لكيلا تنسانا الكتب!

لكيلا تنسانا الكتب!

29 ديسمبر 2021
+ الخط -

الذين يملكون مكتبات تفيض أرففها بالكتب سيعني لهم هذا الكلام كثيراً، حتى لو لم يكن عدد أرفف مكتبتهم كبيراً.

بين المكتبات وأصحابها جدل حاد برغم صمته، مرير برغم حرارته، يوماً ما ستقف أمام ما دفعت فيه دم قلبك من كتب لتسأل نفسك: هل سيأتي اليوم الذي تنهي فيه قراءة كل هذه الكتب؟ قبل أن تجيب ستباغتك نفسك بسؤال ألعن وأضل: "هل تتذكر أساساً ما قرأته من كتب لكي يشغلك همّ ما لم تقرأه؟".

سؤال مُضنٍ ممضّ مرير موجع، كنت أظن أنني وحدي الذي أعاني من وطأته، معتقداً أنني دون غيري أحمل ذاكرة رديئة التجميع لا تنشط إلا في النسيان، نسيان الكتب التي لم أرد يوماً أن أنساها. ثم كان الله رحيماً بي فأرسل إليّ من يشاركني همي: الكاتب الألماني العظيم باتريك زوسكيند الذي طبطب على ذاكرتي وقال لي بالألمانية المترجمة إلى الفصحى: "لست وحدك".

الحكاية كلها بدأت بفضل ناشر مخادع أو حسن النية ربما، قرر أن يصدر لزوسكيند كتاباً جديداً مترجماً إلى العربية اختار له عنوان (ثلاث حكايات وملاحظة تأملية)، ولأنني "لا أسطيع" مع زوسكيند صبراً، بدأت في قراءة كتابه فور خروجي من المكتبة. الحكاية الأولى في الكتاب لم تكن غريبة علي، قرأتها يا رب، لكن أين ومتى، لا أتذكر، الحكاية الثانية كذلك، والثالثة شرحه، هل أعيش تجربة يتهيأ لي فيها أنني أعيش ما سبق لي أن عشته، لست بحاجة إلى مزيد من الاضطراب، فزعت نحو كتابين أمتلكهما للرجل، ترجمهما عمنا الكبير القدير طلعت الشايب، لأجد القصص الثلاث مترجمة بشكل أفضل ولكن بعناوين أخرى، أراحني ذلك قليلاً، حتى داهمني من جديد همّ نسيان الكتب في هذه السن التي تبدو مبكرة، لكن ربما لأنني أثق يقيناً في أن الله ما خلق من داء إلا وله دواء، وجدت دوائي في الفصل الأخير من كتاب زوسكيند الذي ترجمه كاميران حوج والذي حمل ملاحظة تأملية بعنوان "فقدان الذاكرة الأدبية"، كتبها زوسكيند بعد أن سألوه يوماً ما عن الكتاب الذي أثر فيه وحدد خط حياته وأخرجه من مساره.

بأسلوب رائع وساخر يبدأ زوسكيند في استعراض السؤال بطريقة توحي وجود فجوات في ذاكرته منذ البداية، فيبدأ مقاله بعبارة هي "ماذا كان السؤال؟"، ثم يفترض فوراً أن السؤال لا يتعلق بتجربة القراءة العصابية المحبطة، بل يدور حول قراءة التجارب الفنية التي تهزّ البدن، يحاول بعدها تذكر بيت ورد في قصيدة شهيرة نسي اسمها، وأخذ في محاولة تذكرها وتذكر من قالها، ثم يعترف بأنه لم يعد يتذكر من القصيدة سوى السطر الأخير المحفور في ذاكرته كإملاء معنوي لا تمحوه الأيام، سطر يقول: "عليك تغيير حياتك".

الحكاية كلها بدأت بفضل ناشر مخادع أو حسن النية ربما، قرر أن يصدر لزوسكيند كتاباً جديداً مترجماً إلى العربية

