فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (10)

فرصة سعيدة شبه ضائعة اسمها سعيد صالح (10)

17 أكتوبر 2021
+ الخط -

بالإضافة إلى تجربة احتجاز سريعة في قسم شرطة، تعرض سعيد صالح للسجن مرتين، خرج من الأولى ملحناً دون دراسة للموسيقى أو معرفة بقواعدها، وخرج من الثانية متديناً دون مغالاة أو تشدد. لم تستمر "الحبسة" الأولى أكثر من سبعة عشر يوماً قضاها في سجن الحَضَرة بالإسكندرية، لكنها كانت كافية لكي تفجر فيه الرغبة في التلحين، وقبل أن يكتشف قصائد فؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم وصلاح جاهين التي قام بتلحين وغناء العشرات منها خلال السنوات التالية، بدأ سعيد صالح بكتابة وتلحين أغنية على قدّه تقول كلماتها: "يا دي الأيام الجميلة.. يا دي الأيام الطويلة.. يا دي الأيام العليلة.. يا دي ويا دي ويا سلو بلادي.. أمانة يا وادي ما تاكلش ولادي"، لكن من استمعوا إلى تلك الأغنية من زملاء السجن وأبدوا استحسانهم لنجمهم المفضل إما عن اقتناع أو عن مجاملة، لم يكونوا يتصورون أنه سيأخذ موضوع التلحين بجدية أكثر من اللازم.

بعد أن خرج سعيد صالح من حبسته القصيرة وسط حالة تعاطف فني وشعبي جارفة، واستأنف جلساته وسهراته، تصور زملاؤه وأصدقاؤه المقربون أن موضوع التلحين الذي لا يكف عن إثارته لعبة جديدة ستروح لحالها قريباً، ولم يتصوروا أنها ستصبح بالفعل "لعبة كل يوم" طبقاً لاسم مسرحيته التي دخل سعيد السجن بسببها، وفوجئ بعد خروجه أن منتجها سمير خفاجي ليس متحمساً لإعادة افتتاحها، ليس لتشاؤمه من تسببها في سجن سعيد، بل لأنه لم يكن متحمساً لعرضها منذ البداية، لأسباب قالها بعد ذلك بسنوات طويلة لكاتب مذكراته محمد أبو داود: "لم تحقق لعبة كل يوم النجاح المأمول والحقيقة أن هذا خطأي لأن المؤلف ناجي جورج اشتراكي شيوعي فكيف يقدم عرضا للرأسمالية"، وكان ما قاله سمير خفاجي إشارة متأخرة إلى حديث ساد الوسط الفني في مطلع الثمانينات عن تأثر سعيد صالح بمجموعة من الكتاب والفنانين المنتمين إلى اليسار أو القريبين من أفكاره، لكن الوسط الفني كان يستسهل تسميتهم بـ "الشيوعيين"، وكان بعض أصدقاء سعيد صالح يرون أن هؤلاء سيخربون بيت سعيد صالح مثلما خربوا بيت سعاد حسني وأقنعوها بأفلام المهرجانات، حتى أن الصحفي الفني المخضرم عبد النور خليل قام بكتابة كتاب شديد التفاهة بعنوان (المثقفون الذين أفسدوا سعاد حسني)، ولذلك لم يكن غريباً أن تفشل كل محاولات التعاون بين سعيد صالح والمنتج سمير خفاجي الذي لم يعمل سعيد مع غيره منذ أن انضم إلى فرقة الفنانين المتحدين في النصف الثاني من الستينات.

لم يستجب سعيد صالح للعروض التي جاءته من بعض المنتجين الذين وصلتهم أنباء خلافاته مع سمير خفاجي، ولم يجد عروضهم مرضية لطموحه الفني الراغب في عمل مسرح كوميدي سياسي يعتمد على الأغاني التي سيلحنها، وقرر ألا يسارع بالالتحاق بأي مسرحية متاحة للحاق بموسم صيف 1984 أو الموسم الشتوي الذي يليه، لتنشر الصحف في سبتمبر 1984 أخباراً عن مغامرة فنية جريئة وغير مسبوقة قرر سعيد صالح أن يخوضها حيث قام بإنشاء فرقة مسرحية أطلق عليها اسم (فرقة مصر المسرحية)، ثم أعلن أنه اشترى سيارة نقل كبيرة طولها 12 متراً، وأضاف على الطول والعرض عدة أمتار مصنعة من الخشب لتصبح مسرحا متنقلا يقدم عليها عروضه الكوميدية والغنائية في المحافظات المختلفة، وأنه اختار مجموعة كبيرة من أشعار صلاح جاهين وبيرم التونسي ليلحنها وسيغنيها بصوته مع فرقته الجديدة.

