منع "كيوتيز": أن تلقي القبض على المخيّلة وتحاكمها

01 أكتوبر 2020
الصورة
لا يزال موضوع الأسرة والأطفال شديد الحساسية في أميركا (يوتيوب)

سحبت شبكة نتفليكس من قائمتها الفيلم الفرنسي "كيوتيز" (مينيون) Cuties، لمخرجته Maïmouna Doucouré، وذلك إثر موجة الغضب العارمة التي اجتاحت الولايات المتحدة، خصوصاً اليمين وأطيافه؛ إذ اتهم الفيلم بالترويج للبيدوفيليا وجنسنة القاصرات. هذه التهم، على النقيض، أثارت حفيظة رافضي قرار السحب، خصوصاً أنها ليست من أصل الفيلم، فالمشكلة فعلياً كانت في إعلانات نتفليكس عن الفيلم، أي البوستر والشريط الترويجيّ، ووصف الفيلم على المنصة قبل عرضه، ما أساء لمضمونه وقدم فكرة خاطئة عنه.  
امتد هذا الغضب إلى السيناتورات في الكونغرس، فطالب بعضهم بسحب الفيلم ومنعه، كجوش هالواي، الذي اتهم المنصة باستغلال الأطفال جنسياً، وآخرون اتهموا نتفليكس بالمتاجرة بصور القاصرات والترويج لها، وطاولت الاتهامات المخرجة نفسها باستغلال الأطفال وعرضهم بأسلوب جنسي.  
المثير للاهتمام في أي حالة من هذا النوع أن الكثير من المنتقدين لم يشاهدوا الفيلم، إلا أن موجة الاحتجاج ترافقت مع إلغاء الكثيرين اشتراكهم بنتفليكس، إما احتجاجاً على الفيلم، أو العكس، احتجاجاً على سحب الفيلم. الأرقام هنا غير دقيقة، لكن الأهم أن الفيلم نفسه بعد مشاهدته وظهور المدافعين عنه، يكشف أنه ينتقد ظاهرة جنسنة القاصرات وطبيعة الحياة التي يختبرنها اليوم في ظل كم الصور الهائل الذي يظهر أمامهن على الشاشات، ويتسلل إلى صداقاتهن، وهذا ما أثار استغراب مخرجة الفيلم التي أكدت أن الهدف من الفيلم هو توعية الأهل على ما تشهده بناتهن، وأنها إلى جانبهن في المعركة الثقافيّة ذاتها.  
رد الفعل العنيف من قبل فئة من المجتمع الأميركي قوبل بالاستغراب في فرنسا، خصوصاً أن الصحف من اليمين واليسار وجدت أن الأمر ليس أكثر من خطأ في التسويق وقعت فيه نتفليكس بسبب البوستر المنشور على المنصة، والذي اعتذرت عنه نتفليكس لاحقاً بوصفه لا يمثّل الفيلم ولا محتواه.

