى "كلن يعني كلن باستثناء زعيمي". وتشير إلى أنه "لأجل ذلك وبعدما تلّهيت عن عملي بسبب الانتفاضة، وأهملت حياتي، قرّرت التركيز على تحقيق أحلامي حتى لو كانت خارج لبنان".

تجربة طلال زيدان، مختلفة، ومؤسفة، فالشاب الثلاثيني، الذي انتفض لقيام الدولة وشارك في كلّ التحرّكات، اختار طريق مطار بيروت، وهاجر إلى ألمانيا في 6 يوليو/تموز الماضي. ويقول زيدان لـ"العربي الجديد"، إنّ احتمال السفر كان موجوداً من قبل، لكنه اتخذ القرار ليس لأنه فقد الأمل بالانتفاضة بشكل عام، بل بقدرته الشخصية على التحمّل، والصحة العقلية، والموارد المادية أيضاً التي لم تعد تخوّلني البقاء داخل الوطن وفي قلب الحياة السياسية. كذلك، وجدت صعوبة في عزل نفسي عما يدور حولي، حتى تدهورت المساحة الآمنة الخاصّة بي أكثر. ما جعلني داخل الدوامة نفسها، فكنت بحاجة للنظر إلى حياتي الشخصية وربما التغيير من مكان إقامتي اليوم بوسائل وطرق عدّة، منها الاقتراع في الانتخابات النيابية المقبلة. ويضيف: "يوم وقع الانفجار في مرفأ بيروت (4 أغسطس/آب الماضي)، كنت في هامبورغ (مدينة ألمانية)، وفي كلّ مرّة أدخل فيها غرفتي، أشعر وكأنني عدت إلى لبنان، بمجرّد رؤيتي للحظات المجزرة وردود الفعل عبر مواقع التواصل الاجتماعي. الأمر الذي جعلني أعيش حياة مزدوجة وهذا الأمر صعبٌ جداً".

في المقابل، يقول، الناشط طارق أبو صالح لـ"العربي الجديد"، إن الانتفاضة لم تبلغ بعد مستوى تغيير الحكم أو إسقاط النظام، لكنها أحدثت تغييرات كثيراً، خصوصاً في مناطق محسوبة سياسياً على جهات حزبية، انتفضت على واقعها وحصارها، ونبذت الخطاب الطائفي الذي تفكّكت خطوطه الحمراء، فانكسر حاجز الخوف، وعمّر جدار التكاتف بين المواطنين. ويشير إلى أنّ أهم ما أنتجته الانتفاضة، هو التحركات التي لم تنقطع ولو "اختفى" مشهد التجمعات الكبيرة، أي لناحية الاعتصام أمام مؤسسات أو وزارات عند حصول أي تسوية أو تمرير لملفات فساد أو تعيينات، وللضغط بتحقيق دولي مثلاً في انفجار مرفأ بيروت. ونلاحظ، كيف أنه في كلّ مرّة يصار فيها إلى توقيف أو اعتقال ناشط، أو تعرّض معتصمين لانتهاكات، تخرج على الفور مظاهر التضامن من الناشطين في مختلف المناطق، وتتحرك بأساليب مختلفة من مسيرات أو قطع طرقات أو اعتصامات امام قصور العدل أو منازل قضاة وغير ذلك، في سبيل الاعتراض. كما أن المسؤولين فقدوا مساحاتهم الخاصة، وقدرهم على الذهاب الى الأماكن العامة خوفاً من طرد الناشطين لهم.

ويؤكد أبو صالح الذي تعرّض للضرب والاعتداءات مرّات عدّة خلال الانتفاضة، أنه سيشارك في كل التحركات، وليس فقط اليوم السبت، فهو لم يخرج من الشارع، لأن المعركة صعبة وتتطلب نفساً طويلاً، لكنه يتفهم الناس التي لم تعد قادرة على النزول إلى الساحات، سواء لناحية استخدام القوى الأمنية المفرط للقوة، والتوقيفات، وتركيب الملفات، والاستدعاءات الأمنية والقضائية، والإحباط، والاستنزاف، والاستسلام.

الانتفاضة لم تبلغ بعد مستوى تغيير الحكم أو إسقاط النظام

ويضيف: "هذه عوامل أدت إلى وضع المواطنين هموم تأمين لقمة العيش والأمور الحياتية قبل المشاركة في الاعتصامات. تبعاً لذلك، هناك محاولات لخلق الثقة بين المجموعات المدنية، للدخول إلى البرلمان والنقابات والبلديات وكلّ موقع أو مركز يتيح لنا فرصة التغيير، والوقوف كجبهة واحدة بوجه السلطة، التي للأسف عادت وعوّمت نفسها من خلال المبادرة الفرنسية، التي كانت ستؤدي قبل يومين إلى تكليف رئيس الوزراء السابق سعد الحريري الذي أسقطته الانتفاضة، لتشكيل حكومة. ونحن لا نزال نريد الحكومة مستقلة بالكامل ومؤلفة من اختصاصيين، خصوصاً بعد انفجار مرفأ بيروت الذي جعلنا في مواجهة مع نظام ليس فاسداً فقط بل قاتل أيضاً".

وتؤكد مروى غزيري لـ"العربي الجديد"، أنها لن تترك الشارع، لكنها باتت أكثر حذراً، نتيجة استخدام الأجهزة الأمنية لأسلحة محرّمة دولياً، والإفراط في استخدام القوة بشكل مخالف للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، الذي عرّض كثيرين لإصابات طاولت العيون وأعضاء حيوية في الجسم خصوصاً في تظاهرة 8 أغسطس. وتشدّد على أنها ستكون في قلب المواجهة مع السلطة في أي استحقاق أو حادث أو حدث، لترك المسؤولين متأهبين لردود فعل المواطنين الذين لن يسكتوا بعد اليوم على ارتكاباتهم، وفسادهم، فهي مثلاً على المستوى النقابي، تأمل في صنع التغيير في نقابة المهندسين التي تأسف لتأجيلها المتواصل، في دلالة على الخوف من المستقلّين والمنتفضين لدولة المؤسسات والقانون والعدل. وترى أنّ الانتفاضة حققت الكثير ولم تتمكن من حلّ أمور كثيرة أيضاً، لكن بحسب تصوّري فإنّ أساس أي تغيير ينطلق من السلطة القضائية التي يجب أن تكون مستقلّة وعادلة في أحكامها، ومن خلالها نبني الدولة التي نطمح إلى العيش فيها، في خطوة تنسحب لحل باقي المشاكل من فساد وهدر، بمجرّد تفعيل المحاسبة.