الشيخ أحمد كريمة وأخطار البوظة على الشعب

الشيخ أحمد كريمة وأخطار البوظة على الشعب

12 اغسطس 2021
الصورة
+ الخط -

ماذا تنتظر من رجلٍ، فور أن جلس على الكرسي، بعدما جمع من الشعب ما يقرب من 70 مليار جنيه مصري، لعمل "قناة سويس جديدة خالص" أعلن أنّ ثلاجته ظلت سنواتٍ عشراً خالية من أي شيء سوى الماء. لاحظ أنه لم يضع رغيفا أو حتى خسة ولو بالخطأ خلال السنوات العشر بجوار الماء، فهل كانت العبارة مقصودةً ومحدّدة، بحيث يجني ثمار كلماته بعد ما قرّر في اجتماع أخير أن من العجب العجاب في بلادنا أن يأخذ المواطن العشرين رغيفا بثمن سيجارة واحدة. هو بالطبع نسي أنه في "ليلة واحدة أيضا" أفرغ جيوب المصريين ومدّخراتهم إلى النصف بعدما "عوّم الجنيه".

الآن يحاسبهم على "الرغيف الحاف" ويستكثره عليهم ويتهكّم عليهم بثمن السيجارة، يتهكّم على بشر جمعوا له خلال أسبوع واحد 70 مليار جنيه. وفي النهاية اعتبر المشروع كله بمثابة "رفع الروح المعنوية" للشعب، وليس تثبيتا لحكمه، وهذه هي "الجليطة" بأم عينها، فهل بعد ذلك نستغرب من شيخٍ معمّم، وهو فضيلة الشيخ أحمد كريمة الذي أعلن فضيلته أنه مع قرارات الرئيس قلبا وقالبا لزيادة سعر الرغيف، لأنّ الأهالي في الريف الذي يعرفه جيدا، يعدّون منه مسكراتٍ والعياذ بالله. وبالطبع معروف من قديم الأزمنة أن "العيش" لا يعد منه في المناطق الشعبية سوى "البوظة". والذي مرّ على أدب نجيب محفوظ في أزمنة الفتوّات يجد "البوظة" بكثرة في ثنايا كتاباته، وخصوصا مجموعته القصصية الجميلة "خمّارة القط الأسود" وكيف كان الفتوّة يشرب "قرعتين بوظة"، أو ثلاثة أو أكثر، وبعدها يخرج من العطفة أو الزقاق أو يدخل إلى "القرافة"، منتظرا خصومه بالنبّوت، أو قافزا بالسروال ليلا إلى شباك أرملة مصون في الحارة، فهل وصل الحد بملايين الفلاحين في قرى مصرية أن تصبح "البوظة" مشروبهم الروحي بعدما طلقوا الشاي؟

هذا "اكتشافٌ أمني" مثير وغريب للشيح أحمد كريمة، لا يستحق من السيد الرئيس بعد التأكد من صحته، وهو بالطبع رجل دين لا يكذب، سوى إقالة كل أجهزته المخابراتية، وأمنه العام، والأمن الوطني أيضا، فكيف لأجهزةٍ ثلاث في كل قرى مصر العريضة ترصد بدقّة حتى أنفاس الذباب والفراشات فوق سد النهضة خلال الـ24 ساعة، ولم تستطع أن ترصد ملايين المصريين من بسطاء الفلاحين، بعدما أدمنوا البوظة وتفشّى الأمر، حتى بات الأمر مشكلة، لا قدّر الله، قد يعرّض الأمن الوطني والغذائي أيضا لأخطار. كيف استطاع دكتور أزهري في الشريعة أن يتتبع الظاهرة، ويفجر تلك القنبلة أمام الرأي العام. وما أدرانا أن تلك الظاهرة أو المرض "صناعة البوظة في قرى مصر" كانت ممتدة من خلال 11 سنة لأنور لسادات، و30 سنة لحسني مبارك، وسنة ونصف السنة لمجلس عسكري كان فيها عبد الفتاح السيسي مديرا للمخابرات العسكرية، وسنة عدلي منصور، وسنة للمرحوم محمد مرسى، وكان فيها السيسي وزيرا للدفاع، وسبع عجاف كان فيها السيسي رئيسا، أي حوالي 50 سنة كاملة، فيا خفيّ الألطاف نجّنا برحمتك، وألهم، يا ربي، قادتنا وعلماء النفس في بلادنا، أن يخرجوا الريف الذي كان جميلا من تلك المحنة.

فما أدرانا أن أغلب أمناء الشرطة في القرى تربيةً وسكنا قد أدمنوا هذا المشروب، وكيف نضمن أن تلك الصناعة المهلكة قد وصلت إلى أيدي الجماعات الإرهابية الهاربة في الجبال وصحراء سيناء، وبعد قرعةٍ أو قرعتين أو أكثر تتم التفجيرات أمام أقسام الشرطة أو أمام البنوك، وكيف نضمن أيضا أن تلك الصناعة قد تفشّت في أحزمة المدن، كالقاهرة والإسكندرية، بعدما انتقل الملايين من هؤلاء الفلاحين إلى تلك المدن، وزادت الدولة من أسعار المشروبات الروحية، فما كان لهم سوى تلك الصناعة، وهل سنرى نجيب محفوظ آخر يخرج برواياتٍ جميلةٍ مثل قصص "خمارة القط الأسود". نحن أمام أحداث متسارعة في عمق الريف المصري، وهل كان السيد عالم النفس دكتور أحمد عكاشة على علم بتلك المصائب التي تفشت في الريف، ولذا أشار إلى السيد الرئيس بتلك النصيحة: "المصري حينما يجوع يجتهد وينجز ويحسّن حاله".

وها نحن بعد جوع ثلاجة الرئيس سنوات عشراً، وبوظة أحمد كريمة، وتجويع أحمد عكاشة المباشر جداً المصريين، في انتظار تقارير زاهي حوّاس عن عدد الأرغفة التي استهلكها العمّال المصريون في أثناء بناء الهرم، وبالطبع ستكون قليلة ونادرة أيضاً، كنُدرة الفواكه في ثلاجة الرئيس.