بيدوفيليون متخفّون.. ثقافات اجتماعية ترفع نسب التحرّش

19 ابريل 2017
الصورة
(في شوارع القاهرة، تصوير: جيني ماتوس)
+ الخط -

في الجزء الثاني من فيلم المخرج الدنيماركي لارس فونترير (nymphomaniac)، تتحّدث البطلة جوي عن قصّة تعرّضت لها أثناء عملها في العصابة التي تبتز الرجال عن طريق فضح أهوائهم وعلاقاتهم الجنسية، عن رجل اكتشفت أنه مريض بيدوفيليا، حتى هو لم يكن يعلم ذلك.

حسب قول جوي بطلة الفيلم، إنها شعرت بالذنب واعتذرت له خصوصًا بعد بكاء الرجل، سأل محاورها في الفيلم: "كيف تشعرين بالذنب على هذا الحيوان الذي يثار جنسيًا على الأطفال؟"، فقالت جوي هو لم يعتدِ على الأطفال طوال عمره وأنا من جعله يعرف أنه مريض Paedophilia وفضحته أمام نفسه، وأضافت جوي أن 95% من مرضي الـ Paedophilia لم يعتدوا على الأطفال طوال عمرهم. وقالت وجهة نظرها والتي تمثل غالبًا وجهة نظر فونترير، أن هؤلاء المرضى مستعدون لمقاومة مرضهم وعدم تعديهم على طفل.

النسبة التي ذكرت في الفيلم صحيحة، حيث تؤكّد أغلب التقارير والأطباء النفسيين المعالجين لتلك الحالات أن من يمارسون الاعتداء الجنسي أو التحرّش على الأطفال من مرضى البيدوفيليا لا تتعدى نسبتهم الـ 5%. أما عن ما هية البيدوفيليا فتجيب DW الألمانية في أحد تقاريرها قائلة: "حسب نظام التصنيف النفسي الأميركي الجديد، تصنف البيدوفيليا كاضطراب عقلي عندما يكون الشخص ذو التوجه الجنسي يعيش هذه الرغبة- أو على الأقل يعاني بسببها".

ومع محاولة التوصّل لأسباب انخفاض نسبة مرضى البيدوفيليا المعتدين على الأطفال لـ 5% في العالم الغربي، سنجد أن أحد أهم الأسباب هو توافر العلاج لهم، والاعتراف بهم كمرضى وليس مجرمين (المقصود بالمرضى من لم يعتدِ على الأطفال)، ومع توافر العلاج ووجود عقوبات رادعة للمتحرّشين والمعتدين جنسيًا. ومع ثقافة مجتمعية للتعامل مع حالات الانتهاك الجنسي هي بكل تأكيد أكثر تطوّرًا من الثقافة المنتشرة في الدول العربية ومصر.

أضف وجود بحوث ومحاولات طبيّة لكشف هذا المرض وأسبابه وعلاجه. كل هذه الأسباب توفّر فرصا أعلى لعلاج المريض أو السيطرة على رغباته وحماية الأطفال في جانب آخر، لا تنهي هذه الخطوات الاعتداءات الجنسية ولكنّها تقللها بدرجة كبيرة.

في بداية الشهر الحالي انتشر هاشتاغ على مواقع التواصل الاجتماعي داخل مصر يسمي (أوّل محاولة تحرّش كان عمري)، كان غرضه هو التوعية بأضرار التحرّش النفسية والجسدية على المصريات وفضح المتحرّشين. ارتفاع نسبة المشاركة لم يكن مفاجئًا، فمن المعروف أن نسبة التحرّش في مصر مرتفعة. حسب إحصائيات الأمم المتحدة أن 99.3% من نساء مصر تعرّضن للتحرش، ولكن المفجأة أن نسبة كبيرة من المشاركات في الهاشتاغ كانت أوّل محاولة تحرّش بهن في سنوات الطفولة. وتحديدًا بين (6- 14) سنة.

ومع حوادث اغتصاب الأطفال التي انتشرت في الشهور الأخيرة، أشهرها الحادثة المعروفة بـ "فتاة البامبرز"، وهي حادثة مروّعة لطفلة رضيعة تعرضت لاغتصاب وكادت أن تموت لولا التدخل الجراحي. مغتصبها علّل فعلته بأنه رآها وهي ترتدي بامبرز (حفاظة الأطفال).

من حوادث اغتصاب الأطفال ومن قصص المشاركات ضحايا التحرّش في الهاشتاغ، يبدو أن هناك الكثير من حالات (البيدوفيليا) المتخفيّة. حيث بدأ المجتمع المصري يدرك وجودها وبكثرة. ولكن رغم ذلك لم تبدأ إجراءات الحدّ من خطورة وعلاج مرضى البيدوفيليا.

ومن نسب التحرّش المرتفعة في مصر ندرك أن أجساد النساء مستباحة، ولا توجد توعية كافية ولا حماية قانونية لهن. فمع وجود مرض خطير كالبيدوفيليا وتستّر المجتمع على المتحرّشين (وعدم وجود بيئة آمنة لضحايا التحرّش لفضح المتحرّشين بهم) ستزيد نسبة التعدّي على الأطفال من المرضى بالبيدوفيليا سواء بالتحرش أو الاعتداء الجسدي.

الثقافة المجتمعية في الريف المصري تساعد على زيادة نسبة التحرّش بالأطفال. حيث تُعامل الفتاة منذ بداية بلوغها (11) سنة على أنها مصدر للإغواء ويجب أن تداري جسدها. بالإضافة لتزويج الفتياة في سن الرابعة عشرة أحيانًا. والتستّر على ضحايا التحرّش من الأطفال بحجة (ستر الأطفال) وكأنهم هم المذنبون بتعرّضهم للتحرش. كما أنه لا يوجد ولو حتى مراكز مستقلة أو مبادرات فردية لعلاج مرضى البيدوفيليا الذين لم يصلوا لمرحلة الاعتداء الجسدي.

ربّما لم تصل أوروبا للنموذج الأمثل في الحفاظ على الأطفال من التحرّش والاعتداءات، ولكنها بكل تأكيد تأخذ خطوات جيّدة وملموسة تقلّل من نسبة التحرّش. هذا الطريق الذي يجب أن تخوضه مصر وقد بدأت فيه بعض المنظّمات الحقوقية. ولكن حتى الآن لا توجد أي محاولات ظاهرة لتقديم العلاج النفسي لمرضى البيدوفيليا، أو التوعية بخطورة هذا المرض وكيفية معرفته والتعامل مع مرضاه، وكيف تتعامل مع طفلك في حالة تعرّضه لتحرّش جنسي. والأهم أن نسبة التحرّش بالأطفال ستنخفض بكل تأكيد إذا قلت نسبة التحرّش العامة المرعبة في مصر.

المساهمون