الدوحة عاصمة السلام العالمي

الدوحة عاصمة السلام العالمي

08 سبتمبر 2021
الصورة

وزيرا الخارجية والدفاع القطريان مع نظيريهما الأميركيين في الدوحة (7/9/2021/فرانس برس)

+ الخط -

هكذا أصبحت قطر في دائرة الضوء العالمي، بأفعالها، لا بكثافة حجمها السكاني الذي يعيّرها بعضهم بقلة مواطنيها، أو ضيق مجالها الجغرافي، أو بوفرة مواردها المالية. كبرت بأدوارها لصنع السلام والبناء، والعون لكل محتاج عبر قارّات العالم، وتشهد ملفات الأمم المتحدة بذلك. قطر من تهمة موئل الإرهاب وتمويله وإيواء كوادره إلى الإشادة الدولية، وفي المقدمة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن، بأنها موئل الخائفين والمحرومين (الأفغان)، وموئل الذين جار عليهم الزمان، وتنكّرت لهم حكوماتهم. قطر أصبحت موئل فرق السلام وكوادرها. أصبحت عاصمة العالم من دون منافس.

(2)

كانت القاهرة ودمشق وبغداد في الشرق الأوسط القوى الفاعلة والمؤثرة في السياسة الدولية، سلما أو حربا. ذابت القاهرة في همومها، وتزايد عدد سكانها وتخلّت عن دورها المعهود. ودمشق تسبح في دماء أبنائها في حربٍ في مدينة من مدن الشام التاريخية تلد حربا في مدينة أخرى، وعبثت بها قوى طامعة في المكان والموارد ومليشيات مستأجرة لتنفيذ مخطّطات دول من خارج دائرتنا الحضارية العربية والإسلامية. والعراق، البوابة الشرقية للوطن العربي، تمزق أشلاء، وهيمنت عليه مليشيات مسلحة، لا لخدمة الوطن ووحدته، وإنما لمصالح ذاتية وتحقيق أجندات خارجية.

 

من تهمة موئل الإرهاب وتمويله وإيواء كوادره إلى الإشادة الدولية بالأدوار التي قامت بها قطر لترسيخ السلام العالمي

بديلا عن ذلك، كانت قطر من دون ادّعاء أو تعال على أحد، أو مزاحمة لدور كان على بعض دول أن تؤديه، ولم تفعل. سخّرت قطر كل قواها الناعمة، المال والإعلام والمهارة السياسية، من أجل تحقيق السلام والأمن وحل الأزمات في أماكن متعدّدة في هذه البقعة من العالم المضطربة، جديدها الساحة الأفغانية.

(3)

منذ الربع الأول من الشهر المنصرم (أغسطس/ آب)، ازدحمت فنادق الدوحة بالوفود الرسمية القادمة من عواصم الغرب، وكثرت الاتصالات الهاتفية بين القيادة السياسية العليا في البلاد ونظيراتها في عواصم الدنيا، بحثا عن مساعدة قطر في حل أزمة سياسية أو عون اجتماعي أو لمواجهة الكوارث. دول عظمى ذات قوة نووية وقوة مالية ونفوذ سياسي تطلب من قطر بذل جهودها من أجل إنقاذ مواطنيها والمتعاونين معها وإخراجهم من أفغانستان، بعد أن سيطرت حركة طالبان الأفغانية على مقاليد الأمور في أرض أفغانستان. لتحقيق ذلك، توافد وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا وألمانيا والولايات المتحدة وإيطاليا على العاصمة القطرية، بعضهم لتقديم الشكر والعرفان لجهود قطر على ما قامت وتقوم به في أفغانستان، وبعض لطلب مزيد من تقديم العون.