 
بين الفرنسة والأمركة  
اختلاف ردود الفعل على الفيلم بين البلدين ليس الأول من نوعه في ما يخصّ الجنسانية وتساؤلاتها، خصوصاً أن قضايا الجنسانيّة بدأتها فرنسا في ثورة 1968، وانتقلت إلى العالم، إذ يمكن تلمس أن حملة "أنا أيضاً" (Me too)، واجهت رفضاً من قبل الكثير من الشخصيات الثقافيّة. الرفض هنا كان موجهاً ضد العشوائيّة وزرع الرعب في قلوب الناس، ذاك الناتج عن المبالغة في شيطنة الآخر الذي يهدد الغواية في العلاقات، إذ قد تتحول إلى شأن بيروقراطي يتطلب موافقات لفظية وواضحة على كلّ لمسة أو كلمة.  
الأهم أن النقاشات التي يتم تناولها في فرنسا في ما يخص هذا الموضوع أشد وضوحاً، وتتم الإشارة فيها إلى الجاني بوضوح، مع انفتاح في استعراضها، كحالة كتاب "جنس، عرق، مستعمرة" (2018)، الذي أثار ضجة كبيرة عند صدوره، بسبب احتوائه على صور مهينة، تنتهك الكرامة البشريّة. مع ذلك، نُشر الكتاب ولم يواجه بالمنع. وفي هاتين الحالتين، نحن نتحدث عن أحداث واقعية ووثائقيّة، لا عن فيلم متخيل يقترح قضيّة ما زالت قيد التفادي.  
الاستغراب من رد الفعل الأميركي سببه  الخوف، أو المحافظة المفرطة في الولايات المتحدة، خصوصاً في ظل انتشار الحديث عن البيدوفيليا في الثقافة الشعبية، وفضح ممارسات العديد من المشاهير مثل آر كيلي، ومايكل جاكسون. ينسحب الأمر أيضاً على المستوى السياسي، كحالة جيفري أيبستين صديق السياسيين، مثل ترامب وكلينتون، الذي اكتشف أنه يمتلك جزيرة للقاصرات والقاصرين الذين يقوم بتشغيلهم جنسياً لإشباع رغبات ضيوفه.
بصورة أخرى، فإن موضوع البيدوفيليا، وحتى الأسرة ومكوناتها، ما زال تابو شديد الخطورة في الولايات المتحدة. المس به، أو حتى تناوله، محكوم دوماً بالقانون والعنف، لا بالمساءلة والنظر في أبعاده المختلفة.

أطفال أم تمثيل الأطفال؟  
الاتهامات التي طاولت الفيلم بوصفه يقدّم بورنوغرافيا الأطفال، سببها أن المؤديات في الفيلم تحت السن القانوني، وهناك استغلال لهن من قبل صانعة الفيلم لإظهارهن بصورة مجنسنة. ونتفليكس مدانة كونها تروج لهذا الاستغلال. لكن السؤال الافتراضي: هل المشكلة فعلاً بأنهن قاصرات؟ أي لو كن بالغات يحملن ملامح الأطفال ويؤدين هذه المشاهد المفترضة، هل سيكون رد الفعل ذاته؟  
نطرح هذه التساؤلات للخوض في مفهوم "التمثيل"، representation، الذي يرتبط بالتخييل والعلاقة مع الواقع، لأنه إذا افترضنا المطابقة بين الواقع وتمثيله، وهذا ما تبناه المحافظون، فنستنتج أن ما تقوم به الممثلات يتطابق معهن كأشخاص خارج إطار اللعب، وينسحب على كل من هن بعمرهن، بالتالي هناك إشكالية في نظام الأسرة، بل ويمكن اتهام المخرجة بكل ما سبق بوصفها "تستغل" القاصرات.
هذا ما ينفي نقديّة ما يقدّم وأثره المعرفي على المشاهد، لكن المشكلة أن الأمر ذاته ينطبق إن لم يكنّ قاصرات، بالتالي نحن أمام محاكمة للمخيّلة؟ ولا نقصد هنا أن نأخذ موقفاً داعماً للبيدوفيليا، بل الأسلوب الذي يتم عبره تقييد مساحة الفن بناء على افتراضات قانونيّة من جهة، وأخرى لا تفصل بين "التمثيل" و"الحقيقة"، والمسافة النقديّة بينهما.  
هذا السؤال ربما يرتبط بطبيعة الوسيط، أي "السينما"، لا شخصيات متخيّلة في عقل المؤلف، كحالة المؤلف الفرنسي غابريل ماتزنيف، الذي مثل أخيراً أمام القضاء ليُسأل عن مغامراته الجنسية مع الأطفال وسياحته الجنسية التي وصفها بوضوح في أعماله الأدبية. هذه الأعمال حمته لسنوات طويلة كونها تصنّف تحت بند حرية الإبداع والتعبير؛ أي هناك مسافة نقديّة وفنية بين الواقع وتمثيله.

