مرحباً بالحوثيين حزباً سياسياً لا طائفياً مسلّحاً

مرحباً بالحوثيين حزباً سياسياً لا طائفياً مسلّحاً

30 يونيو 2021
الصورة
+ الخط -

(1)

غادر الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، مقر إقامته في الرياض إلى الولايات المتحدة لإجراء فحوصات طبية، نتمنى له الشفاء العاجل. وترك خلفه اليمن تنهشه الأمراض، في مقدمتها التجزئة والتفكيك، الحرب للارتزاق، الطائفية والانفصال، أمراض حلّت باليمن أخطر من جائحة كورونا أو الطاعون الذي حل بأوروبا في القرن الرابع عشر. وإذا كنا نتمنى للرئيس العودة إلى يمن الصالحين، فإننا نرجو الله أن يعافي الشعب اليمني، وينقذه من واقع حاله المخيف.

(2)

تجتاح اليمن حرب منذ عام 2015، بهدف استعادة الشرعية من خاطفيها في 2014، الحوثيين وأنصارهم. وقلنا إن حملة عاصفة الحزم استطاعت تحييد القوة الجوية اليمنية والسلاح الصاروخي، وستقضي على المنشقين على السلطة في صنعاء، واستبشرنا بأن العرب أخذوا زمام المبادرة لمنع أي قوة طائفية أو انفصالية تختطف الوطن من قيادته الشرعية. كانت "عاصفة الحزم" تهدف إلى استعادة الشرعية وتحقيق الأمن والسلام لليمن، ولجواره الجغرافي، السعودية وعُمان تحديداً. كان المتوقع أن تلك الحرب ستحقق أهدافها في فترة وجيزة، لما تتمتع به قوة التحالف الذي تقوده السعودية عسكرياً ومالياً وبشرياً ومكانة في المجتمع الدولي. فرضت دول التحالف حصاراً شاملاً على الحوثيين، الأمر الذي يزيد من ضعفهم عسكرياً واقتصادياً. لكن الحوثيين، بعد ست سنوات من الحرب والتفوق الجوي لدول التحالف، راحوا يوسّعون دائرة نفوذهم على الأرض، فأصبحوا يسيطرون على أكثر من 60% من الأرض اليمنية، واستطاعوا توسيع دائرتهم السياسية على المسرح الدولي، الأمم المتحدة تتفاوض معهم، أميركا بجبروتها وحربها على الإرهاب تتفاوض معهم، وكذلك بريطانيا وروسيا ودول عربية عبر وسطاء، والحكومة الشرعية اليمنية تندب حظها، فلا تستطيع إغضاب مضيفيها والاستغناء عنهم، ولا تستطيع الحركة على المسرح الدولي. إنها مثل "بالع الموسى" كما يقول المثل العربي. كانت حرب الحوثيين، في بدايتها، تدور داخل الجغرافيا اليمنية، ومن بعد اتّسعت دائرة حربهم، لتشمل السعودية على امتداد جغرافيتها بطائرات مسيّرة بشكل يومي، وصواريخ بالستية جديدها في السبت والأحد الماضيين.

كانت حرب الحوثيين، في بدايتها، تدور داخل الجغرافيا اليمنية، ومن بعد اتّسعت دائرة حربهم، لتشمل السعودية على امتداد جغرافيتها بطائرات مسيّرة بشكل يومي

لماذا لم تتمكّن القوات الجوية السعودية من استهداف نظم التحكّم ومخازن لوجستية للطائرات الحوثية المسيَّرة، وتدميرها في مرابضها، كما فعلت القوات الأميركية في العراق الاثنين الماضي، عندما استهدفت مواقع للحشد الشعبي؟ هل هناك ضعف استخباراتي سعودي لمعرفة قواعد تلك القوات؟ الكاتب على ثقة بأن ذهب السعودية يستطيع إيجاد طابور خامس لمصلحتها، حتى بين صفوف الحوثيين أنفسهم، لتحقيق النصر المبين في اليمن.

