هيكل وعكاشة والباز.. تصنيع الدكتاتور

هيكل وعكاشة والباز.. تصنيع الدكتاتور

22 يونيو 2017
الصورة

محمد حسنين هيكل وفاروق الباز وأحمد عكاشة

+ الخط -
يخطئ من يظن أن الدكتاتور صار قوياً. الأكثر قوة هي مصالح النخبة. وهذه هي المفاتيح السحرية التي يدقّ عليها الدكتاتور من بعيد مع أجهزته. مصالح النخبة هي مناطق ضعف هذه النخبة وكوارثها أيضا، وهي الطريق الملكي للجنرال إلى الجلوس على الرقاب والأكباد أيضا.
في أيامه الأخيرة، كان محمد حسنين هيكل مشغولا بشكلٍ مثير على مصير ابنه، وعلى وضع اسمه على قوائم المنتظرين، وظهر ذلك واضحا في التسريبات. فطنت السلطة لضعف رجل تعدّى التسعين، وعلى ابنه قضية شبه ثابتة الأدلة تتعلق بالتلاعب في أموال البورصة مع جمال وعلاء مبارك، وعلّ وجود هذين في القضية كان مصدرا رئيسيا من مصادر تماسكه إلى حد ما.
وعلى الرغم من كل سعار النخبة وخوفها من المجهول، مازال الدكتاتور غشيما، ويتعامل مع النخبة كما يتعامل "عرّيف الكتّاب" مع صغار الأطفال. تأملوا الصمت بجوار الدكتاتور وهو يتحدث، ورئيس مجلس الوزراء، وكأنه جالس يتلقّى "موعظة الجبل" في هيبة مفتعلة لزوم تمرير اللحظة أمام الكاميرات، كي يُضفي على الدكتاتور المشروعية والهيبة المفتقدتين. فجأة يضحك الدكتاتور بهستيرية على أمرٍ عارض، فتضجّ القاعة بضحكٍ محبوسٍ وتصفيق. فجأة يعود الدكتاتور إلى وقاره الأول، ويكتب في الأجندة (درره)، فتشرئبّ أعناق الصفوف الخلفية، لتلاحظ، ولو حتى طيفا شاردا من تلك الدرر. فجأة يوقف الدكتاتور الوزير أو المتحدث، ويبدأ هو "في نثر الدرر"، وفي توجيه المشاريع، فيعود التصفيق حارا.
كانت أجهزة مبارك، للأمانة، أكثر ذكاء وخفة من دكتاتور تحت التدريب، صعد إلى كرسي الرئاسة على ظهر دبابة، فصنع فصلا دراسيا أمنيا، سمّاه برلمانا، وصنع أحزابا لا تُدعى حتى إلى افتتاح ورشة نجارة في "بركة السبع أو دمياط"، وصنع صحافة يضيق ذرعا بها، ثم وضعها تحت عين مكرم محمد أحمد ورقابته، ونِعم الحارس الأمين. وأتى بمستشارٍ علمي، وهو دكتور أحمد عكاشة، لم يجد من علاجٍ للمصريين، في عيادته العامرة بالعقاقير، سوى الجوع، على الرغم من أن الراتب الشهري لابنه مليونا جنيه، فهل يكفي هذا الرقم المتواضع جدا لأكل قطط وكلاب النخبة المصرية التي تمثل الهيبة حول الدكتاتور في كل اجتماع؟
أما عن آخر حزم التصنيع التي بارك بها العالم، فاروق الباز، خطوات الدكتاتور، فقد خرجت بعد تنقيب وبحث في الطبقات الجيولوجية. وأراح العالم الجليل المصريين من البحث في أضابير الخرائط، وأراح بالطبع الدكتاتور والمجلس البلدي، ما جعل الدكتاتور سعيدا ومسرورا، فتناول طعام الإفطار واقفا (بالطبع) مع الولد عشم الله وأصدقائه في كمين، ثم تسلل بعد ذلك خلسة من دون أن يراه أحد، وتهجد قبل صلاة الفجر وحيدا في جامع الشعراني بملابس صاحب محل كنافة من باب الشعرية. وفي جنح الليل، عاد إلى مسكنه المتواضع في قصر الاتحادية، ولم ينس بالطبع أن يمر على التي تغش اللبن في حدائق القبة، كما فعل عمر بن الخطاب تماما.
الشيء الوحيد الذي نسيه الدكتاتور، هو أن يسأل العالم فاروق الباز وهو في قبة معامل ناسا: ما حال ابن أخيك باسل أسامة الباز، وما حال إمبراطورية بتروكيماوياته التي تكلّفت ثلاثة مليارات من الدولارات، وهل مازال باسل يسدد للبنوك التي أخذ منها مليارا ونصف المليار؟ وهل يسدّد في الأوقات المعلومة؟ بالطبع الدكتور فاروق، من فرط علمه وأبحاثه في جيولوجيا القارات السبع، لا يعرف شيئا عن موضوع بتروكيماويات باسل، ولا عن ديون البنوك، لأن الرجل كان في جزيرتي تيران وصنافير يحلّل التربة مع مجموعة عظيمة من العلماء، وكانوا يعيشون فقط على القواقع والأسماك وأعشاب البحر غير السامة، محبةً في العلم فقط، بعيدا عن غشم السياسة والأحزاب والمناكفات الصغيرة، فهو مع مجرّات الله الغائبة عنا، ولا وقت له كي يناكف جوعى مثلنا.