يروي زوسكيند كيف قرر أن يجد إجابة للسؤال الذي تلقاه بالتقدم إلى مكتبته لينقّل نظراته على ظهرها، وتتوه عينه في كثرتها، شعر بالدوخة فمد يده على غير هدى إلى رفوف المكتبة، وأخذ كتاباً بشكل عشوائي ليفتحه ويشغل نفسه بقراءته، على الفور لاحظ أن اختياره كان عالي التوفيق، لأنه اختار كتاباً مليئاً بأجمل المفاجآت به أفكار جلية ومعلومات غير معروفة حتى الآن، تحول إلى كتلة من الجشع المركز على النفيس الجديد الذي يكتشفه في الكتاب، لم تزعجه الخطوط تحت السطور أو إشارات التعجب التي تملأ الكتاب، مع أنه يمقت وجود هذه الآثار في الكتب، يلاحظ أن القارئ السابق للكتاب وضع خطوطه وملاحظاته في المواضع نفسها التي أثارت اهتمام زوسكيند نفسه، يتابع القراءة مستمتعاً ومندهشاً من الطريق الرائع الذي يقوده إليه الكاتب، حتى يصل إلى مكان يكون قمة في التألق ينتزع منه صيحة إعجاب، يغمض عينه لحظة ليتأمل ما قرأه، ثم تمتد يده إلى القلم الرصاص، مقرراً أن يضع خطاً تحت ما قرأه ويكتب على طرف الصفحة "جيد جداً"، ويدوّن بعض الملاحظات على ما قرأه، عندما ينزل بقلم الرصاص على الصفحة ليشخبط كلمة "جيد جداً"، يفاجأ بأنها موجودة فعلاً، وأن القارئ السابق كتب خلاصة النقاط الرئيسية التي يود تدوينها وكتبها بخط يد يعرفه جيداً، هو خط زوسكيند نفسه، وأن القارئ السابق ليس إلا هو، وأنه كان قد قرأ الكتاب منذ زمن بعيد.

عندها يصف زوسكيند مشاعره قائلاً في كتابة بديعة يصعب أن تنساها، أو هكذا سيُخيّل لك وقت أن تقرأها: "هنا أشعر بانقباض مجهول، لقد استولى عليّ المرض القديم من جديد، فقدان الذاكرة الأدبية، الفقدان الكلي، وتغمرني موجة من الاستسلام للقدر لأتساءل عن جدوى كل السعي إلى المعرفة، السعي عموماً، لماذا نقرأ إذن؟ لماذا أقرأ مثلاً هذا الكتاب من جديد، إذا كنت أعرف أني لن أتذكر منه أي شيء على الإطلاق بعد قليل؟ لماذا أفعل شيئاً على الإطلاق، إذا كان كل شيء سيضيع؟ لماذا أعيش إذا كنت سأموت؟ أغلق الكتاب الجميل، أنهض وأتوجه إلى رفوف المكتبة كالمنهار، كالمعذب، وأدسّ الكتاب بين صفوف المجلدات الأخرة المجهولة، الشاملة والمنسية.

يبقى نظري معلقاً على حافة الرف. ماذا أرى هنا؟ آها، نعم، نعم، 3 كتب عن سيرة حياة ألكسندر الكبير، لقد قرأتها كلها ذات مرة، وماذا أعرف عن ألكسندر الكبير، لا شيء. على طرف الرف أرى ثلاث موسوعات عن حرب الثلاثين عاماً... قرأتها كلها برضاً، وماذا أعرف عن حرب الثلاثين عاماً؟، لا شيء، صف الرفوف تحته مملوء من أوله إلى آخره بكتب عن لودفيغ الثاني، لم أكتف فقط بقراءتها، بل فلحت فيها فلاحة أكثر من عام وكتبت عنها 3 سيناريوهات، كنت تقريباً خبيراً في لودفيغ الثاني، ما الذي أعرفه الآن عن لودفيغ الثاني وعهده؟ لا شيء، لا شيء على الإطلاق، أواسي النفس، حسناً، قد يمكن تحمّل فقدان الذاكرة الكلي في ما يتعلق بلودفيغ الثاني، لكن ماذا بشأن تلك الكتب هناك، جانب المكتب، في أجمل الأقسام، القسم الأدبي، ما الذي بقي من تلك الـ 15 مجلداً لأندريشكاسيتي؟ لا شيء، ماذا بقي من هاينريش بول، فالزر، كوبن، لا شيء. من مجلدات هاندكه العشرة، أقل من لا شيء... هنا كوميديا شكسبير، قرأتها كلها العام الفائت، لا بد أن شيئاً منها علق في الذاكرة، معلومة ثانوية؟ عنوان واحد؟ لا شيء.

لكن بحق السماء، على الأقل غوته، مثلاً هناك هذا المجلد الأبيض "الألفة الاختيارية"، قرأته ثلاث مرات على الأقل، وليس لدي أي علم عنه، كأنما ذهب مع الريح، ألا يوجد كتاب واحد في العالم أستطيع تذكره؟ هذان المجلدان الأحمران هناك، إنهما يبدوان لي معروفين جداً، كقطع أثاث قديم، لقد قرأتهما، عشت في هذين المجلدين أسابيع طويلة، ليس منذ زمن بعيد جداً، ما هذا؟ ما كان اسمه؟ "الشياطين"، آه، مهم. والمؤلف؟ ف.م. دستويفسكي، آه، نعم. يبدو لي أن عندي ذكرى غامضة عنه، تجري الأحداث في القرن التاسع عشر وفي المجلد الثاني يطلق أحدهم النار على نفسه من مسدس. ليس لدي المزيد لأقوله عنه.