(3)

في الوقت الذي كانت الحكومة اليمنية الشرعية تعدّ الخطط، وتوحد الجهود من أجل استعادة اليمن من قبضة الحوثيين، خرج عليها رهط من دعاة الانفصال والتبعية الذين يتلقون دعماً من جهاتٍ خارجيةٍ، طمعاً بالهيمنة على اليمن المنتج (السواحل والموانئ والمطارات والجزر البحرية)، وراحوا يناصبون الدولة اليمنية الجريحة العداء، وأشهروا السلاح على قياداتها وأجهزتها ومؤسساتها، وراحوا يشكّلون وحدات عسكرية مسلحة بأحدث أنواع السلاح وتمويل خارجي سخي، وأعلنوا الحرب على قوات الدولة الشرعية المسلّحة، وراح ضحية تلك الحرب التي لم تكن متوقعة مئات الأفراد، وأُخرجت الحكومة الشرعية من العاصمة الثانية عدن بقوة السلاح، وبقيت تحارب على ثلاث جبهات: شمالية (صنعاء) وجنوبية (عدن) وحرب غير محدودة، أركانها الندرة المالية، وندرة السلاح الرادع، والفقر والمرض. إنها في موقفٍ لا تحسد عليه تحت سمع مستضيفيها وبصرهم، وهم الذين وعدوا بنصرة الحكومة الشرعية.

(4)

وقّع اتفاق الرياض، في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، برعاية سعودية بين دعاة الانفصال في الجنوب اليمني والحكومة الشرعية، وهو يهدف إلى انتهاء الخلاف بين الحكومة المعترف بها دولياً وما يسمّى المجلس الانتقالي الجنوبي، وتقاسم السلطة من أجل التفرغ لمواحهة الحوثيين. وعلى الرغم من ذلك التوقيع الذي شهده العالم على شاشات التلفزة، فإنه لم يتقدّم خطوة واحدة لتنفيذه، وظل قادة الانفصال الجنوبي يعلنون وقف تواصل مفاوضيهم مع أطراف الاتفاق، كما فعلوا في 18يونيو/ حزيران الحالي، وفي 22 من الشهر نفسه، يعلنون الاتفاق على عودة حكومة المناصفة إلى العاصمة عدن. "المجلس الانفصالي" متقلّب الأطوار، يتحرّك بلا إرادة مستقلة، ولم يقدّم أي جهد من أجل دحر الحوثيين وعودة الشرعية التي أصبح طرفاً فيها إلى مقارّها في العاصمة صنعاء، بل ما برح يشكّل تهديداً للحكومة التي يناصفها المسؤولية طبقاً لاتفاق الرياض.

ليس مقبولاً أن يتشكل حزب سياسي طائفي مسلح في اليمن، أو غير اليمن، فهذا يودي بأمن البلاد والعباد إلى الهاوية

وقد دعا رئيس المجلس الانتقالي، عيدروس الزبيدي، قائد ما تسمى "ألوية الدعم والإسناد" التابع للمجلس، محسن الوالي، إلى استكمال تأهيل "القوات المسلحة الجنوبية" وتدريبها. وقد أربك الرهط الجنوبي ساسة مؤتمر الرياض، فتارةً يكون الجيش تابعاً لوزارة الدفاع الحكومية، وتارةً يدعو هؤلاء إلى تشكيل جيش جنوبي قوي. وقد كان الحوار الوطني الذي عقد في صنعاء قبل انقلاب الحوثيين 2014 على الحكومة يضم 85 عضواً من الحراك الجنوبي، موافقين على نتائجه. وحالياً، نصف الحكومة ومعظم السفراء والمحافظين جنوبيون، ورئيس الجمهورية جنوبي. وإذا كان قد وقعت عليهم مظلومية في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح، فقد وقعت على الشعب اليمني كله الذي ثار على ذلك الرئيس، وأسقطه، بل وقتله، فماذا يريدون أكثر.

(5)

قال المبعوث الأميركي الخاص باليمن، تيم ليندركنج، إن الولايات المتحدة "تعترف بالحوثيين طرفاً شرعياً"، وقد أحدث تصريحه هذا جدلاً في الساحة اليمنية. والحق أن الحوثيين يمنيون شركاء في الوطن، وقد كانوا طرفاً في الحوار الوطني، ممثلين بـ 35 عضواً، وشاركوا في صياغة بيانه، لكنهم انشقّوا وتنكّروا لمخرجات الحوار. لا خلاف على اعتبار الحوثيين حزبا سياسياً ليس طائفياً وليس مسلحاً، على أن تكون مرجعيته يمنيةً لا غير، وأن تكون العضوية فيه مفتوحة لكل اليمنيين، كما هو التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري والحزب الاشتراكي وحزب التجمع اليمني للإصلاح وغيرها من أحزاب يمنية. وليس مقبولاً على الإطلاق أن يتشكل حزب سياسي طائفي مسلح في اليمن، أو غير اليمن، فهذا سيودي بأمن البلاد والعباد إلى الهاوية، والحال واضح في لبنان والعراق.

آخر القول: نصيحة لقيادة التحالف: كونوا عوناً لليمن، كما إيران عون للحوثيين وحزب الله في لبنان، وإلا فستكونون من الخاسرين.