حكاية نتفليكس كما يرويها مؤسس المنصّة: أسرار النجاح والثراء

25 سبتمبر 2020
الصورة
يحق للموظف اتخاذ القرار المناسب من دون العودة إلى المسؤول (فرانس بريس)

بعد مشوار طويل من العمل في إدارة العديد من المنظمات التعليمية في الولايات المتحدة، قرر الأميركي ريد هاستينغز في أكتوبر/تشرين الأول 1991، تغيير مجرى حياته المهنية تماماً، فشارك آخرين في تأسيس شركة تحت اسم Pure Software، وكان منتجها الأساسي أداة لتصحيح أخطاء هندسية اشتهرت باسم Purify، ليتم بعد ذلك إضافة منتجات أخرى دعمت نجاح الشركة وضاعفت أرباحها السنوية على مدى أربع سنوات متواصلة.

لكن في أغسطس/آب 1997، استحوذت شركة Rational Software على شركة هاستينغز الوليدة، ما منح الرجل رأس مال جيدا لبدء شركته الجديدة؛ "نتفليكس"، وشاركه آخرون في تأسيسها عام 1997، ليشغل فيها منصبي رئيس مجلس إدارتها ومديرها التنفيذي منذ 1999، لتصبح اليوم إحدى أكبر مؤسسات الترفيه والبث في وادي السيليكون، إلى جوار حيتان التكنولوجيا الأخرى، فيسبوك وتويتر وغوغل.

تحتل نتفليكس اليوم مكانة رائدة لم يسبقها إليها أحد، فالشركة التي بدأت بتوزيع إسطوانات DVD عبر البريد، تحولت سريعاً إلى خدمة البث التلفزيوني عبر الإنترنت، حتى كادت أن تحتكر السوق العالمية، بنصيب يفوق 193 مليون مشترك في أكثر من 190 دولة حول العالم. اليوم، يقدم لنا ريد هاستينغز في كتابه الجديد "قواعد اللاقواعد"، سر نجاح نتفليكس الذي أهلها للتربع على عرش شركات الترفيه والبث المباشر في العالم، وربما سيندهش الجميع حين يعرفون أن سر النجاح الباهر للشركة هو تخلصها من العوائق التي تربط العاملين فيها برؤسائهم، وهو ما يصيغه هاستينغز في كتابه الجديد بقوله: "القانون باختصار أنه لا وجود لقواعد، أو بمعنى آخر؛ خذ قرارك دون الرجوع إلى مديرك".

الشركة التي بدأت بتوزيع إسطوانات DVD عبر البريد، تحولت سريعاً إلى خدمة البث التلفزيوني عبر الإنترنت، حتى كادت أن تحتكر السوق العالمية، بنصيب يفوق 193 مليون مشترك في أكثر من 190 دولة حول العالم

لا قواعد منذ البداية كان ريد هاستينغز (59 عاماً) ملتزماً بالابتكار، فطوّر ثقافة مؤسسية ثورية ساعدت نتفليكس على أن تصبح عملاقاً إعلامياً لا مثيل له. اعتمدت هذه الثقافة على الخروج عن قواعد الإدارة العامة التي تنتهجها الشركات المنافسة، فالعمل الجاد في نتفليكس ليس هو الشيء الأكثر أهمية، ولا يتعلق بإبقاء رئيسك سعيداً، ولكنه يقاس بقدرة الموظف على الانفتاح الجذري والمرن أمام تغيرات السوق المستمرة.

وضع هاستينغز أمام عينيه معادلة نجاح غير مسبوقة قوامها المرونة والسرعة والجرأة في اتخاذ القرار، من دون العودة إلى رؤساء الشركة الكبار. بهذه الطريقة المغامرة، تمكنت نتفليكس من أن تصبح اليوم هذا العملاق التكنولوجي الذي نجح في غزو العالم خلال السنوات القليلة الماضية.

يتعمق هاستينغز في كتابه الجديد بمشاركة إيرين ماير، خبيرة الإدارة المؤسساتية، في الهيكلية التي انبنت عليها سياسة نتفليكس، من خلال إجراء عدد ضخم من المقابلات مع العاملين بالشركة ومنافسيها، وسرد القصص التي لم تُرو من قبل في مشوار هاستينغز الناجح، وهي في مجملها تظهر جوانبه الإيجابية والسلبية على حد سواء، مقدمة لنا دروساً ملهمة، يمكن أن تكون ذات قيمة هائلة لأي عمل تجاري ناجح، يضع أمام عينيه تجارب شركات أخرى رائدة، اختفت بعد نجاحها لعدم قدرتها على مواكبة التغيرات السريعة التي يشهدها العالم في السنوات العشرين الماضية. ولعل من أبرز هذه الشركات نوكيا وياهو وكوداك وغيرها.