كبرت قطر بأدوارها لصنع السلام والبناء، والعون لكل محتاج عبر قارّات العالم، وتشهد ملفات الأمم المتحدة بذلك

دول ذات نفوذ وقوة في السياسة الدولية، بريطانيا واليابان وفرنسا وأميركا وإيطاليا وهولندا، وأخرى غيرها، طلبت من دولة قطر أن تكون عاصمتها مقرّا لسفاراتها المعتمدة في كابول بموظفيها، وجعلت الدوحة مركز حواراتها بوساطة قطرية مع القيادات الأفغانية في حركة طالبان التي أحكمت سيطرتها على كابول. إلى ذلك، طلبت الحركة، السلطة الفعلية، من قطر وحليفتها تركيا، المساعدة في إعادة فتح مطار العاصمة كابول، والذي يعدّ النافذة الأفغانية على العالم، فأفغانستان من الدول المغلقة، ليس لها منفذ بحري. وعلى عجل، استجابت قطر، فكانت طائرة قطرية على متنها فريق من الفنيين أول طائرة تهبط في المطار، منذ إغلاقة لأسباب متعدّدة بعد رحيل آخر عسكري أميركي من أفغانستان.

تمكن الفنيون القطريون الذين وصلوا إلى مطار كابول من إجرء إصلاحات عاجلة في أجهزة الرادارات التي تقود الطائرات للهبوط والإقلاع، وإصلاحات عاجلة على مدرجات إقلاع الطائرات وهبوطها، بعد عمليات التخريب التي لحقت بالأجهزة الفنية ومدارج المطار، الأمر الذي تعذر بسببه تسيير رحلات جوية من مطار كابول إلى مطاري قندهار ومزار شريف الأفغانيين. أقامت قطر جسرا جويا بين الدوحة ومطار كابول محملة بمواد المساعدات الإنسانية، غذاء وكساء ودواء، لمواطنين أفغان كثيرين.

دول ذات نفوذ وقوة في السياسة الدولية طلبت من قطر أن تكون عاصمتها مقرّاً لسفاراتها المعتمدة في كابول بموظفيها

(4)

لم تكن الأمم المتحدة غائبةً عن جهود قطر في المسألة الأفغانية، فأمينها العام، أنطونيو غوتيريس، لم ينقطع تواصله مع القيادة السياسية القطرية، مثنيا على جهودها في القضايا الدولية، وخصوصا في الجانب الإنساني وحل النزاعات. فقد قدم إلى الدوحة وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارتن غريفيث، وبحث مع وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن، وتناول التطورات في أفغانستان، وأكد الوزير التزام بلاده بالتعاون مع المنظمة الدولية في ما يخص الشؤون الإنسانية. وكانت قطر قد وقعت اتفاقية، في مارس/ آذار الماضي، لإنشاء "مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في قطر"، من مهامه الدفاع عن حقوق المحتاجين ورفع درجة التأهب والوقاية وتسهيل الحلول المستدامة. كما يقوم المكتب بدعم الأعمال الإنسانية العالمية والعمليات الميدانية والتنسيق بينها في جميع أنحاء العالم. وهذه جهودٌ مقدّرة من قيادات عالمية معلنة في وسائل الإعلام، لا مجال لأن ينكرها أي طرف.

(5)

تعقد الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 21 سبتمبر/ أيلول الحالي، دورتها 76، فماذا سيكون وضع الإمارة الإسلامية الأفغانية؟ هل سيُقبل أن تأخذ مكان النظام السابق في الجمعية ولجانها ووكالاتها؟ يتوقف الأمر، في تقدير الكاتب، على نوع الحكومة التي ستشكّلها حركة طالبان، المسيطرة على كل الصعيد الأفغاني. ومن شروط العضوية، إلى عوامل أخرى، "أن تكون دولة محبّة للسلام". ولكن من يفسّر هذا "الحب" هي الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن. ومن هنا، على الحكومة الإسلامية الأفغانية، إن كانت ترغب في أن تسير في النسق الدولي، أن تقدّم حكومة تحظى بقبول مجلس الأمن والجمعية العامة. معنى ذلك الإعلان الصريح بالتزامها بالمبادئ والأهداف التي جاءت في ميثاق الأمم المتحدة، إلى جانب إعلان مكافحة الإرهاب واحترام حقوق الإنسان، وعدم تجاهل المرأة في المناصب الإدارية، فلعل ذلك يكون مدخلا لقبولها تحتل مقعد أفغانستان في المنظمة الدولية، وإلا فإنها ستكون منبوذة بين الأمم.

آخر القول: على حركة طالبان أن تفهم جيدا البيئة الدولية، وتتعامل معها، حتى ولو قدّمت تنازلات في حدودها الدنيا، من أجل الاعتراف الدولي بالنظام الجديد في كابول.