مباني بيروت... بازار يسبق خطط إعادة الإعمار

14 اغسطس 2020
الصورة
مبان مهدمة في بيروت (حسين بيضون)

منذ وقوع الانفجار في مرفأ بيروت الذي أودى بحياة مئات الضحايا وآلاف الجرحى وعشرات المفقودين، تتوالى الأسئلة حول حجم الدمار والأضرار التي لحقت بالمباني السكنية والمؤسّسات والشركات، وسط غيابٍ شبه تام للدولة اللبنانية، واقتصار التدخل العاجل لرفع الركام والأنقاض على المبادرات الفردية والمتطوّعين. يضاف إلى ما سبق بروز جهاتٍ تسعى إلى شراء المنازل والعقارات المتضرّرة بأبخس الأسعار والمتاجرة في الحديد والزجاج والألمنيوم، وحتّى النفايات وبقايا الدمار.
وفي حين يصعب الوصول حاليّاً إلى التقديرات النهائية، غير أنّ التقرير الأولي للمسح الميداني، الصادر عن نقيب المهندسين بتاريخ 8 أغسطس/آب الجاري، كشف أضراراً جسيمة، طاولت 30 إلى 40 مبنى بات مهدّداً بالانهيار بعد تدمّره كليّاً، بالإضافة إلى تضرّر 800 إلى 900 منزل لم يعد صالحاً للسكن نتيجة انهيار كبير للجدران الهيكلية وأسقف المنازل. وخلص التقرير الأولي إلى أنّ إجمالي عدد المباني المتضررة يبلغ 39 إلى 40 ألف مبنى، وأنّ عدد المساكن المتأثرة قارب 200 ألف، وذلك وفق ما أكّد عضو مجلس المندوبين في نقابة المهندسين وأمين سر الفرع الأول عارف ياسين، مشدّداً على أنه "فقط تقرير أولي سريع غير مفصّل للأضرار، حيث إنّ كل الأبنية قابلة للترميم، خصوصاً الأبنية التراثية التي تحفظ ذاكرة المدينة والمكان، وقد تختلف فقط درجة التعقيد وقيمة التكاليف"، مشيراً إلى أنّ "النقابة باشرت بالمسح الشامل، وكذلك عدد من المجموعات بينها ائتلاف 17 أكتوبر/ تشرين الأول في النقابة (النقابة تنتفض)".
وكانت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) حذّرت في بيانها الأخير من أنّ "640 من الأبنية التراثية تضرّرت جرّاء الانفجار و60 منها معرضة لخطر الانهيار، وذلك وفق تقييم قام به مدير عام الآثار في وزارة الثقافة اللبنانية سركيس خوري، الذي كشف عن "تضرّر ما لا يقل عن ثمانية آلاف مبنى معظمها في أحياء الجميزة ومار مخايل". 
وأضاف البيان أنّ "الانفجار ألحق أضراراً بمتاحف عديدة كالمتحف الوطني ومتحف سرسق التاريخي والمتحف الأثري للجامعة الأميركية في بيروت والمواقع الثقافية والدينية وصالات العرض".


جنى العمر تبدّد بلحظات 
يتحسّر المواطن نويل صهيون على جنى عمره وتعب السنوات الذي خسره بانفجارٍ واحد، هو الذي اشترى منزله في منطقة المدوّر عام 2010 وعمل منذ عام 2012 على صيانته وتجديده، قبل أن يسكنه عام 2015 بعد أشهرٍ على زواجه. يقول لـ "العربي الجديد": "الأضرار كبيرة جداً، سواء لناحية الألمنيوم والأبواب والخشب ومختلف الأجهزة الإلكترونية. كل قرش وضعناه في المنزل أطاحوا به بلحظةٍ. كنّا نجهّز البيت بالتقسيط أو الادّخار، وكنّا نعمد إلى تأجيل شراء بعض الحاجات الضرورية، وتمكنت من تجهيز غرفة ابني الذي بلغ عامه الأول قبل فترة وجيزة، إلا أنها دمّرت بالكامل". 

