كورونا السلطة وموت القطيع

كورونا السلطة وموت القطيع

20 مارس 2021
الصورة
+ الخط -

على امتداد عام مضى، ذهبت جائحة الوباء المستفحل المسمّى كورونا (كوفيد 19) نحو استحداث تغييرات عميقة في أنماط عيش البشرية في جميع أنحاء العالم، لا لجهة حصرها في الأضرار والتداعيات الاقتصادية والصحية والاجتماعية والبيئية، بل وفي ما يتعلق بالسياسة وبيئاتها ونظمها المتعدّدة والمختلفة، ولكن من دون أن نشهد، إلا في ما ندر، تغييرا في سلوك (ومسلكيات) من اتخذوا السلطة مهنة لهم يتداولونها ويتداورونها ويتوارثونها؛ مهنة يتبارون من خلالها على سوس "القطيع"، كيفما شاءوا وأنّى أرادوا، على اعتبار كونهم ملّاكه وأصحابه، ولكن غير المتصاحبين معه، أو الأوفياء له ولمصالحه وتطلعاته؛ فبالقدر الذي تريد السلطة استمالة "القطيع" وإخضاعه، والهيمنة على مقدّراته، والتحكّم برقابه أفرادا وتجمعاتٍ ومجتمعات، وتسخيره للمصالح الشخصية والخاصة، للزعامات الطائفية والسياسوية الحاكمة والمتحكمة، وشراكاتها مع الأوليغارشيات المالية، لا تريد له العيش بكرامة، قدر امتهانها له وجعله "البروليتاريا الرثة" وعنصر "السلطة العميقة" الخرب والمخرّب لبنى الدولة، وحتى لمنظومة القضاء المسيّسة والأكثر التصاقا بالسلطة، وذلك لصالح أنانيات منظومة تلك السلطة ونرجسياتها وزعاماتها المافيوية.

هكذا فعلت السلطة بالدولة من قبل، بل هكذا سلبت وتسلبها اليوم كل مقوّماتها وقيمها وأخلاقياتها، وضغطت وتضغط على "القطيع" للقبول بتكريسها سيدة له، مالكة أمره وزمامه، حيث لا حقّ له بالاعتراض على ممارسات أهل السلطة وسلوكهم، وحتى الاستجابة لتأجيل إحياء من يتوجب إحياؤه، والتعجيل بمن يتوجّب إهماله وركنه على الهامش، كما يفعل اليوم سلطويونا الأشاوس، إزاء الضجيج المثار بشأن مسألة اللقاحات القادمة من الخارج، وأولوية منحها لهم على حساب مستحقين كثر أعياهم المرض، ولكنهم لم يستحقوا من السلطة سوى أنها جارت وتجور عليهم، وتحكم عليهم بـ "الإعدام الكوروني" قبل فوات أوان انتهاء أعمارهم، لتبقي على حياة من ينال رضا السلطة وحظوتها، في سعيها إلى تهريب اللقاحات في الداخل كما إلى خارج الحدود، ومنحها لمن تريد أن تبقيه على قيد الحياة، لتهمل أكثرية الناس وتتركهم يواجهون قدرهم.

لم يكن بمقدور الفيروس، ولا من طبيعته، أن يفرّق بين الناس على امتداد العالم، فلماذا يُراد التفرقة والتمييز بينهم في تلقي اللقاحات؟

ولئن لم يكن بمقدور الفيروس، ولا من طبيعته، أن يفرّق بين الناس على امتداد العالم، فلماذا يُراد التفرقة والتمييز بينهم في تلقي اللقاحات المقرّر توزيعها على الأكثر احتياجا، لا على الأكثر حظوة من أهل السلطة، وقد لجأت للأسف إلى احتكار جرعاتٍ كثيرة للأقارب والمعارف والمحاسيب والأزلام، وفي بعض الحالات لمن يدفع من المحتاجين لتلك اللقاحات، حتى باتت "الرشى الكورونية" وتجارة جرعاتها سوقا تجارية مضافة ومستجدّة لدى المحظيين، ممن تدعمهم بعض أفرع السلطة وأذرعها بعلاقاتها الزبائنية الخاصة، كما ظهر من فضائح في بعض البلدان المفتوحة على أجهزة الإعلام، وما سرّبته بعض الأجهزة من معلوماتٍ عن تسريب لقاحاتٍ خارج منصّات التسجيل، ولمحظيين من أهل السلطة ولمقربين منهم.

أما في عديد من بلدان الاستبداد المغلقة على أجهزة الإعلام، فالأوضاع فيها أكثر من مزرية، لجهة عدد الإصابات وغياب المعلومات عن أعداد الوفيات وطرق العلاج، وكيفية إيصال اللقاحات إلى مستحقّيها، حتى لنظن أن كورونا في هذه البلدان لم تستطع أن تخرق الجدران الحديدية، وقد ارتقت إلى مصافّ السياسة؛ سياسة دول الاستبداد التي تريد أن تظهر بمظهر غياب هذا المرض، كعادة مثل هذه الدول في تغييب الحقائق والوقائع وتكذيبهما، وطمسهما بعيدا عن مسرح العالم المفتوح، لا يريد أهل الاستبداد تصديق أنهم مكشوفون أكثر مما يظنون، وأنهم مفضوحون أكثر فيما لا يصدّقهم أحد في الخارج، وإن حاولوا تخبئة المعلومات الحقيقية والواقعية عما يجري في الداخل وتزييفها.

