خوان خوسيه ثيبا.. شجرة البكاء الصلب

خوان خوسيه ثيبا.. شجرة البكاء الصلب

07 ابريل 2021
الصورة
بورتريه لـ خوان خوسيه ثيبا، زيت على قماش، (أندريا غارثيا إيبانيث)
+ الخط -

يلمسنا الضوءُ جميعاً ليذكّرنا بشيء جوهريّ، بشيء أهمّ وأعمق من كوننا مجرَّد كائنات حيَّة ضمن شبكة التفاصيل الحياتيَّة المعقَّدة والدَّقيقة التي تُحاصِرنا. التماهي مع الضوء رحيلٌ وهجرة، فهو يتطلَّب منَّا ترك صورتنا، الأنا الخاصّة بنا، وهذا سفرٌ يحتِّم علينا التحلّي بقوّة وإرادة من أجل التغلُّب على ألم الوجود في عالَم خاضع للروابط العاطفيَّة والماديَّة. غير أنَّ هذا بدوره يقتضي منَّا حالات جسديَّة ونفسيَّة غير مستقرَّة على طريق التحوّل المليء بالإثارة الموجَّهة، في نهاية المطاف، نحو المتعة النهائيَّة للاندماج الكامل مع الضوء.

في جسد الضوء، يلتقي الحبيبان، في البذرة والثمرة. ومن أجل هذا اللقاء لا بدَّ من نسيان الظرفيِّ والمكانيِّ. وفي هذه العناصر الأساسيَّة (الكلمة، الضوء، الرمل والماء) يتشكَّل الحبُّ ويأخذ شكله في صحراء لا تسامح. هنا تحديداً تكتمل القصيدة التي تستحضر الموت ولكنها تبني الذاكرة، هنا تحديداً يعيد الجسد علاقته مع العدم ومع الخسارة.

باختصار، هذه هي ملامح القصيدة التي يكتبها الشاعر خوان خوسيه ثيبا: الإيقاع الصحيح، الكلمة الدقيقة والواضحة، والمفهوم العميق الذي تتردّد فيه الصوفية وتتراقص الروح الأندلسية.

ما أنا غير هذا الضوءِ الشَّاردِ نحوَ الجبلِ الضَّائع؟

خوان خوسيه ثيبا Juan José Ceba شاعر وكاتب إسباني من مواليد ألمرية عام 1951، عمل مدرّساً في كلٍّ من برشلونة وألمرية. وهو أيضاً رسّام وناشط كبير في الحياة الثقافية لمدينة ألمرية. تخصَّص في أعمال لوركا ودرس علاقته مع مدينة ألمرية. على مدى عقود نشر العديد من المؤلّفات الشعرية، نذكر منها: "كثبان" (1991)؛ "كن في الضوء" (2017) الذي اخترنا منه هذه القصائد، وهي أول ترجمة من شعره إلى العربية.


1

أذوبُ في الضوءِ، أنحلُّ
أشربُهُ بعينيَّ،
وأثملُ مُنتشياً من زحفِهِ،
من جسدِهِ النَّقي الذي
يؤكِّدُ،
يخطفُ ويقرِّب
عُريَ الجسدِ الدَّافِئ.
وحينَ يسقطُ في الهاوية،
عارياً،
نابضاً بالحياة،
كجذرٍ أساسيٍّ تحتَ قبَّةِ السَّماء،
كمادَّةٍ قويَّةٍ مصنوعةٍ من شمسٍ حيَّة
أحنو إليه مَجذوباً للجوهر،
لجمالٍ عميقٍ يكشفُه ويرحل.
وسأرحلُ في هذا اللَّهب،
في مُعجمِ ريشِهِ المُلتهب،
سأموتُ في هذا الكشفِ الأبيض.
ما أنا غير هذا الضوءِ الشَّاردِ
نحوَ الجبلِ الضَّائع؟
ما أنا غير هذه الطَّاقةِ الكامنةِ
في سريرِ النبضِ الأوَّل؟
ما أنا غير هذا الضوءِ،
قشرة أو رماح،
تُوقِظُ العالمَ ليُغنِّي؟
هكذا أندمجُ بالضَّوءِ
وأخرجُ -
أرى نفسي أغنيةً تَجُولُ
في أفواهٍ تشربُ الدِّفءَ
وإيقاعَ الأرضِ
وكلَّ ما عليها من صغيرٍ وجميل.
هكذا أبدأ-
أغنِّي،
ومُحترقاً في فجرٍ جديد،
أكونُ.