يضيف أن منزله ما زال صالحاً للسكن كغيره من المنازل في المبنى، إلا أن مدخل المبنى تهدّم وسقف "المنوَر" سينهار في أيّ لحظة، بحسب تقرير المهندس الذي قام بعملية الكشف والمسح بشكل تطوّعي وفردي. ويسأل: "كيف لنا أن نرمّم منازلنا ونحن في أسوأ وضع اقتصادي؟ منزلي الذي كلّفني على سبيل المثال 40 أو 50 ألف دولار، سيكلّفني اليوم نحو 200 ألف دولار، أي ما يعادل 300 مليون ليرة لبنانية بحسب سعر الصرف الرسمي".
ويروي صهيون، الذي عرف وزوجته منذ يومين أنّهما سيُرزقان بمولودٍ جديد، كيف نجا وعائلته من الانفجار بالصدفة، بعد أن غيّروا طريق البيت وقرّروا شراء بعض الحاجيات قبل العودة إلى المنزل. ويسأل: "ماذا ننتظر بعد؟ أزمة مياه، كهرباء، فقر، نفايات، زحمة سير خانقة، كورونا، اقتصاد وغلاء معيشي وأزمة دولار؟ ضربونا اقتصاديّاً وصحيّاً وضربونا مؤخراً داخل منازلنا، شرّدونا وقضوا على تعب العمر. هل ننتظر الموت رويداً رويداً؟ هل نربّي أطفالنا على الطريق؟ هناك حزن على الذكريات، وما زالوا يسألوننا إن كنّا نفكّر بالهجرة".
يشير السبعيني غابي غلام، والذي كان ينوي إغلاق الباب قبل أن يقع الانفجار ويقذفه خارجاً، إلى أنّه أُصيب برأسه وقدميه وظهره، بعد أن انهار جزء من الدرج عليه. ويقول لـ "العربي الجديد" إنّ المبنى القديم الذي ورثه من والده في منطقة الرميل، ومن ضمنه البيت الذي وُلد وترعرع فيه وسكنه وزوجته وابنتاه، دمّر بالكامل وبات اليوم ضمن الأبنية المهدّدة بالانهيار، علماً أنّه كان يستفيد من بدل إيجارات البيوت". ويلفت إلى أن منزله يقع في الطبقة الأخيرة، "وقد أدّى الانفجار إلى هبوط الصالون وغرفة نوم ابنتي، ولم يعد في إمكاننا البقاء فيه. اليوم نعيش بين منزلي أخي وأختي. خرب الحكّام بيوتنا وهجّرونا".
ويقول: "بعد مطالبتنا وإلحاحنا عبر أحد معارفنا، أرسلوا إلينا مهندساً من بلدية بيروت، أفادنا بخطر انهيار المبنى بين لحظةٍ وأخرى. لكنّنا، ومنذ ذلك الحين، لم نعرف أي شيء عن الآليات والتعويضات. كما أنّ زوجتي هي من طلبت وضع شريطٍ أصفر لمنع دخول المبنى. واستقدمت ابنتي كذلك مجموعة مهندسين من أصدقائها أكّدوا خطر الصعود إلى البناية وخطر انهيارها".

 مبان مهدمة في بيروت (حسين بيضون)


 

لن يكون هناك "سوليدير" ثانية
يؤكّد محافظ مدينة بيروت مروان عبود، في حديث لـ "العربي الجديد"، على "أولويّة السلامة العامّة"، لافتاً إلى أنه "منعنا السكان من دخول المباني المهدّدة بالسقوط. كما نتابع من خلال شرطة بلدية بيروت إخلاءها ومنع الاقتراب منها منعاً باتاً، ووضعنا أشرطة وفواصل نظراً لخطورتها، وقد باتت خالية من السكان". يضيف: "منعنا كذلك هدم الأبنية حفاظاً على التراث، ونقوم بمسح الأبنية وتصنيفها وإحصاء الأضرار، وسنعتمد آلية محدّدة لأعمال الترميم". 
ويشير إلى أنّ "المسؤولية تقع علينا جميعاً كمحافظ وبلدية بيروت ونقابة المهندسين والجيش اللبناني والمديرية العامة للآثار ووزارة الأشغال العامّة والنقل والمديرية العامة للتنظيم المدني والهيئة العليا للإغاثة وغيرهم". يضيف: "نعمل يداً واحدة من أجل إعادة إحياء بيروت، ونتعاون ولأول مرة من دون أي تنافس أو اعتراض. وهناك جهات مانحة ومنظمات دولية ستساعدنا ولن يُترك الأهالي، كما أنّ منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) ستساعد في مجال الأبنية الأثرية والتراثية".
ويكشف عبود أنّ "نحو 600 مهندس متطوّع من نقابة المهندسين وبلدية بيروت والجمعيات والمبادرين بشكلٍ فردي ومن مختلف التخصصات، يواصلون العمل على إنجاز الدراسات الهندسية والتقارير الأولية بعد معاينة الأضرار الشاملة، وتلك المتعلقة بأساسات البناء والأرض، سعياً إلى تحديد مدى خطورتها لناحية احتمال انهيارها أو تزعزع أرضيّتها".

