أفغانستان: انسحاب أميركي متأرجح و"طالبان" تُطبق على مناطق إضافية

أفغانستان: انسحاب أميركي متأرجح و"طالبان" تُطبق على مناطق إضافية

23 يونيو 2021
تخشى الولايات المتحدة سقوط كابول بيد "طالبان" (فرانس برس)
+ الخط -

تكبر التحديّات الأمنية في أفغانستان، على وقع استمرار الانسحاب الأميركي منها، في ظلّ مواصلة حركة "طالبان" هجماتها وسيطرتها على مناطق جديدة أخيراً من جهة، وفي ظلّ إعادة الانتشار الأمني والاتفاق على دور باكستان وتركيا في البلاد من جهة أخرى. وتحاول الولايات المتحدة رسم خريطة أمنية ـ سياسية مستقبلية لأفغانستان، بما يؤمّن استمرار العمل بالاتفاق الموقّع بينها وبين "طالبان" في العاصمة القطرية الدوحة في 29 فبراير/ شباط 2020، وتزخيم الحوار الأفغاني ـ الأفغاني ودفعه قدماً. وهو ما دفعها لتوجيه دعوة إلى الرئيس الأفغاني أشرف غني وكبير مفاوضي الحكومة في المحادثات مع "طالبان" عبد الله عبد الله لزيارة البيت الأبيض، بعد غد الجمعة، حسبما أعلنت المتحدثة باسم الرئاسة الأميركية جين ساكي، مساء الأحد الماضي، مضيفة أن "الزيارة ستؤكد الشراكة الدائمة بين الولايات المتحدة وأفغانستان في وقت يتواصل فيه الانسحاب العسكري". ويأتي اللقاء في واشنطن في أعقاب إعلان "طالبان" سيطرتها على منطقة ميوند في قندهار، وعلى منطقة مديرية إمام صاحب في ولاية قندوز، مهددة ما تبقى من الوجود الحكومي فيهما.


النقاش مستمر حول كيفية مساعدة تركيا في حماية مطار كابول

 

وتوحي الحملات العسكرية لـ"طالبان" بأزمة أمنية كبرى تنتظر الحكومة بعد الانسحاب الشامل للقوات الأجنبية، تتعلق بالسيطرة على المدن الرئيسية في مختلف الولايات، خصوصاً العاصمة كابول، مع ما يستدعيه ذلك من تفكك السلطة الشرعية، وتحوّل أفغانستان إلى ساحة اقتتال واسعة، تُطيح بكل ما تحقق في العقدين الماضيين، تحديداً في سياقات تمكين السلطات والجيش، وتهدد تالياً سلام الوسط الآسيوي، واستقرار دول الجوار، خصوصاً باكستان وإيران وتركمانستان وأوزبكستان وطاجكستان. وأعلنت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون)، مساء أول من أمس الإثنين، أنّ وتيرة انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان قد تتباطأ إذا واصلت حركة "طالبان" تحقيق مكاسب ميدانية في الهجمات التي تشنّها على جبهات عدّة، مشدّدة في الوقت عينه على أنّ هذا الأمر لن يؤثّر على الموعد النهائي لإتمام الانسحاب المقرّر في 11 سبتمبر/ أيلول المقبل. وردّاً على سؤال بشأن الهجمات التي تشنّها الحركة في أفغانستان وتأثيرها على وتيرة الانسحاب الأميركي من هذا البلد، قال المتحدّث باسم البنتاغون جون كيربي، خلال مؤتمر صحافي، إنّ "الخطط يمكن أن تتبدّل وتتغيّر إذا تغيّر الوضع". وأضاف "إذا كانت هناك أيّ تغييرات يتعيّن إجراؤها بما يتعلّق بوتيرة أو نطاق أو حجم الانسحاب في أي يوم أو أسبوع معيّن، فنحن نريد الاحتفاظ بالمرونة للقيام بذلك". لكنّ كيربي شدّد على أنّ "هناك شيئين لم يتغيّرا: أولاً، سننجز الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان، باستثناء تلك التي ستبقى لحماية الوجود الدبلوماسي، وثانياً، سيتمّ ذلك بحلول مطلع سبتمبر، وفقاً لما أمر به القائد الأعلى" للقوات المسلّحة (الرئيس جو بايدن). وكان بايدن قد قرّر في شهر إبريل/ نيسان الماضي، خلافاً لتوصية الجيش، سحب جميع القوات الأميركية من أفغانستان بحلول الذكرى العشرين لهجمات 11 سبتمبر 2001. وقد تمّ حتى يوم الإثنين، إنجاز أكثر من 50 في المائة من عمليات الانسحاب. ولفت كيربي إلى أنّ الجيش الأميركي سيواصل تقديم إسناد جوّي للقوات الأفغانية، لكنّه شدّد على أنّ هذا الدعم لن يستمرّ على حاله حتّى اليوم الأخير للوجود العسكري الأميركي في أفغانستان. وقال "ما دامت لدينا القدرات في أفغانستان، سنواصل تقديم المساعدة للقوات الأفغانية، لكن عندما يقترب الانسحاب من نهايته، ستنخفض هذه القدرات، ولن تكون متاحة بعد ذلك". وأضاف "بينما أتحدّث إليكم، ما زلنا نقدّم بعض الدعم، لكنّ هذا الوضع سيتغيّر". وفي موازاة الانسحاب الأميركي، تحقق "طالبان" تقدّماً ميدانياً على حساب القوات الأفغانية التي تنكفئ منذ شهر مايو/ أيار الماضي بوتيرة تثير القلق. وحالياً باتت الحركة موجودة تقريباً في كل ولايات البلاد وهي تطوّق مدناً كبيرة عدة، وهي استراتيجية سبق أن اتّبعتها في تسعينيات القرن الماضي للسيطرة على الغالبية الساحقة من أراضي البلاد وفرض نظامها، الذي أطيح به بعد الغزو الأميركي في عام 2001، على خلفية أحداث 11 سبتمبر. وحول المرحلة الأمنية المقبلة، أفاد البنتاغون بأنه يدرس تفاصيل الدعم المفترض تقديمه لتركيا في أفغانستان، بعد الانسحاب الأميركي وانسحاب بقية جنود حلف شمال الأطلسي. وحول ملف تأمين مطار حامد كرزاي في العاصمة كابول، تطرّق كيربي إلى تفاصيل الاتصال الهاتفي بين وزيري دفاع تركيا والولايات المتحدة خلوصي أكار وأوستن لويد أخيراً، كاشفاً أن المكالمة تأتي استكمالاً للقاء الذي جرى بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والأميركي جو بايدن على هامش قمة الأطلسي التي انعقدت في 14 يونيو/ حزيران الحالي. وأضاف أن "تركيا وافقت على أداء دور ريادي في حماية المطار، لكن العمل لا يزال مستمراً بخصوص التفاصيل، فهناك الكثير من الأمور التي ينبغي القيام بها".