ولدت نتفليكس كشركة من دون مثيل سابق لها يمكن أن يقاس عليه، ولهذا السبب لم يكن أمام مؤسسها ريد هاستينغز إلا أن يرفض الطرق التقليدية التي تعمل بموجبها الشركات الأخرى، فعلّم موظفيه ألا يحاولوا إرضاء رؤسائهم، بل عليهم أن يكونوا صريحين ولو وصلوا إلى حد التطرف.

في نتفليكس، لا يحتاج الموظفون إلى الحصول على موافقة رؤسائهم للحصول على عطلة طويلة تتكفل الشركة بنفقاتها بالكامل! عندما ابتكر هاستينغز هذه النظرية المجنونة لأول مرة، لم يكن يدرك حجم الآثار المترتبة عليها، ولكن بمرور الوقت اكتشف أنه غرس لدى موظفيه المرونة والسرعة والجرأة في اتخاذ القرارات التي يجدونها الأنسب.

ثقافة الفريق تم تأسيس نتفليكس عام 1997 كشركة تعمل على توزيع أسطوانات DVD عن طريق البريد، وحققت نجاحاً كبيراً منذ بدايتها، لتتحول اليوم إلى عملاق البث التلفزيوني بمعدل سبعة آلاف موظف حول العالم، ورأس مال ضخم مكن الشركة من إنتاج برامجها التلفزيونية الخاصة لتنافس بها على أهم الجوائز العالمية الكبرى. لكن بحلول العام 2018، واجهت الشركة انتقادات حادة بسبب نهجها "القاسي" في فصل عدد من موظفيها ذوي الأداء الضعيف، وهو ما يوضحه هاستينغز في كتابه بقوله: "كان هدفنا منذ اللحظة الأولى لانطلاق نتفليكس هو الحفاظ على الكفاءات الأكثر فاعلية ومرونة، وفي مقابل كل موظف جيد هناك دائماً من هو أقل كفاءة منه، ولم يكن لدينا بديل عن التخلص من هؤلاء، وإلا لما أصبحنا ما نحن عليه اليوم، مع ملاحظة أن جميع الموظفين الذين استغنينا عنهم حصلوا على مكافآت سخية".

بالتناوب مع إيرين ماير، الأستاذ في كلية إنسياد لإدارة الأعمال، والتي قامت بإجراء وتحرير 200 مقابلة مع موظفي نتفليكس في ملحق خاص من الكتاب، يشرح هاستينغز كيف نجح في ضم أفضل المواهب الإبداعية بأجور مرتفعة إلى شركته، وكيف نجح في وضع قانون مفاده "قواعد اللاقواعد" أمام موظفيه، صغاراً كانوا أم كباراً، فأزال الضوابط البيروقراطية التي تحكم أمور العطلات وضوابط السفر والنفقات، بل وعمل على إتاحة جميع أسرار الشركة تحت أيدي كبار موظفيه، حتى يتمكنوا من اتخاذ القرارات المصيرية بأنفسهم. وهو ما يوضحه بقوله: "اتخاذ القرارات المصيرية في الشركة متاح لمن أراد، ذلك لأننا بنينا نتفليكس على ثقافة "الفريق" أكثر من ثقافة "العائلة".

 رابح كورونا الوحيد في حوار أجرته صحيفة "هت لاتسته نيوز" البلجيكية مؤخرا مع ريد هاستينغز، احتفاء بصدور الترجمة الهولندية لكتابه الجديد، وفي رده على ملاحظة المحرر التي قال فيها: "يبدو أنك كنت الرابح الوحيد من إغلاق كورونا، ففي حين خسرت الكثير من الشركات أموالها، تضاعفت أرباح نتفليكس خلال أشهر قليلة". ضحك ريد هاستينغز قائلاً: "فعلاً، على الرغم من أننا لم نصنع أقنعة الفم ولم نكن Zoom، ومع ذلك فإن وباء كورونا لم يضر نتفليكس، بل استقبلنا هذا العام ما يقرب من 26 مليون مشترك جديد، ليصبح إجمالي المشتركين لدينا 193 مليون متابع مخلص في حوالي 190 دولة مختلفة". وأضاف قائلاً: "بدأنا بإرسال أقراص DVD عبر البريد، وحققنا نجاحاً غير مسبوق في الولايات الأميركية، ثم كان علينا التحول إلى منصة للبث، وبدون تردد فعلناها، لقد نجحنا لأننا تمكنا من الصمود في وجه كل هذه الاضطرابات والتغييرات بفضل ثقافة شركتنا، كانت لدى الشركات الأخرى قواعد صارمة وعمليات معقدة، ما منعها من الاستجابة بسرعة كافية للتغييرات".