موسم صيد الفاسدين في تونس

04 يناير 2021
الصورة
+ الخط -

تضمّن المؤشّر العربي 2019/ 2020، والذي أصدره المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيانات ومعطيات مهمة بشأن ترتيب تونس في مؤشّر مدركات الفساد للعام 2019، حرية بالتوقف عندها، والتدبر فيها، وقراءتها في ضوء ما يطرحه سؤال الفساد وتداعياته على مسار الانتقال الديمقراطي في تونس.
أظهر المؤشّر أن تونس حلت في المرتبة 74 من أصل 84 بلدا مصنّفا في مؤشّر مدركات الفساد للعام 2019 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في 23 يناير/ كانون الثاني 2020، لتتأخر بذلك بمرتبة واحدة عن تصنيف العام المنقضي، على الرغم من احتفاظها بالنقاط نفسها (43 من أصل 100 نقطة في المؤشّر). وأرجعت المنظمة تأخر تونس في مؤشر مدركات الفساد لسنة 2019 بالخصوص إلى غياب الإرادة السياسية، المتمثلة في تواصل ظاهرة الإفلات من العقاب، وانتقائية تحريك ملفات الفساد وعدم تطبيق قانون حماية المبلغين. ولاحظت المنظمة أن الانتقال السلس للسلطة ساهم في حفاظ تونس على رصيدها من النقاط، إلا أن أداء السلطات الثلاث فيها لم يمكّنها من الحفاظ على المرتبة نفسها. وقد أوصت منظمة "أنا يقظ" بضرورة مكافحة الفساد أولوية في برنامج الحكومة الجديدة، وتفعيل الدور الرقابي للبرلمان عن طريق المساءلة، مع الإسراع في إقامة المحكمة الدستورية، والتسريع في النظر، والبتّ في قضايا الفساد وضرورة وضع الأوامر التطبيقية للقوانين المتعلقة بمكافحة الفساد، علاوة على ضرورة التعامل بجدّية مع ملفي استرجاع الأموال المنهوبة والأملاك المصادرة، وإضفاء الشفافية في قطاع الصناعات الاستخراجية.

أظهر المؤشّر العربي أن تونس حلت في المرتبة 74 من أصل 84 بلدا مصنّفا في مؤشّر مدركات الفساد للعام 2019 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية

واليوم، وبعد مرور أكثر من مائة يوم على حكومة هشام المشيشي، تؤكد تقارير رسمية لهيئات الرقابة الوطنية، علاوة على ما جاء في المؤشّر، تورّط ناشطين سياسيين كثيرين يتقلدون مواقع قيادية في الأحزاب والبرلمان والدولة في ملفات فسادٍ ذات أثر سلبي مباشر على الحراك السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ما جعل آراء عديدة تجمع على أن الفساد أصبح ظاهرة عامة في المشهد السياسي التونسي، امتدّت تداعياته إلى مجمل القطاعات الحيوية للدولة والمجتمع، فبعد عشر سنوات من الثورة، تقف تونس اليوم خائفةً مرتبكةً أمام هذا الغول الذي أصبح يتربّص بانتقالها الديمقراطي، وقد ينسف أحلام التونسيين في تحقيق الشعارات التي رفعوها "شغل، حرية، كرامة وطنية"، فقد ذكر الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، شوقي الطيب، الذي أطاحه رئيس الحكومة السابق، إلياس الفخفاخ، أن الهيئة تلقت 12000 ملف فساد، تمت دراسة ثلاثة آلاف منها وقدّمت 800 ملف للقضاء، وأن 90% من هذه الملفات تورّطت فيها الأجهزة الرسمية للدولة، وأن عشرات المسؤولين على الأقل من الصف الأول في الدولة يقفون اليوم أمام قضاة التحقيق في ملفات شبهات الفساد. هذه العينات وغيرها، مثل فضيحة تقرير محكمة المحاسبات الذي أظهر، أخيرا، التجاوزات المالية الكبرى، واللجوء إلى تمويلات خارجية محظورة، عمدت إليها الأحزاب الحاكمة في انتخابات 2019، ساعدت على إيجاد حاضنة حقيقية لتجاوزاتٍ وخروقٍ بدون حدود.

