بينت وتصعيده المتدرّج نحو حرب جديدة

بينت وتصعيده المتدرّج نحو حرب جديدة

28 ديسمبر 2021
+ الخط -

يتّجه الوضع الداخلي الإسرائيلي، وكذلك الوضع الداخلي الفلسطيني، إلى مزيد من التأزم والتوتير والاضطراب، ما قد يقود إلى التمهيد لحرب جديدة، خطّطت لها، منذ وقت بعيد، حكومة نتنياهو، وأورثتها لحكومة نفتالي بينت الجديدة، الأكثر انتماءً ليمين فاشي متطرّف في مزايدتها على سابقتها، إلى حد التهديد بحربٍ أقسى وأمرّ من الحروب السابقة. في وقت تواصل قوات الاحتلال وشرطتها وقطعان المستوطنين المزيد من الاستفزازات والاعتداءات والاحتكاكات اليومية ضد المواطنين الفلسطينيين، حتى ليبدو أنه طفح الكيل، ولم يعد من مفر من استخدام المقاومة حتى المسلّحة، وتصعيد المقاومة الشعبية والعمليات الفردية ضد جنود الاحتلال وقطعان المستوطنين وإرهاب الكيان المتمادي بارتكاباته الإجرامية.
ليس لدى كيان الاحتلال، منذ توقيعه اتفاقات أوسلو، وتعاقب حكوماته على اختلافها، ما يعد به الشعب الفلسطيني وقياداته المتناثرة في غزة والضفة الغربية، أو في الجليل والمثلث والنقب، وفي المنافي القريبة والبعيدة، سوى المزيد من الكراهية والعدوانية، واستخدام العنف والإرهاب وارتكاب الحروب والمجازر، وسيلةً فضلى لحروب الإبادة التي بدأت بشكل متّسع ومطرد، منذ بدأ المشروع الإرهابي الصهيوني يخطّ أولى معالم مخططاته الاستيطانية، للسيطرة على الوطن الفلسطيني وتشريد شعبه، تمهيدا لقيام كيان الاستيطان الاستعماري فوق الأرض الفلسطينية.

لم يبق أمام الحركة الوطنية الفلسطينية على امتداد الداخل، سوى المقاومة بأشكالها كافة، ما دام يستمر اصطفاف "الأشقاء" خلف الأعداء

وعلى الرغم من مسلسل الاتفاقات والتسويات غير الناجزة، ما فتئ الاحتلال هو ذاته، على الرغم من تغيرات وانقلابات وانفلاتات أصابت معظم الشخوص الفلسطينية والعربية التي نجح الاحتلال في عهد الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، باستمالتها إلى جانبه وجانب حلفائه الدوليين والإقليميين، في شراكاتٍ وعلاقاتٍ زبائنية خاصة وعامة، نجحت في انتقالها وميلها أو استمالتها نحو تواطؤات مفضوحة في انحيازها الكامل باتجاه العدو، وانزياحها عن خط الصراع، بل والانضمام إلى جبهة العدو، وعقد الصفقات والتحالفات الأمنية والسياسية والاقتصادية والتجارية، وإقامة ما سميت "شراكات إبراهيمية" مستجدّة، ضاعت معها كل حدود التمايز، وكبرت معها حدود التماهي والخضوع لمخططات العدو الوطني والقومي والإنساني، على حساب الكيانات والشعوب العربية بمجموعها.
في ظل وضعٍ خيانيٍّ مزرٍ كهذا، لم يبق أمام الحركة الوطنية الفلسطينية على امتداد الداخل، سوى المقاومة بأشكالها كافة، ما دام يستمر اصطفاف "الأشقاء" خلف الأعداء، متجاهلين واقع الفلسطينيين وحقوقهم، وتأييد وإسناد ولو عبر غضّ النظر، الاعتداء على ممتلكاتهم ومطاردتهم والتنكيل بهم، وتهديم بيوتهم ومصادرة أراضيهم ومزروعاتهم، واستمرار تقتيلهم وقمعهم وإعدامهم بدمٍ بارد، من دون أن تحرّك أي سلطةٍ ساكنا يحميهم أو يدافع عنهم، ولو لفظيا، بل على العكس، طالما لجأت هذه السلطة أو تلك وأجهزتها الأمنية إلى التنسيق مع العدو في مطاردة المطلوبين من المقاومين، وتسليمهم إن لم نقل قتلهم والتنكيل بهم في سجونها، ومنع الناس من التعبير عن آرائها ومواقفها أو المطالبة بحقوق لها، لا يمكن أن يتجاهلها سوى العدو ومن في منزلته.