اكتشف سعيد صالح أن موضوع اللف على القرى والنجوع بسيارته المسرحية ليس سهلاً كما كان عليه الحال في الثلاثينات والأربعينات، لذلك تأخر تحقيق حلمه بالسير على خطى علي الكسار ونجيب الريحاني وزكي طليمات وجورج أبيض وسيد درويش الذين قام بتعليق صورهم إلى جوار صورة رجل الأعمال طلعت حرب في أروقة مسرح الزمالك الذي قام سعيد صالح باستئجاره ليقدم عليه في الموسم الشتوي لعام 1985 مسرحية (كعبلون) مع سمية الألفي وإبراهيم عبد الرازق وعبد الحفيظ التطاوي وسعيد طرابيك وعهدي صادق وأحمد عقل وعلي الشريف، من إخراج المخرج المخضرم حسن عبد السلام وتأليف صديقه السكندري محمد شرشر في أول تجاربه في الكتابة المسرحية، والذي قام بعمل "مسرحة" للكثير من الحواديت والخواطر والأفكار التي كتبها سعيد خلال ليالي السجن، كما قام سعيد بتلحين وغناء عدد من أغاني بيرم التونسي وفؤاد حداد وأحمد فؤاد نجم، وكان من أشهر تلك الأغاني أغنية "أنا اتلهيت وخِدِل زندي" لبيرم التونسي التي قام محمد محيي بإعادة غنائها بكلمات جديدة وبنفس لحن سعيد صالح، وأغنية "ممنوع من السفر" التي سبق للشيخ إمام أن قام بتلحينها.

لم يطل الوقت حتى اكتشف سعيد صالح أن موضوع الإنتاج لم يكن بالسهولة التي يظنها، صحيح أنه حقق حلمه بألا يتحكم أحد فيما يقدمه، لكنه اكتشف أنه مطالب يومياً بدفع أجور تصل إلى 4 آلاف و500 جنيه لزملائه من الممثلين والفنيين والعمال وأفراد الفرقة الموسيقية، لدرجة أنه أنفق حتى مطلع 1986 ما يقرب من نصف مليون جنيه، وهو رقم كان يقوله في كل الحوارات التي تسأله عن سر عمله بغزارة في السينما واضطراره لقبول أدوار لا تتوافق مع مشواره وموهبته، فكان يقول إنه يعمل في السينما بكثرة لكي ينفق على المسرح، ومن هنا بدأت علاقته بأفلام المقاولات تتوثق، وبدأت أيضاً علاقته بالمرض، حيث أصابه التوتر بأزمات صحية، وبدأ يعيش على الطعام المسلوق لفترات طويلة، ومع ذلك لم تتوقف آلام المعدة الحادة التي كانت تهاجمه بانتظام، لدرجة أنه كان يصعد على المسرح كل ليلة بعد أن يأخذ حقنة مهدئة.

استغل سعيد صالح القالب التراثي الذي قدمت فيه المسرحية لكي يشطح براحته سياسياً، لكنه لم يصطدم بالرقابة على المصنفات الفنية التي كانت قد بدأت منذ منتصف الثمانينات مناخاً من الانفتاح لمعت في ظله تجربة لينين الرملي ومحمد صبحي المسرحية، إلا أن "الثوب الجديد" الذي ارتداه سعيد صالح لم يرُق لجمهوره القديم ولذلك لم تحقق المسرحية نجاحها المتوقع، وأغلقت أبوابها بعد نهاية موسم صيف 1986، بعد أن تعرض سعيد فيها لعدة صدمات منها وفاة صديقه إبراهيم عبد الرازق قبل ساعات من أحد ليالي العرض، واحتراق المسرح بمعداته وديكوره خلال أحداث الشغب التي رافقت مظاهرات الأمن المركزي في فبراير 1986، ومع أن عدداً من المنتجين أبهجهم تعثر المنتج سعيد صالح، وقاموا بإغرائه لكي يعود من جديد للعب دور الممثل الكوميدي فقط، إلا أن سعيد الشهير بين أصدقائه بلقب "أبو عِند"، قرر إعادة التجربة من جديد مع مؤلفه المفضل محمد شرشر وقام بتقديم مسرحية (نحن نشكر الظروف) من إخراج سمير العصفوري وبطولة سعيد مع سحر رامي وعبد الحفيظ التطاوي ورجاء حسين التي حلت محلها سعاد نصر، لتحقق نجاحاً متعثراً في عام 1987.

وحين فقد سعيد صالح قدرته على الاحتفاظ بمسرح الزمالك بسبب ارتفاع قيمة إيجاره، سافر في عام 1988 لعرض مسرحيته للعرب المهاجرين في الولايات المتحدة، وفي صيف 1988 نشرت الصحف إعلانات عن عرض المسرحية من جديد "بعد غيبة سبع سنوات عن جمهور الإسكندرية الحبيب وبعد جولة بالولايات المتحدة الأمريكية"، وبرغم أن سعيد صالح وصل في جرأته إلى حدود السخرية من حسني مبارك بعبارة "واحد أكّلنا المشّ والتاني علمنا الغشّ والتالت لا بيهشّ ولا بينشّ"، إلا أن يد السلطة لم تمتد لمعاقبته كما حدث من قبل، لأن مبارك كان قد بدأ مبكراً تطبيق مبدأ "خليهم يتسلّوا" الذي لم يعلن عنه صراحة إلا قبيل ثورة يناير، ولذلك بدت جرأة سعيد صالح باهتة في ظل ما كانت تنشره صحف المعارضة كل يوم، ولم تساعده خلطته السياسية الغنائية الكوميدية على البقاء كمنتج مسرحي ليعلن في العام التالي مباشرة عن هزيمته وعودته إلى صفوف زملائه في المسرح الذي كان يصفه بالتجاري أحياناً وبالتقليدي أحياناً أخرى.

...

نكمل غداً بإذن الله.