مهجّرو سيناء يعودون في رمضان

20 مايو 2019
الصورة
يعدّان الخبز (خالد دسوقي/ فرانس برس)
+ الخط -

عاد مئات المهجّرين المصريين من أبناء مدن محافظة شمال سيناء إليها مع بدء شهر رمضان، لقضاء أيامه الأولى برفقة عائلاتهم الممتدة، في أجواء اعتادوها طوال العقود الماضية، التي تأثرت نتيجة اضطرار الآلاف إلى ترك المحافظة، في ظل الأجواء الأمنية والاقتصادية التي تعيشها منذ الانقلاب العسكري صيف عام 2013، وما تبعه من أحداث دموية في إطار الصراع المستمرّ بين الأمن المصري وتنظيم ولاية سيناء الموالي لتنظيم داعش الإرهابي منذ ست سنوات، وما زال قائماً.

وفي أسواق مدينة العريش عاصمة محافظة شمال سيناء، كان المئات يتجولون برفقة أطفال ونسائهم الذين اضطروا إلى النزوح من سيناء خلال السنوات الماضية، ودفعهم الشوق لتفاصيل المدينة إلى التجوال في أسواقها ومحالّها التجارية، ما حرّك المياه الراكدة في أسواق المدينة، في ظل الظروف الاقتصادية التي يعشيها غالبية أبناء محافظة شمال سيناء نتيجة تأثّر أعمالهم التجارية في ظل العمليات العسكرية المستمرة منذ عام 2013، التي عطلت مختلف مناحي الحياة في سيناء.

في شارع 23 يوليو وسط مدينة العريش، التقت "العربي الجديد" المهندس يوسف أحمد الذي يعمل في شركة تجارية في مدينة الإسماعيلية، غرب قناة السويس. اليوم، يزور سيناء وهو الذي أقام فيها منذ ميلاده. يقول: "أشعر بأنني مجرد زائر يأتي إلى المدينة لأول مرة، بعدما حرمت من دخولها منذ أكثر من ثلاثة أعوام خوفاً على عملي، في ظل الإغلاق المتكرر للطريق الدولي المؤدي إلى مدينة العريش". كان يتجول برفقة أولاده الذين اشتروا ألعاباً وبعض الأطعمة من المحالّ والعربات المتجولة في شوارع المدينة، في أجواء رمضانية غابت عنهم في ظل بعدهم عن أجدادهم، الذين ما زالوا يقطنون في مدينة العريش ويرفضون الخروج منها، على الرغم من كل الظروف المحيطة بهم.



وما شجع المهجّرين على العودة إلى مدينة العريش خلال الأيام الماضية، تحسّن الوضع الأمني نسبياً خلال الأسابيع الماضية نتيجة تركز هجمات تنظيم ولاية سيناء في مدينتي رفح والشيخ زويد، بعد سنوات عاشت فيها العريش أوضاعاً أمنية متردية، من دون أن تكون القوات الأمنية قادرة على فرض سيطرتها. أمر دفع المئات من سكان العريش إلى تركها والتوجه إلى مدن خارج سيناء أو إلى مدينة بئر العبد الواقعة إلى الغرب من العريش، كما فعل آلاف سكان مدينتي رفح والشيخ زويد، إثر حملات الهدم والتجريف لمنازل المواطنين في كلا المدينتين منذ عام 2014.

وفي وقت يشعر يوسف وغيره من المهجّرين بالسعادة بعد عودتهم إلى سيناء، يتملكهم الحزن مجدداً لأنهم عائدون إلى المكان الذي نزحوا إليه، في انتظار عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل الانقلاب العسكري. ويقول يوسف: "نأمل أن يتحسن الوضع الأمني حتى نتمكن من الدخول والخروج من وإلى سيناء بسهولة، بدلاً من الإهانة والتعب الذي يلاقيه كل من يحاول ذلك في ظل الإجراءات الأمنية المعقدة على الطريق". ويشير إلى أن صعوبة الوصول إلى سيناء تحول دون عودة آلاف المهجرين حتى من أجل الزيارة، وخوفاً من الاعتقال أو التعرض للأذى بعد وصولهم.

أما مهجّرو مدينتي رفح والشيخ زويد، فاكتفوا بالاستمتاع بالأجواء الرمضانية في مدنهم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في ظل عدم قدرتهم على العودة إليها، نتيجة الظروف الأمنية المعقدة التي ما زالت تسود أجواء المدينتين على الرغم من أملهم أن تغيّر العملية العسكرية الشاملة الواقع السيئ الذي تعيشه المدينتان منذ سنوات طويلة. ونشر المهجرون صوراً تعكس أجواء رمضان قبل خروجهم من مدنهم، والإشارة إلى العادات والتقاليد التي اعتادوها خلال شهر رمضان، في وقت حرموا منها بفعل الأحداث الأمنية والعسكرية التي أثرت على كل مظاهر الحياة في المدينتين.

تجدر الإشارة إلى أنّ من أبرز مظاهر شهر رمضان في سيناء، إقامة صلاة التراويح في المناطق المفتوحة، والجلسات العائلية والقبلية في مجالس الدواوين التي تشتهر بها سيناء، والولائم التي تقام يومياً وذبح الخراف والجمال، إضافة إلى إعداد أكلة "القرصة" في ليالي رمضان، وزيارة العائلات بعضها بعضاً. إلّا أنّ الجيش المصري أزال كافة المساجد والدواوين والمجالس من مدينتي رفح والشيخ زويد بحجة محاربة الإرهاب، الذي ما زال يضرب بقوة في كافة مناطق سيناء.



وتعقيباً على ذلك، يقول إبراهيم المنيعي أحد أبرز مشايخ سيناء لـ "العربي الجديد": "الشوق سيطر على كافة المهجرين من سيناء، هم الذين يرغبون بالعودة إلى منازلهم وقراهم بعد طول غياب. إلا أنهم يصطدمون بالواقع الصعب الذي لا يمكن من خلاله العودة إلى حياتهم التي اعتادوها في ربوع سيناء، في ظل التغير الكبير الذي طرأ على المحافظة خلال السنوات الماضية، وهدم غالبية مناطق مدينة رفح، وتهجير معظم سكان مدينة الشيخ زويد وجنوب مدينة العريش، في سياق العمليات العسكرية للجيش المصري. وهذا فرض واقعاً جديداً يُجبر فيه المهجّرين على الابتعاد عن أرضهم حتى إشعار آخر".

يضيف المنيعي أن أبناء سيناء يرغبون في قضاء الشهر الكريم بين أهلهم وفي مسقط رأسهم، خصوصاً أولئك الذين اضطروا للنزوح للحفاظ على أعمالهم ودراستهم خارج سيناء، والذين نزحوا بسبب مضايقات الأمن المصري، عدا عن صعوبة الحصول على فرصة عمل في سيناء في ظل التضييق الاقتصادي الذي تعيشه منذ سنوات. ويدعو السلطات المصرية إلى ضرورة فتح الطريق أمام جميع المهجرين للعودة إلى قراهم، كخطوة أولى لحلّ المعضلة التي تسيطر على ملف سيناء.