حقبة صداقات الأعدقاء

حقبة صداقات الأعدقاء

17 يونيو 2021
الصورة

(معمّر مكي)

+ الخط -

بعد ما يزيد على نصف قرن من رحيل الاستعمار العسكري الغربي المباشر عن معظم الدول العربية، يزداد العالم العربي انقسامًا، وتزداد علاقات عواصمه غموضًا وتوترًا. في ستينات القرن الماضي، جعل الباحث الأميركي، مالكوم كير عنوان كتابه عن العلاقات العربية العربية "الحرب العربية الباردة". ويتناول الكتاب، بشكل رئيس، حالة الصراع بين جمال عبد الناصر والنظم الملكية العربية. وخلال عدة عقود، كانت العلاقة بين حزبي البعث العراقي والبعث السوري أسوأ من علاقة كل منهما بأي نظام حاكم، وكلاهما يحمل اسم "حزب البعث".

ويكشف التنقيب في التاريخ القريب عن أن المنطقة تؤثر في علاقات دولها، بدرجة كبيرة، عداوات قريبة/ بعيدة يبدو أنها تأبى أن تموت. وعلى سبيل المثال، منذ أن انتهى، من الناحية الرسمية، حصار قطر، والتحسن في علاقات مصر وقطر وتركيا يتحرّك ببطء، ويتكرّر بشكل كبير في خطاب التحليل السياسي حول علاقات الدول الثلاث تساؤل مبرّر: هل هو توجه استراتيجي، أم جزء من تكتيكات صراع يجعل التصريحات الرسمية عن انفراج وتقارب، لا تعدو أن تكون محاولة للتعايش بين "أصدقاء ألدّاء" أو بالتعبير الساخر الشهير: "أعدقاء"؟

"صداقات الأعدقاء" في الممارسة السياسية الغربية، الأميركية والأوروبية، أسهمت في تشييد بنية اعتماد متبادل كبيرة وناحجة

قياسًا على ذلك، يمكن الحديث عن علاقات دول عربية عديدة، وبعض دول الجوار غير العربية. والظاهرة مؤشّر لا شك في صحته على التأثير الكبير للعداوات في السياسات، وما واجه مجلس التعاون الخليجي خلال السنوات القليلة الماضية يكشف عن أن عوامل التقارب لم تزل أضعف تأثيرًا من أسباب التباعد. بل إن ما تشهده الأردن، أخيرا، وامتداداته الإقليمية يمدّنا بمزيد من الدلائل على أن تصوّرات دول عربية كثيرة لمصالحها الوطنية، إما أنها تكرّس خصومات قديمة، أو تضع بذرة خصومات جديدة.

و"صداقات الأعدقاء" ليست ظاهرة جديدة على واقع العلاقات الدولية. على سبيل المثال، تشهد العلاقات الأميركية الأوروبية، منذ انهيار سور برلين مطلع تسعينات القرن الماضي، تباينات في العلاقات الخارجية الأوروبية، خصوصا في ما يتصل بالعلاقة مع روسيا والصين. وتعد إشارة الرئيس الفرنسي، ماكرون، في قمة السبع الكبار التي نفى فيها أن تكون القمة "منصّة عداء للصين"، تغريدًا خارج السرب، إذا قورنت بالخطاب الرسمي لحلف شمال الأطلسي (الناتو) وهو خطاب مهووس بالخطر الصيني. وقد حاولت فرنسا سنوات استخدام عضوية تركيا في الحلف وسيلة لتغيير سلوك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان. وفي النهاية، استضافت باريس وزير الخارجية التركي، جاووش أوغلو، أما العلاقات الدافئة "اضطرارًا" بين بايدن وأردوغان فحدّث عنها ولا حرج.

العلاقات، في حالاتٍ ليست قليلة، لا تحييها لغة الصداقة، ولا تقتلها ممارسات العداوة الظاهرة أو المضمرة

و"صداقات الأعدقاء" في الممارسة السياسية الغربية، الأميركية والأوروبية، أسهمت في تشييد بنية اعتماد متبادل كبيرة وناحجة. ومع استقرار المصالح، أصبح المشترك العام في العلاقات الخارجية أكثر وضوحًا، وتعزّزت الروابط المشتركة بين أممٍ خاضت ضد بعضها بعضا صراعات امتدّت عدة قرون. النوع نفسه من العلاقات عندنا يغلب عليه أن تكون المصالح فيه محدودة، ويحدث هذا بينما تتضخّم على نحو غير مسبوق، وغير مبرّر في الحقيقة، قائمة المصالح بين عاصمتين، مثل تل أبيب وأبو ظبي، وبعض المنافع المتبادلة بينهما كان يمكن أن تكون القاهرة فيها بديلًا أفضل من تل أبيب، وكأن الدافع الرئيس للتعاون الإسرائيلي الإماراتي الرغبة في استبعاد القاهرة.

ونظرة سريعة على ما يحدث في خريطة تمتد من القرن الأفريقي إلى قلب منطقة الساحل والصحراء، تكشف توسّعًا مطردًا في "صداقات الأعدقاء"، حيث العلاقات، في حالاتٍ ليست قليلة، لا تحييها لغة الصداقة، ولا تقتلها ممارسات العداوة الظاهرة أو المضمرة. وهذه الحقبة، في الحقيقة، تتطور وفقًا لقانونٍ أقرب ما يكون إلى حالة الرمال المتحرّكة، ويمكن في نهايتها أن تتبلور علاقات ترابط سياسي أكثر نضجًا ووضوحًا، فالتأثير الكبير لمنطق الاستقطاب الحدّي الصفري انكسر، إلى حد كبير، بإنهاء حصار قطر، وتاليًا التقارب التركي المصري والانفراج في ليبيا، وتغير لغة الخطاب السياسي لا يعني بالضرورة تغيّر الموقف السياسي. و"صداقات الأعدقاء" لا يُستَبعد أن تصبح مقدّمة لعلاقات أكثر اتساقًا، والاتساق أول الغيث!