 مبان مهدمة في بيروت (حسين بيضون)

 

يتابع: "التدخل الرسمي اليوم دون المستوى في ظل غياب أي إدارة للكوارث. كان من الأجدى استباق الأزمات والكوارث بخطط منهجيّة، وقد لمسنا في الأيام الأولى لوقوع الانفجار ردّة فعل بطيئة وغياباً للدولة، كوننا كنّا نعيش حالة صدمة. فقد تضرّرت بلدية بيروت، ودمّرت آلياتنا ومكاتبنا، وبتنا أيضاً ضحايا الانفجار". 
وردّاً على سؤال حول ما يُحكى عن تلزيمات وسمسرات ومكاتب فنية، يجيب عبود: "لم تُلزّم أي جهة، ويُمثّل الناشطون على الأرض مكاتب هندسية متطوعة ومتبرّعة، ولن نسمح بتغيير الاستثمار في المنطقة، فلن يكون في إمكان أي أحد اشترى بيتاً تراثيّاً أن يبني مكانه أبراجاً وناطحات سحاب، ولن نسمح له بشراء مباني بيروت بأسعار زهيدة". 
وعن احتمال إنشاء "سوليدير" ثانية (شركة عقارية أنشأها مجلس الإنماء والإعمار بهدف إعادة إعمار وسط بيروت التجاري بعد انتهاء الحرب الأهلية. وقد كان لهذا المشروع العديد من الرافضين له بسبب اتهامه بالاعتداء على حقوق أصحاب العقارات الأصليين وتغيير الهوية الاجتماعية والثقافية لوسط مدينة بيروت)، يؤكّد أنّه "لن يتمّ هدم أيّ مبنى. قاعدتنا الأساسية والمقدّسة والذهبية إعادة الوضع إلى ما كان عليه، ولن أوافق على مشاريع مثل سوليدير".
كما يُحذّر أهالي العاصمة من "بيع بيوتهم وممتلكاتهم" قائلاً: "ستعودون إلى بيوتكم والدولة لن تترككم"، مشدّداً على أنّ "العمل جارٍ ليل نهار من أجل إعداد آلية لتسهيل عودة المتضرّرين إلى منازلهم، غير أنّ الوقت المستغرق للعودة يختلف وفق كل حالة، لكن على الأقل شهرين أو 3 أشهر للمتضرّرين بشكل خفيف، وليس أقل من سنة أو سنتين للمتضرّرين بشكل كبير".

 مبان مهدمة في بيروت (حسين بيضون)

 

لن يتمّ هدم أيّ مبنى
من جهته، يوضح نقيب المهندسين في بيروت ورئيس اتحاد المهندسين اللبنانيين، المعمار جاد تابت، أنّ "النقابة ما زالت في مرحلة المسح الميداني للأضرار، وسنمسح المنطقة بأكملها خلال أسبوعين أو ثلاثة أسابيع، كي يُصار إلى إرسال التقارير الفنية والتوصيات إلى بلدية بيروت، تماماً كما حصل بالنسبة لتقاريرنا الأولية". ويقول لـ "العربي الجديد": "مسؤوليتنا هي المسح أولاً ثمّ الترميم والتدعيم. إلا أن المحافظ والبلدية هما المعنيّان باتّخاذ القرارات وتحديد آليات الإخلاء ومنع المواطنين من دخول المباني المهدّدة بالانهيار، وأرسلنا المعطيات كافّة إلى المحافظ". ويذكّر بأنّ "كارثة هيروشيما تطلّبت سنوات عدة لإعادة الإعمار والترميم"، مضيفاً: "نريد المضي قدماً من أجل إعادة أهالي العاصمة إلى منازلهم بأسرع وقتٍ ممكن".
ويؤكّد المحافظ  أنه "اتّخذ قرار، بناءً على توصيتنا وتوصية مدير عام الآثار، بعدم هدم أيّ مبنى حتّى لو كان الضرر جسيماً، وبالمبادرة بشكلٍ مباشر إلى تدعيم المباني الآيلة للسقوط أو تلك المهدّدة بسقوط أجزاء منها لمنع انهيارها".
وكان تابت قد أطلق يوم الأربعاء الماضي عملية المسح الأولية المتعلقة بالسلامة العامّة للأبنية المتضرّرة. كما وضعت النقابة خطّاً ساخناً خاصّاً بسلامة هيكلة الأبنية المتضرّرة.

