عن الجمهور الشعبوي في تونس

عن الجمهور الشعبوي في تونس

02 أكتوبر 2021
الصورة

مناصرون لقيس سعيّد يحرقون نسخة من الدستور التونسي في في العاصمة تونس (25/9/2021/Getty)

+ الخط -

تركّز الدراسات المعنية بالبحث في ظاهرة الشعبوية غالبا على تعداد ملامح القائد الشعبوي الملهم، وإستراتيجيات الخطاب الشعبوي الجذّاب وقوّته التأثيرية. ونادرا ما يتمّ التركيز على سلوك الجمهور الشعبوي، والحال أنّه حطب الحركة الشعبوية ونارها في آن، فالجموع الملتفّة حول الزعيم هي قادح الحملات الشعبوية في أيّ مجتمع، وهي سبب امتدادها أو انحسارها، وهي غاية الرسالة الشعبوية، ومجال استثمارها وأداة تنفيذها. ومآل الحدث الشعبوي رهين مدى حماسة الناس له، فإن تزايد عدد المريدين، واتّصل حماسهم، ونجحت حملاتهم التفسيرية في إغراء الجمهور المتلقي، تزايد منسوب الثقة في القائد الشعبوي، وترسّخت القناعة بخطابه الديماغوجي. وإن تضاءل عدد المريدين الخُلّص، وفشلوا في إنتاج خطاب برامجي واقعي، واضح، ومقنع، فإنّ الإغراء الشعبوي يتقلّص، وينفضّ الناس من حول الزعيم الشعبوي الذي قد يجد نفسه محلّ سخط الجمهور بسبب فشله في تحقيق وعود وردية قدّمها للناس. لذلك، الجمهور الشعبوي انفعالي بامتياز، وسلوكه مزاجي، براغماتي، متبدّل، ولا يمكن بحال اعتباره رصيدا ثابتا، مستداما للزعيم الشعبوي، لأنّ الجمهور غير متجانس، وانفعالاته وجدانية، تتغيّر بتغيّر الاعتبارات الذاتية والمعطيات التاريخية.

والمتابع للمشهد السياسي في تونس، يتبيّن صعود الحالة الشعبوية، خصوصا بعد إعلان الرئيس قيس سعيّد تدابير استثنائية لإدارة البلاد، غلب عليها هاجس تركيز مقاليد الحكم بيده، وتعليق معظم محامل دستور الجمهورية الثانية، وسياسة الناس بقوّة المراسيم الرئاسية التي غدت أعلى من الدستور باعتبارها لا تقبل الطعن ولا النقض، وهي غير مقيّدة بسقفٍ زمني، على نحو ساهم في تكريس معالم حكم فردي، شمولي، مغلق. وأدّت تلك التدابير عمليّا إلى تقسيم الاجتماع التونسي قسمين: جمهور داعم للرئيس ومتحمّس لقراراته، وحريص على استدامتها، وجمهور ساخط على المبادرة الرئاسية، وتوّاق إلى إيقافها بهدف العودة بالبلاد إلى رحاب المشروع الديمقراطي، والانتظام ضمن مسار الإصلاح من داخل الدستور، لا من خارجه. ونهتمّ في هذا السياق بدراسة سلوك الجمهور الشعبوي المؤيّد للرئيس، وسلوك الجموع المعارضة له. وذلك في مستويين، الأوّل متّصل بموقف الجمهور من قيس سعيّد وتوصيفه لما أقدم عليه من قرارات. والثاني متعلّق باستجلاء معالم السجل المعجمي لخطاب الطّرفين ودلالاته.

أحرى بالرئيس قيس سعيّد ألا يُنصت لأنصاره فحسب. بل من المهمّ أن يُنصت أيضا لمعارضيه

يتّفق معظم التونسيين على أنّ قيس سعيّد رئيس منتخب بطريقة ديمقراطية، بلغ سدّة الحكم بفضل ما أتاحه الدستور التونسي من حرّيات عامّة وخاصّة، وبفضل إيمان معظم الفاعلين السياسيين بعد الثورة بمبدأ التعدّدية والتداول السلمي على السلطة. لكنّ مدار الخلاف حول شخصية الرئيس وسياساته بعد وصوله إلى قصر قرطاج (2019)، فطيْف معتبر من معارضي سعيّد يعتبرونه شخصية قيادية متعالية، غير جامعة، ولم تبذل الجهد الكافي لحلّ مشكلات تونس العديدة. ويستدلّون على ذلك بأنّه دخل في صراعٍ محموم على الصلاحيات مع رئيسي الحكومة والبرلمان، وعطّل تمرير المحكمة الدستورية، ورفض قبول وزراء جدد لأداء اليمين أمامه، والحال أنّ ذلك من صميم واجباته. وأنتج ذلك انسدادا سياسيا، وارتباكا إداريا، وتدهورا خدميّا أضرّ بالصالح العام، وأدّى إلى ظهور حركة 25 يوليو الاحتجاجية، وما تلاها من تدابير رئاسية استثنائية قاسية، اعترض عليها خصوم الرئيس، لما شابها من تجاوز لمنطوق النص الدستوري، وتضييق على الحريات من دون إذن قضائي، وتوسيع مطلق لصلاحيات الرئيس، وفرض لأحكام انتقالية غير مضبوطة بأجل معيّن.