وأشار إلى أن الجانب التركي طلب الحصول على دعم من الولايات المتحدة والمجتمع الدولي، وأشار إلى أنهم يدرسون الموضوع. وردا على سؤال عما إذا كانت واشنطن مستعدة لتقديم دعم مالي أو لوجستي لتركيا في هذا الموضوع، أجاب كيربي: "كما قلت لكم ندرس هذا الموضوع، ولا نعلم بعد ماهية الدعم الذي سيقدم بشكل دقيق". وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد أعلن، في تصريحات صحافية على هامش اجتماعاته مع قادة حلف شمال الأطلسي في بروكسل، أن بلاده تسعى إلى مشاركة باكستان والمجر في المهمة الجديدة بأفغانستان، بعد مغادرة قوات الحلف والولايات المتحدة. وأفادت تقارير إعلامية بأن تركيا، التي لم تنخرط قواتها بالقتال في أفغانستان، عرضت تأمين مطار حامد كرزاي الدولي. وأضاف، يوم الخميس الماضي، أنه "يمكن لتركيا أن تتحمل مزيداً من المسؤولية في أفغانستان بعد قرار الولايات المتحدة الانسحاب منها". ومن المقرر أن يزور مسؤولون من وزارة الدفاع الأميركية تركيا، اليوم الخميس، لبحث أمن مطار كابول. وقال مسؤولون أتراك رفضوا الكشف عن هوياتهم إن أعضاء من وزارة الدفاع التركية سيستقبلون الوفد الأميركي لبحث "كل التفاصيل المتعلقة بمواصلة عمل" المطار. ولا تقتصر التحديات على الانسحاب ومستقبل أفغانستان فحسب، بل ثمة نقاط لا تزال عالقة، أبرزها مصير نحو 18 ألف أفغاني عملوا لدى القوات الأميركية، يأمل بعضهم ممن عملوا مترجمين بالحصول على تأشيرة هجرة إلى الولايات المتحدة، خشية التعرض لأعمال انتقامية من "طالبان" في حال عادت الحركة إلى الحكم في كابول. ولا تحبذ إدارة بايدن نقلهم راهناً وتفضل إعطاءهم تأشيرات خاصة، رغم أن البنتاغون أعلن منذ أسابيع أنه بدأ تحضيرات لعملية إجلاء كبيرة. مع العلم أن "طالبان" دعت مترجمي القوات الدولية الأفغان إلى "التوبة" والبقاء في أفغانستان، بعد مغادرة القوات الغربية التي تسرّع انسحابها من البلاد. وأكدت، في 7 يونيو/ حزيران الحالي، أن هؤلاء الأفغان "لن يواجهوا أي خطر من جهتنا" وأنه "لا ينبغي على أحد أن يغادر البلاد". وشدّدت على أن "عدداً كبيراً من الأفغان أخطأوا خلال السنوات العشرين الأخيرة (في اختيار) مهنتهم وعملوا مع القوات الأجنبية كمترجمين أو حراس أو في وظائف أخرى، والآن مع انسحاب القوات الأجنبية، يشعرون بالخوف ويسعون إلى مغادرة البلاد". وأضافت "طالبان" أن "الإمارة الإسلامية تريد أن تقول لهم إن عليهم إبداء التوبة عن أفعالهم السابقة وعدم الانخراط في المستقبل في مثل هذه الأنشطة، التي تُعدّ بمثابة خيانة للإسلام ولبلدهم". واعتبرت أنه "لا يجب على أحد أن يغادر"، مؤكدة أن "الإمارة الإسلامية لن تتسبب لهم بمشاكل، وتدعوهم إلى العودة للحياة الطبيعية وإلى خدمة بلدهم. لن يواجهوا أي خطر من جهتنا". وأكدت "كنا ننظر إليهم كأعدائنا، لكن منذ لحظة مغادرتهم صفوف العدو، سيصبحون مجدداً أفغاناً عاديين في وطنهم ولا ينبغي أن يخافوا، لكن إذا ادّعوا مواجهة خطر ما للحصول على ما يسمّى باللجوء، فهذه مشكلتهم وليست مشكلة المجاهدين". على صعيد آخر، أبدى رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان استعداد بلاده لأن تكون شريكة للولايات المتحدة في إحلال الأمن والسلام في أفغانستان، من دون السماح لها بإقامة قواعد عسكرية، لأن التاريخ، وفقاً له، أثبت أن الخيار العسكري في أفغانستان فاشل. وكتب خان في مقال له في صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، أول من أمس الإثنين، أن لبلاده مصالح في أفغانستان، التي عانت من ويلات الحرب على مدى عقود. ولخّص تلك المصالح باستتباب الأمن والتنمية الاقتصادية، وأن لا تكون أفغانستان مرة أخرى ملاذاً للإرهابيين. كما أكد خان أن بلاده تعارض أي استيلاء عسكري على أفغانستان، لأنه سيؤدي إلى عقود متجددة من الحرب الأهلية، مشدّداً على أنه لا يمكن لـ"طالبان" أن تسيطر على كل البلاد، لكن من الضروري ضمّها إلى العمل السياسي. وحيال سياسات بلاده في الماضي، أقرّ خان بأن باكستان أخطأت بالاصطفاف بين الأطراف الأفغانية المتحاربة، وقد تعلمت من تلك التجربة. بالتالي ليس لدى إسلام أباد أي طرف مفضل في أفغانستان، بل تتعامل مع كل حكومة تتمتع بثقة الشعب الأفغاني.