لا يريد أهل الاستبداد تصديق أنهم مكشوفون أكثر مما يظنون، وأنهم مفضوحون أكثر فيما لا يصدّقهم أحد في الخارج

لقد أفرزت الجائحة الكورونية جوائح أخرى عديدة، على ما تشهده بلاد الاستبداد العربية وغير العربية، من مآسٍ أضفتها وتضيفها سلطات حكم لا علاقة لها بالحكم الرشيد، ولا بمسائل المواطنة ولا بديمقراطية الانتخاب، ولا بقضاء نزيه وعادل ومستقل عن الارتباط بتوجهات سياسيي السلطة وتوجيهاتهم، من رأس الهرم حتى أدناه، من موظفي شلل المستزعمين ونحلهم، وزعران الشوارع المحميين من مافيات التسلط، وهي تخترق كل السواتر نحو الهيمنة على الاقتصاد الوطني، ونهب المال العام، وإسقاط العملة الوطنية واستبدالها بسلة عملاتٍ أصبحت هي الحاكم الفعلي لعديد من جمهوريات الطوائف، وهي تستنسخ أنماط جمهوريات موز ومخدّرات دول أميركا اللاتينية، لتتحاصص زبائنيا مع ما هبّ ودبّ من شركاء حتى ممن ينتسبون إلى طينة الأعداء.

ما هكذا تُبنى الدول وتزدهر وتتقدم، وما هكذا تنشأ السلطة/ السلطات التي على عاتقها معالجة أدواء الشعوب، ومواجهة كل الجوائح التي يمكن أن تتعرّض لها؛ وما هكذا يمكن أن نمضي إلى المستقبل من دون أن نطوّر ثقافة مواطنة حقيقية، تقدّم لكل مجتمعات الشعوب كل سبل الخروج من عنق زجاجات الأزمات والورطات المتلاحقة والمتراكمة، فلكي نحيا حياة حرّة ومستقلة ومسؤولة، لا ينبغي لأهل السلطة أن يتقدّموا الصفوف لتلقي اللقاح من دون أن يكونوا أكثر احتياجا له، في انحيازهم إلى أنانياتهم ونرجسياتهم القاتلة، لأجل إنقاذ ذواتهم، حتى لو ذهب "القطيع"، كل "القطيع" في نظرتهم إلى أبناء الشعب، إلى الجحيم.

لكي نحيا حياة حرّة ومسؤولة، لا ينبغي لأهل السلطة أن يتقدّموا الصفوف لتلقي اللقاح من دون أن يكونوا أكثر احتياجا له

وعلى الرغم من صدور تقارير فضحت ما يجري، من انحياز مكشوف من أهل السلطة، واصطفافهم خلف مصالحهم الذاتية والشخصية أولا، كما إلى جانب المقرّبين والمحظيين، وتلقي رشىً من أجل قلب الأولويات وأخذ دور آخرين، ربما كانوا أكثر احتياجا لتلقي جرعات اللقاح، فقد استمرّت وتستمر التجاوزات بمعرفة المنظمات الدولية المتخصصة وتحت أنظارها؛ وعلى الرغم من الإعلان عن الآليات الواضحة لتوزيع اللقاح، إلا أن تقارير محايدة كشفت أنه لا توجد آليات محددة وواضحة لكيفية الحصول على اللقاح، وذلك جرّاء التدخلات والرشى والمحسوبيات التي يمارسها أهل السلطة في بلدان عديدة، في لبنان كما في أراضي السلطة الفلسطينية وفي "جمهوريات" العسكر و"ممالك" الاستبداد.

هكذا يبدو أن السلطة في بلادنا لا تريد أن تتعلّم كيف تقود شعوبها في السرّاء والضرّاء، ولا تريد أن تقوم بوظائفها المطلوبة منها، أو تقدّم خدماتها للصالح العام، ولا تريد أن تحسّن من سلوكها وممارساتها حتى في ظرف جائحةٍ من أشد الجوائح التي يمرّ بها العالم في العصر الحديث وأفظعها، فكيف يمكن لسلطةٍ كهذه أن تطوّر سلوكا دولتيا يمكن الإفادة منه في بناء الدولة، وهي التي أفقرت كيانها ونهبته وحطّمت كينونتها وانقلبت عليها، وقدّمت أنموذجا سيئا لاستبدادٍ يغالي في استعلائه، ووقاحة سلوكه وممارساته، حتى بات الإصلاح يعزّ وتنعدم فرصه وإمكاناته، وصار لزاما إحداث عملية تغييرٍ جذريةٍ تقبع كل مكامن الاستبداد، وذلك حتى تتمكّن شعوبنا من بناء دولها الحقيقية، دول تسهر على راحة مواطنيها وتلبّي احتياجاتهم وفق مصالحهم وتطلعاتهم، وهذه هي المهمة الحقيقية لدور الدولة في حال تحققها على أنقاض السلطة/ السلطات التي لم تُرنا من أدوارها ووظائفها سوى القمع البوليسي والإرهاب الفكري، والانحياز الكامل لتلبية مصالح أفرادها وجماعاتها.