وبناء عليه، توزّع الجمهور المعارض لقيس سعيّد بين من يعتبره انزاح عن الدستور ومن يحسبه انقلب عليه، وعدّه بعضهم دكتاتورا لأنّه جمّع السلطات الثلاث بيده، ونصّب نفسه الحاكم بأمره، وجعل حكمه بلا حسيب ولا رقيب. وعدّه آخرون فاقدا الشرعية باعتباره عطّل بابين رئيسيين (السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية) من دستور 2014 الذي صعد بموجبه إلى السلطة، وأقسم على احترامه وتنفيذ بنوده، فإذا هو يتنكّر له، ويؤسّس بدلا عنه دستور رئاسويا صغيرا استلهمه من دستور 1956 الذي ثار عليه التونسيون سنة 2011. ويستمدّ هذا الطرح الشعبي المناهض لقيس سعيّد معقوليته من أنّه يعتبر الفعل السياسي الصادر عن رئيس الجمهورية فعلا بشريا، واجتهادا ذاتيا، يحتمل النقد والتنسيب، والنقض والإبرام. ويحاجج هذا التوجّه الشعبي الواعي الرئيس ومستشاريه بحتمية احترام الدستور، باعتباره العقد المدني المرجعي المنظم للعلاقة بين الحاكم والمحكوم. وبقطع النظر عن عدد معارضي ميول سعيّد السلطوية، فإنّ وجودهم، في حدّ ذاته، معبّر عن حيويّة كينونتهم، وعن أصالة الثقافة الديمقراطية في السياق المجتمعي التونسي بعد الثورة.

يقع أنصار خصوم سعيّد أحيانا في فخّ الشعبوية، والأحكام الانطباعية، من ذلك نعتهم رئيس الجمهورية بـ"الخائن"، أو"الغدّار" أو "العميل"، أو "الجبان"

على الضفّة المقابلة، يرى أنصار قيس سعيّد أنه يقود حركة تصحيحية، تروم مكافحة الفساد، والاحتكار، والاستثراء غير المشروع وتهدف إلى إشاعة العدل، وتعميم الرخاء، وتأميم الثروة. وعندهم أنّ الرئيس وحده قادر على القضاء على الفقر، والبطالة، والمديونية، وتحقيق التنمية الشاملة. وهو في رأيهم القائد الملهم، والزعيم الشهم، والرئيس المنقذ، وصاحب القوّة الخارقة، والعصا السحرية لحلّ كلّ المعضلات التونسية. ويحمّل هذا التوجّه الانطباعي/ الشعبوي الرئيس ما لا يحتمل، ويجعله مسؤولا عن كلّ كبيرة وصغيرة، ويزيد ذلك من تعظيم الحرج والتكليف على قيس سعيّد الذي سيجد نفسه، عاجلا أم آجلا، في مواجهة موجة شعبوية مطلبيّة عارمة. والواقع أنّ طيفا مهمّا من المتحمّسين للرئيس (المعطّلون عن العمل، الفقراء...) يرون في صعوده وسطوته فرصة للانتقام من طبقة سياسية، همّشتهم خلال العشرية المنقضية. ويرى آخرون (فلول النظام القديم مثالا) في بروزه ونفوذه فرصة للنكاية بدولة الثورة التي هدّدت مصالحهم. ويخشى أن يؤدّي امتداد هذه القاعدة الشعبوية، المدّاحة، إلى إنتاج نظام رئاسوي/ أبوي، يتحوّل معه الناس من مواطنين يملكون إرادتهم إلى مجرّد رعايا، يأتمرون بأمر الحاكم وبطانته.