أكد خان رفض بلاده استضافة قواعد أميركية عسكرية
 

وتطرّق رئيس الوزراء الباكستاني إلى ما وصفه معاناة بلاده بسبب انضمامها إلى "التحالف من أجل القضاء على الإرهاب"، إذ قُتل 70 ألف باكستاني، كما تضرّر قطاعا السياحة والاستثمار في بلاده، علاوة على الخسائر المالية، التي قدّرها بنحو 150 مليون دولار. وأوضح في المقال أنه تمّ استهداف باكستان من قبل الإرهابيين بعد انضمامها إلى التحالف المعارض للإرهاب، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة شنّت هجمات داخل باكستان بطائرات بلا طيار، ما أدى إلى تقوية الجماعات المسلحة وخلق الكراهية ضد الأميركيين. وكشف خان أن واشنطن مارست في السابق ضغوطاً على إسلام أباد لإرسال قواتها إلى منطقة القبائل، وهو ما فعلته، غير أن ذلك أدى إلى نزوح نصف سكان المنطقة، وانعكس سلباً على تصاعد الموجة الإرهابية، وقُتل جرّاء ذلك 500 شرطي في إقليم خيبربختونخوا المحاذي لمنطقة القبائل، عدا عن تزايد العمليات الانتحارية التي استهدفت الجيش الباكستاني، مودية بحياة العديد من أفراده. وفي نهاية المقال، أعرب خان عن قلق بلاده بشأن اندلاع حرب أهلية في أفغانستان وتأثيراتها على بلاده، لافتاً إلى وجود ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني في باكستان حالياً، وأي حرب جديدة ستدفع إلى تدفق المزيد من اللاجئين، وستزعزع الأمن والاستقرار في المناطق الحدودية الباكستانية. وكانت وسائل إعلام أميركية قد أفادت أخيراً، بأن واشنطن تناقش مع إسلام أباد مسألة إنشاء قواعد أميركية في باكستان من أجل مراقبة الأوضاع في أفغانستان، بعد الانسحاب الكامل للقوات الأميركية بحلول 11 سبتمبر/ أيلول المقبل، في الذكرى العشرين لتعرّض الولايات المتحدة لاعتداءات وقف خلفها تنظيم "القاعدة" بقيادة زعيمه الراحل أسامة بن لادن.

(العربي الجديد، الأناضول، فرانس برس)

المساهمون