2

أدخلُ معَ الفجرِ
من بابِ حُلْمِكِ في الرَّمل،
من بابِ الذَّاكِرة
حيثُ تتخاصمُ أمواجُ البحرِ
على شواطِئِه المُدوّية.
وأجدُكِ هناك تنتظرينَ
صامتةً وعارية،
صوتاً قادماً من بعيدٍ،
منَ العُمقِ،
صوتاً نقيّاً كانَ مُختنِقاً،
صوتاً آفلاً
لكنَّه الآنَ عادَ ينبضُ
ورداً منْ ماءٍ
وجنَّاتٍ جديدة.


3

من أجلكِ
أحببْتُ كلَّ ما تُحبِّين:
بهجةَ الصباحِ وهي تنمُو في المرايا.
أيُّها الحُبُّ:
غيِّرِ الرُّوحَ
الَّتي تذهبُ معَ الضَّوءِ
كطائرٍ يلهَث.


4

اِنزلْ نحوَ الأسفلِ
إلى القاعِ،
ضَعْ بلسَماً
على جمرِ قلبِك.
ليس الرَّمادُ إلَّا بعثَك.


5

عطرُ الفجرِ يفوح،
ينتشر،
يعلنُ أنَّ 
زمنَ الموتِ لم يحنْ بعدُ.
وفيما تتراقصُ
أوراقُ زهورٍ مُخمليَّة،
ينبثقُ من جرحِ الصَّباحِ
السَّاطعِ
لونُ الدّمِ القاتم.


6

حينما تغيبينَ
تتركينَ لي فَراغاً شبيهاً بالموت،
تتركينَ لي مَوتاً
لا أرضَ له يستقرُّ عليها،
لا أرضَ أنّى ترتاحُ روحي الشريدة.
ليس هذا الفراغُ
إلَّا صوتَكِ الهَارب،
كلماتِكِ،
وتُفَّاحةً مثلَ الجمر.
معَ ذلك لا أسكن،
وأرحلُ بحثاً عن الجرفِ والزَّبَد
وعن عُشِّ طيورِكِ البِيض
الَّتي تُخاطبُني داخلَ هذا اللَّهب.
اغمريني، خُذيني إليكِ،
املئيني بأبجديَّتِكِ،
وأسُريني بصوتِكِ الطيِّب.
لا أعيشُ فيَّ،
لا أسكنُ
أغتربُ إن كنتِ غائبة.
لقد تخلَّتِ الأجسادُ المُتعانقةُ
عن السريرِ الأبيض -
حيثُ الضَّوءُ يلجأ كلبوةٍ مَحظوظة -
والفعلُ،
الَّذي كانَ بالأمسِ شمساً،
ذهباً وزجاجاً مُنصهِراً
يصفُ الوردةَ المُعلَّقةَ
على الشِّفاهِ الحزينة،
صارَ فيضُه بعدَ الفراقِ
مَجرىً من رمادٍ غزير. 


7

أريدُ أنْ أصعدَ،
أنْ أرتفعَ كصوتٍ حرٍّ
أريدُ أنْ أخرجَ منِّي
أنْ أهربَ من هذا القيدِ
فأنا الَّذي وُلدتُ كالطيرِ
وحيداً،
وجئتُ كي أطيرَ،
وأطيرَ،
كروحٍ صافيةٍ،
مُتماهياً معَ المطرِ
السَّاقطِ في الليل. 


8

صرختُ اسمَكِ،
يا شجرةَ البُكاءِ الصّلبِ
وتشجَّرْتُ حولَكِ
صفصافةً.

آداب وفنون
التحديثات الحية

المساهمون