شعب الوطن الفلسطيني أثبت، طوال سنوات النكبة، استحالة تخلّيه عن أرض وطنه، أو نسيان آماله وتطلعاته بالاستقلال والحرية والعودة وتجاهلهما

بعد هذا كله، علام يمكن الرهان للخروج من هذه الحلقة المفرغة، وكيف يمكن التصرّف إزاء استفزازات المستوطنين وعنجهية جنود الاحتلال، واستعلاء حكومة العدو واستغلالها واقع قيادة فلسطينية سلطوية لا تتعاطى مع مطالب شعبها وحقوقه إلا بأقل القليل من المسؤولية، مثل أي سلطةٍ في بلادنا تفرّط بواجباتها على مذبح مصالحها الخاصة، وعلى حساب حقوق لا ولن يسمح أي شعبٍ بتجاهلها أو التخلي عنها، لا سيما وأن شعب الوطن الفلسطيني قد أثبت، طوال سنوات النكبة، استحالة تخلّيه عن أرض وطنه، أو نسيان آماله وتطلعاته بالاستقلال والحرية والعودة وتجاهلهما، وذلك على الرغم من كل محاولات التنطع والتطبيع والتخلي عن الوطن بتبريراتٍ كهنوتيةٍ أو سياساتٍ واقعيةٍ انهزاميةٍ واستسلامية، واستبداله بهياكل بلدية وحارات وزواريب تتسلط عبرها "سلطات الأمر الواقع" في كل من غزّة والضفة على شعبها، وتشارك الاحتلال في إخضاع الشعب والأرض والوطن لمصالح زبائنيةٍ، خصوصية وعمومية، من سابع المستحيلات أن يتخلّى شعب فلسطين عن وطنه أو يستبدله ببلديةٍ أو بلدياتٍ تنسيقية تلعب أدوارا تسلطية، بديلا عن وطن تاريخي كان وسيبقى لشعبه على مر الأزمان.
لقد أظهرت مسيرة المفاوضات منذ "أوسلو"، عقم كل المحاولات التي حاول العدو أن ينهي بها كل ديناميات الصراع، بتصفية قضية اللاجئين وإنهاء المسألة الفلسطينية، على الرغم من استعانته بكل آليات التطبيع وانفتاح المطبّعين وخضوعهم لإرادة احتلال وحشي وإقامة علاقات طبيعية معه، بكل ما تعنيه هذه العلاقات وتحالفاتها التي سميت "إبراهيمية" من عداء مطلق للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية والتفريط وإضاعة وطنه التاريخي.

بينت عاجز عن كسر قوة تحدّي الشعب الفلسطيني أو تكبيل إرادته وإنهاء مقاومته المتناسلة عبر كل الوطن الفلسطيني وعلى حدوده

وها هو التصعيد المتدحرج للوصول إلى مبتغى الأهداف الاستعمارية الاستيطانية، يواصل حلقاته التآمرية في الداخل مرّة وفي الخارج مرّات؛ وما فتنة المخيمات في لبنان التي كان جديد فصولها ما جرى في مخيم البرج الشمالي في بيروت، وفتن إطلاق النار باتجاه جنازات الشهداء والحشود الشعبية في بعض المدن الفلسطينية، سوى إضافات لما يريد العدو وأتباعه وعملاؤه من تنفيذ مخططات التصفية التي وعدت بها "صفقة القرن"، ولم تتح الفرص لتنفيذها والانتهاء منها بعد، بل يضاف إليها اليوم تصعيدات عسكرية متدحرجة، مرّة عبر الشمال الفلسطيني المحاذي للجنوب اللبناني، ومرّات عبر ما يجري في غزة، من مناوراتٍ متبادلةٍ لجيش الاحتلال في الفترة الأخيرة، ولعناصر تنظيمات المقاومة الفلسطينية المسلحة في أيام أخرى، وذلك ردّا على مناورات الاحتلال، وهذه كلها بانتظار ساعة الحسم واشتعال حربٍ جديدة، بدأت نذُرها تتصاعد بين حين وآخر، عسكريا مرّة وفوضى أمنية متنقلة مرّات ومرّات.
عموما، ليس هناك ما يبشّر بإنهاء الصراعات الضارية بين أبناء الصف الواحد، لا بين حركتي فتح وحماس، ولا بين عناصر الطرفين في ظل تجييش فتنوي يأخذ طابع العنف واستفزاز كل طرف الآخر، في ظل سيادة بلبلة وتراشق بالعصي وبالسلاح وتصادمات مع القوى الأمنية الفلسطينية، من دون أن تدرك قيادات الطرفين وقيادات الفصائل أن مراكمة الأعمال الفوضوية المخلّة لن تقود إلى مساحاتٍ واسعةٍ من الهدوء الداخلي والحوار واستعادة الوحدة الوطنية المنشودة. وقد لا يستمر الهدوء مع العدو طويلا كذلك في غزة، وكذلك في الساحة اللبنانية، حيث الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعيشية والمالية لا تنتج هدوءا بأي شكل، في ظل تواصل مسيرة الجمود والستاتيك في الحال العام لواقع شعبنا وشعوبنا العربية التي باتت تفتقد حكمة القيادات ونزاهة العدل وغياب القضاء العادل وسلطة الرشاد والإرشاد، في شيوع سيادة بلطجة زعران الساحات، الحاكمين بأمرهم وأمر مشغّليهم وأسيادهم الناهبين المحتكرين للثروات.
وإن بقي التصعيد الممنهج والمتدرج من العدو سيد المرحلة، فإن ردود الفعل التصعيدية الفلسطينية ستواصل تأكيدها وإصرارها على بلوغ مرادها في كسر حدّة قوة الردع التي يحاول رئيس حكومة العدو، نفتالي بينت، تأجيجها، من دون أن ينجح بالاقتراب من محاولة الانتصار فيها، لأنه عاجزٌ عن كسر قوة تحدّي الشعب الفلسطيني أو تكبيل إرادته وإنهاء مقاومته المتناسلة عبر كل الوطن الفلسطيني وعلى حدوده.