في مستوى دراسة السجل المعجمي للجمهور الشعبوي، يمكن التمييز، من خلال مراجعة شعارات يرفعها أنصار الرئيس في بعض احتجاجاتهم وصفحاتهم على شبكة التواصل الاجتماعي، بين أربعة حقول لغوية دالّة: الأوّل، معجم الوصاية على الشعب، وادّعاء تمثيله والنطق بدلا عنه (الرئيس مع الشعب والشعب مع الرئيس، كلّنا قيس سعيّد، الشعب قال كلمته، الشعب الكل مع القائد ..). وهي شعارات اختزالية، تروم التعميم والتعتيم على حقيقة أنّ سعيّد لا يمتلك الشارع وحده ولا يحتكر الإرادة الشعبية. الثاني، معجم تحقير المخالف وتخوينه (جرذان، فيروسات، جراثيم، خونة، عملاء، مخمورون، كلاب ..)، والمراد التهوين من قيمة الغير والإمعان في التنمّر عليه. والثالث معجم الإقصاء (انقلاب واللي موش عاجبو على برّا، الموت للخونة، انقلاب ولتشربوا من ماء البحر، تونس لنا وليست لكم ..). وفي ذلك تعبير عن جموح إلى الهيمنة على الحجر والبشر وإلغاء الغير بسبب غيريته، ورأيه المخالف. والرابع معجم التحريض الصريح على العنف (ارْحِي والشعب معاك قيسون، اضربهم ونحن معاك، لا تأخذك بهم رحمة، أطلق عليهم صواريخك يا رئيس..). هذه عبارات موغلة في التوحش والدعوة إلى تدمير الآخر، وإبادته على نحوٍ يذكّر المتلقّي بشريعة الغاب، لا بدولة القانون التي ينادي بها الرئيس، فنحن إزاء خطاب شعبوي، إقصائي، مشحون بالكراهية، والرغبة في التأسيس للذات عبر إلغاء الآخر. والمُراد ضمان البقاء الأحادي للرئيس وأنصاره، وإلغاء بقيّة التونسيين من الخريطة، فقط لأنّهم عارضوا سياسات القائد. وهذا السلوك الشعبوي/ الانفعالي لفئة من أشياع قيس سعيّد يدلّ على محدودية وعيهم السياسي الذي يبدو معطوبا بمزيج من الدمغجة والتعصّب. ويُفترض أن ينصح الرئيس أتباعه بالتعقّل، والرصانة، والانفتاح على الآخر، تفاديا للاحتقان والفتنة، وتحقيقا للسلم الاجتماعي والصالح العام.

يُفترض أن ينصح الرئيس أتباعه بالتعقّل، والرصانة، والانفتاح على الآخر، تفادياً للاحتقان والفتنة

أمّا خصوم سعيّد فيقعون أحيانا في فخّ الشعبوية، والأحكام الانطباعية، من ذلك نعتهم رئيس الجمهورية بـ"الخائن"، أو"الغدّار" أو "العميل"، أو "الجبان"، وهي نعوتٌ مذمومة ومستهجنة، ومرتجلة، تصدر عن شخصيّاتٍ انفعالية، ميّالة إلى تشويه الآخر. وكان الأحرى بهؤلاء نقد سياسات الرئيس، لا تجريح شخصه. يضاف إلى ذلك أنّ بعض مناهضي الرئيس ينعتون أتباعه بـ"القطيع"، و"الشبّيحة"، و"الصبايحية" (وكلاء الاستعمار)، وتلك نعوتٌ فيها كثير من التحقير، والتهوين من قيمة الغير. وهو ما يساهم في تغذية أسباب التوتّر والتنافي داخل المجتمع الواحد. لكن من المفيد الإشارة إلى أنّ معظم شعارات معارضي الرئيس تحمل رسائل نضالية ومطلبية، ذات خلفية مبدئية واضحة، من قبيل "دستور، حرّية، كرامة وطنية"، "أنقذوا ديمقراطيتنا"، "لا لخرق الدستور"، "خبز وماء والانقلاب لا"، "الاستبداد حاضنة الفساد"، "مواطنون، لا رعايا". وهي شعاراتٌ تقدّميةٌ، مسؤولة، دالّةٌ على تشبّث طيْف معتبر من التونسيين بالنظام الديمقراطي ورفضهم الحكم الشمولي، وحرصهم على احترام الدستور في كلّيته باعتباره منجزا تنظيميّا، حقوقيّا، توفقيّا، ساهم في صياغته أحرار تونس وحرائرها من مختلف مكوّنات المجتمع المدني.

ختاما، تقول المفكّرة حنة آرندت "العُزلة الكُبْرى أن تحيط نفسك بأشخاص يفكّرون مثلك". وأحرى بالرئيس قيس سعيّد ألا يُنصت لأنصاره فحسب. بل من المهمّ أن يُنصت أيضا لمعارضيه، وأن يعمل على إزالة أسباب التوتّر بين الطرفين، حفاظا على الوحدة الوطنية، والسلم الاجتماعي، وتحقيقا للصالح العام.