الأهم أنه لم يتهم بالترويج للبيدوفيليا، ولم تُمنع كتبه، بسبب التسليم الصريح بلاجديّة ما يحصل بين دفتي الكتاب، ولا بد أن ينسحب الأمر ذاته على السينما، هناك تمثيل للواقع لا مطابقة له، ما يجعل التدخل القانوني هنا وتهمة الجنسنة غير واضحين بدقة، خصوصاً أن هناك أشكالاً أشد جنسنة وإهانة للطفولة نراها في مسابقات جمال للأطفال مثلاً. ونكرر أننا نطرح هذه الأسئلة لفهم الحدّ المرسوم بين الواقع وتمثيله، وكيف يتم تأويله فنياً وقانونياً.

  
مخيال البيدوفيلي المستحيل  
الحجج التي قدمت لسحب الفيلم تتحرك حول الجنسنة والبيدوفيليا، أي اشتهاء الأطفال، وهنا يتهم المحافظون البوستر - لا الفيلم - بأنه يثير الشهوة. لكن هل هذا فعلاً صحيح؟ نطرح هذا السؤال كوننا لا نعلم عن المخيلة البيدوفيليّة إلا القليل. هي مساحة مستحيلة، ولا نقصد هنا الأفعال الجنسيّة والجرائم التي يضبط بها أحدهم متلبساً، بل المخيلة ذاتها، التي لا ندري ما يستثيرها لدى البيدوفيل، أي لا نعلم بدقة سلسلة الحركات والأداء التي تحفّز مخيّلته، والتي قد لا تتطابق مع الشكل الرسمي والعلني للإثارة الجنسيّة، خصوصاً أن الصورة النمطية عن البيدوفيل تتجلى بأنه يلاحق الأطفال في الأماكن العامة أثناء ممارستهم لأفعال بعيدة كليّا عن الجنس، كاللعب في الحديقة والخروج من المدرسة، أما غير ذلك فهو مستحيل ويظهر في مساحات نادرة من الأدب، كما في المثال الفرنسي السابق، أما اتهام عمل فنّي ما بأنه يثير الشبق البيدوفيلي، فهو ليس منطقياً، كوننا ضمن السياقات العامة والشعبيّة لا نعلم ماذا يثير البيدوفيل: هل هي الجنسنة أم البراءة؟ فلا مساحة لاكتشاف هذه المخيلة كونها ممنوعة ومثيرة للجدل بشدة.

متخيّل براءة الأطفال  
بالعودة للفيلم وردود الفعل المتباينة حوله، يمكن أن نطرح سؤالاً يحاول الفيلم نفسه أن يطرحه: هل براءة الأطفال ما زالت مصانة، تلك السذاجة واللافهم اللذان نتهم بهما من هم تحت سن الـ18، هل ما زالا موجودين؟ لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال، لكن يمكن النظر إلى السياق الثقافي الذي يكبر ضمنه الأطفال. آلاف الصور والفيديوهات تبث وتضخ ويحارب الأهل دوماً في سبيل دفع أطفالهم إما للوعي بها، أو التحكم بتدفقها، هذه المهمة التي من الصعب إنجازها حالياً، تتركنا أمام سؤال البراءة وكيفية الحفاظ عليها، والأهم: هل يجب التعامل مع الأطفال ببراءة؟ أو زيادة وعيهم بما يحصل؟
لا نحاول الخوض في نصائح تربويّة، بل أين يجب أن تكثّف الجهود باتجاه الأطفال أو العاملين في الاستعراض، أم الصورة التي نمتلكها عن البراءة؟ تلك التي تتشكل من دون أن نعلم محركاتها. وهنا تكمن أهمية فيلم "كيوتيز"، فهو يطرح سؤالاً على هذا المتخيل ذاته، ويكشف لنا عن مرحلة عمريّة محصّنة نظن أنها غير قابلة للاختراق بسبب جهودنا نحن، لا موقف من نحاول تحصينهم.