أصدر القضاء بطاقة إيداع في السجن بحق وزير البيئة السابق مصطفى العروي من أجل ملف النفايات الإيطالية

وتطرح قضايا فساد متراكمة وملفات مشبوهة تساؤلات جمّة عن جدّية الحكومات المتعاقبة منذ الثورة في مقاومة الفساد. وقد تكون حكومة المشيشي تلقفت هذه التساؤلات لتتخذ من محاربة الفساد والفاسدين طوق نجاة للخروج من دوائر التشكيك في قدرتها وصدقيتها في التصدّي لما عجزت عنه الحكومات السابقة، خصوصا وأنها قد ورثت أزماتها الاقتصادية والاجتماعية. وهو ما أسهم في ترميم الصورة الاتصالية لها، وبعث من حولها حزاما شعبيا مساندا ومتعاطفا. تأكّد هذا بإيداع رئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، السجن، والذي يعتبر حزبه أحد مكوّنات الحزام السياسي للحكومة مع حركة النهضة وكتلة ائتلاف الكرامة.
ولم يقتصر موقف رئيس الحكومة على القروي، بل تجاوزه إلى إحالة الوزير المكلف بالبيئة في حكومته ذاتها، مصطفى العروي، على القضاء الذي أصدر في شأنه بطاقة إيداع في السجن من أجل ملف النفايات الإيطالية، إلى جانب عدد كبير من الإطارات (الكوادر والموظفون) السامية في الوزارة والمصالح الجهوية. وغير مستبعد أن يواجِه نواب رفع الحصانة لتتبعهم قضائيا في ملفات مشابهة.

أصبحت الموانئ التونسية منفذا لعبور السلع الفاسدة، واجهتها حكومة المشيشي بجدّية وحزم، وأحالت أصحابها على العدالة

وفي علاقةٍ بفحص بيانات ومعطيات حصلت عليها محكمة المحاسبات، وما تم الوقوف عنده من تمويلات للانتخابات غير شرعية، مباشرة أو غير مباشرة، أصدر القضاء تصاريح بشبهة الفساد في شأن عدد كبير من رؤساء قوائم انتخابية مختلفة، استفاد رئيس إحداها، في حسابه المفتوح بالعملة الأجنبية، من تحويلات لمبالغ هامة في حدود 400 ألف يورو و550 ألف يورو. وقد ضخّ هذا الفائز في الانتخابات المستفيد بهذه التحويلات مبالغ طائلة لفائدة إحدى الجمعيات التي تولت دعمه ومساندته. وفي هذا السياق، ذكرت تقارير محكمة المحاسبات أن رئيسة قائمة "عيش تونسي"، ألفة التراس، قد تعاقدت مع شركة أجنبية أميركية من أجل ممارسة ضغط لكسب التأييد مقابل 15 ألف دولار شهريا، كما اتفقت مع شركة دعاية بخصوص القيام بحملات دعاية وكسب تأييد لفائدة الحركة بـ 285 ألف دولار. وتقول مصادر مطلعة إن ملاحقات رسمية تجري في شأن حزب الاتحاد الوطني الحر، بسبب تهم الفساد وتبييض الأموال التي تعلقت بمؤسسه، سليم الرياحي، الملاحق اليوم قضائيا، والفار من العدالة وتنفيذ أحكام في شأنه. كما لا يستبعد أن تلاحق هذه التتبعات العدلية نوابا مباشرين بتهم تلقي تمويلات مشبوهة من جهاتٍ خارجيةٍ، إماراتية تحديدا.
لا حديث اليوم في تونس إلا عن الفساد والفاسدين، حيث أصبحت الموانئ التونسية منفذا لعبور السلع الفاسدة، واجهتها حكومة المشيشي بجدّية وحزم، وأحالت أصحابها على العدالة. وإذا كانت الحكومة قد حققت نقاطا إيجابية في هذا المجال، فإن القضاء كذلك قد استعاد عافيته بعيدا عن سلطة المال والسياسة. ويبقى السؤال الذي يردّده التونسيون إلى أي مدىً يستطيع رئيس الحكومة القادم من الإدارة العمومية أن يصمد في وجه أباطرة الفساد ولوبياته، في ظل أزمة اجتماعية واقتصادية زادتها حدّة جائحة كورونا؟ خصوصا وقد أثبتت التحقيقات تورّط شبكات أجنبية على غرار الشركات الإيطالية، ذات العلاقة بالمافيا، في أعمال غير قانونية وتبييض الأموال ومشاركة الفاعلين الرئيسيين في ما كشف عنه من ملفات فسادٍ في تونس، ومن أبرزها ملف النفايات الإيطالية.
والثابت اليوم، وبالعودة الى المؤشّر العربي، أن إرادة سياسية جادة تحدو حكومة المشيشي، للوقوف في وجه الفساد ومكافحته. وأن زمن الإفلات من العقاب قد آذن بالانقضاء، فهل تهتدي تونس، في الذكرى العاشرة لثورتها، إلى تضامن حكومي ومجتمعي، يقضي على الفساد ويقتلع جذوره؟

35FE487F-4A9A-4B25-8DF9-AF430105714E
محمد أحمد القابسي