لا أتمكن منذ زمن بعيد من فتح فمي أثناء النقاشات الأدبية دون أن يسود وجهي بأن أخلط بين بيكيت مع جويس، بودلير مع شوبان، جورج صاند مع مدام دي ستايل وهكذا

... أجلس على كرسي مكتبي. عار. فضيحة. أستطيع القراءة منذ ثلاثين عاماً وقرأت، إن لم يكن الكثير، إلا أني قرأت بعض الكتب وكل ما تبقى لي منها ذكرى ضعيفة جداً عن شخص ما يطلق النار على نفسه من مسدس في المجلد الثاني من رواية يبلغ عدد صفحاتها الألف. هل قرأت ثلاثين عاماً عبثاً؟ آلاف من ساعات طفولتي، شبابي وكهولتي أمضيتها في القراءة ولم أحتفظ منها إلا بنسيان شامل، ولو أن هذه الكارثة تضمحل، لا على العكس إنها تسوء، إذا قرأت اليوم كتاباً أنسى بدايته قبل أن أصل إلى نهايته. أحياناً لا تكفي قوة الذاكرة لمتابعة مطالعة صفحة واحدة، وهكذا تطلع روحي فقرة فقرة، جملة جملة، وقريباً سأصل إلى حد لا أفطن فيه بوعي إلا على الكلمات المفردة التي تتدفق من ظلام نص يزداد غرابة عليّ، تتوهج في لحظة القراءة كمذنبات لتهوي للحال في تيار نهر النسيان المعتم.

لا أتمكن منذ زمن بعيد من فتح فمي في أثناء النقاشات الأدبية دون أن يسود وجهي بأن أخلط بين بيكيت مع جويس، بودلير مع شوبان، جورج صاند مع مدام دي ستايل وهكذا، إذا أردت البحث عن جملة تخطر على بالي أقضي أياماً في البحث لأني نسيت اسم الكاتب ولأني أتوه في أثناء البحث في بحار نصوص لكتاب غريبين كل الغرابة، حتى أنسى بالنهاية ما الذي كنت أبحث عنه. كيف أسمح لنفسي في هكذا حالة نفسية مشتتة بالجواب على السؤال ما هو الكتاب الذي غير حياتي؟ ولا واحد منها، كلها؟ بعضها؟ لا أعرف.

لكن، ربما، أفكر هكذا لأواسي نفسي، ربما لم يكن أمر القراءة (كما مع الحياة) مع التغيرات الفجائية على كل هذا العمق، ربما كانت القراءة بالدرجة الأولى عملية تشرب، رغم أن الوعي يغرق فيها كلياً، إلا أنه يغرق بطريقة غير ملحوظة، بحيث لا تدرك العملية. إذن فالقارئ المصاب بفقدان الذاكرة الأدبية يتغير بفعل المطالعة بالتأكيد، لكنه لا يلاحظ، لأن الجهات المختصة بالنقد في دماغه تتغير أيضاً في أثناء القراءة وهي التي تستطيع أن تقول له إنه تغير أو لا، وبالنسبة إلى شخص يكتب، فقد يكون هذا المرض نعمة، بل وتقريباً شرطاً لا بد منه، يحفظه من الهيبة التي تصيبه بالشلل تجاه كل عمل أدبي عظيم، ويمنحه علاقة غير معقدة أبداً مع الانتحال الذي لا يمكن نشوء شيء حقيقي في الكتابة دونه.

أعرف، هذه مواساة ولّدتها الضرورة، مواساة نتنة ومشينة وأحاول التخلص من وصمة عارها، عليك ألا تستسلم لفقدان الذاكرة المهول هذا، عليك أن تصمد بكل قوة في وجه سيل نهر النسيان، عليك ألا تغرق كلياً في نص ما، بل عليك أن ترتفع فوقه بوعي واضح، ناقد، عليك أن تستخلص منه أفكاراً، أن تدون ما يذكرك به، أن تقوم بتدريب الذاكرة، وبكلمة، وهنا أقتبس من قصيدة مشهورة، سقط اسمها واسم مؤلفها من ذاكرتي في هذه اللحظة، لكن سطرها الأخير محفور في ذاكرتي كإملاء معنوي دائم لا تمحوه الأيام، جاء فيه "عليك أن.. عليك أن.. عليك... آه، مصيبة، الآن نسيت الكلمات، لكن ليس هذا موضوعنا، فمعناها حاضر لي فعلاً، كان معناها تقريباً عليك تغيير حياتك".

انتهى كلام زوسكيند البديع، بقي عليك الآن أن تنظر إلى أرفف مكتبتك بعين جسورة لا تخشى الفقد. فقد الذاكرة الأدبية. فحتماً سيردّ الله عليك ضالتك، فقط إذا قررت يوماً أن تغير حياتك.