 مبان مهدمة في بيروت (حسين بيضون)

 

التدخل الرسمي دون المستوى
في المقابل، يؤكّد المعمار المتطوّع جاد نصرالله، أنّ "المفهوم السائد حاليّاً هو مفهوم خاطئ. ما زالوا يتحدثون عن إحصاء أضرار وتقارير، في حين يجب إجراء تقييم علمي شامل يحدّد مدى أهليّة البناء والأرضيّة والأساسات والجدران ومجمل الثغرات، ويمنع دخول الأهالي إلى المنازل المهدّدة بالانهيار، ويضع خطة علمية وتقنية لأعمال الترميم والهدم من خلال شركات متخصّصة، فالهدم مثلاً لا يكون باستقدام جرافة وحسب، وإلا سيتسبّب ذلك بأضرارٍ مختلفة".
يضيف لـ "العربي الجديد": "تقع المسؤولية على مختلف الجهات الرسمية من أجل التعاون واتّخاذ إجراءات عمليّة، إلا أنّنا لم نلحظ أي إجراءات. مع الأسف، نجد المواطنين والمتطوّعين بجانب المباني المهدّدة، كما أنّ العديد منهم يدخل هذه المنازل لأخذ ما تبقّى من مقتنياته الشخصية، في حين ينام البعض فيها، ما يعرّضهم للخطر"، مشدّداً على أنّه "كان يجب على الجهات المسؤولة إخلاء المباني المهدّدة بالسقوط والاستعانة بمتخصّصين لإفراغها من محتوياتها".
ويأسف نصرالله "لما نشهده اليوم من سمسرات وتجارة مخيفة وفوضى كبيرة، ومحاولات للاستفادة من كلّ شيء، بدءاً من بيع الحديد بالكيلوغرام، ودفع الرشاوى لإزالة الركام والنفايات، وشراء التجّار للزجاج وإعادة تدويره وبيعه بأسعار تحقّق لهم أرباحاً خيالية، عدا عن هويّة متعهّدي المشاريع الجديدة، ومساعٍ لشراء المنازل والعقارات بأسعارٍ زهيدة". يضيف: "هذه مجزرة مستمرة واستغلال لحاجات الناس، إذ لا يعرف الكثير منهم القيمة الفعلية لمنازلهم وأهليّتها للسكن أو قابليّتها للترميم، أو حتّى مدى استعداد الدولة لترميمها".
ويختم نصرالله قائلاً: "عملية المسح اليوم معيبة ودون المستوى، ويعتريها منطق الإهمال والفساد، وهو المنطق نفسه الذي أدّى إلى انفجار مرفأ بيروت"، محذّراً من أنّ "الارتجال الذي نشهده من خلال المبادرات الفردية، ولو أنّ النيّة صافية، سيؤدّي إلى مزيد من التخبّط وإلى نتائج كارثيّة في ظل غياب الدولة".

خطة إهمال ممنهجة
في هذا الإطار، يشدد المعمار المتطوّع رودولف حدّاد، والناشط ضمن ائتلاف "النقابة تنتفض"، على أنّ "مباني الباطون بغالبيّتها لم تتضرّر لناحية الإنشاءات والأساسات، وطاولت الأضرار الواجهات والمباني الرملية التقليدية القديمة، والتي تضرّرت أسقفها وطبقاتها الأخيرة بشكلٍ كبير، من بينها المباني الأثرية". ويشدّد في حديث لـ "العربي الجديد" على أنّ "الحديث عن 40 مبنى مهدّداً بالانهيار بين عشرات آلاف المباني، يُعدّ نسبة ضئيلة"، قائلاً: "من الممكن التدخّل بشكل موضعي لتدعيم وترميم غالبية هذه المباني ودراسة مدى صلابة الأرضيّة والأساسات". ويلفت إلى أن "الضرر المتعلّق بالانشاءات هو بمعدّل صفر تقريباً، ما يخيّب آمال الطامحين إلى جرف المباني وهدمها وبناء سوليدير ثانية"، متحدثاً عن "سمسرات ستشهدها السوق العقارية بين الملّاكين والأفراد والمجموعات، ما سيؤدي إلى نزاعات".
ويوضح حدّاد، الذي يتمتع بخبرة في ترميم المباني، أنّ "آلية الهدم تقع ضمن مسؤولية محافظ بيروت، وآلية الترميم ضمن مسؤولية مديرية الآثار، إلا أن مسؤولية إعادة إحياء بيروت تقع على عاتق الجميع. لكن في لبنان، وللأسف، عندما تتعدّد الأجهزة تتوقّف الأعمال والأشغال". يضيف أن "مستوى التعاطي الرسمي مع الكارثة مماثل للتعاطي مع مختلف الأزمات والكوارث، إذ تتّبع الدولة على الدوام خطة إهمال وليس سياسة إهمال، ما يعني أنّ مسألة الإهمال ليست عبثية بل مدروسة". ويسأل: "قبل الحديث عن إخلاء المواطنين المتضرّرين، فهل بادر المعنيّون في الدولة إلى حمل المكانس ورفع الدمار؟".