هذه الحالة النفسية للأطفال بعد صدمة انفجار مرفأ بيروت

07 اغسطس 2020
الصورة
أصرت على المشاركة في إزالة الركام (حسين بيضون)

لسنوات طويلة، سيتذكّر اللبنانيون أين كانوا وماذا كانوا يفعلون في يوم الرابع من أغسطس/آب 2020، بعد الظهر، لحظة اندلاع الانفجار المدوّي في مرفأ بيروت. يوسف، ابن السنة ونصف السنة، بكى لحظة حدوث الانفجار وغطّى أذنيه بيديه ثم عاد لينسى ما حدث كأن شيئا ما كان. لكن هذا ليس حال أخيه إبراهيم الذي يكبره بثلاث سنوات والذي لا يتوقف، منذ ليل الثلاثاء، عن رواية ما شاهده وما شعر به يومها. تقول والدتهما، سماح سيباني، إن ابنها البكر لم يبكِ في اللحظات الأولى التي تلت اندلاع الانفجار وتضرر منزلهم الكائن في منطقة السبيرز في بيروت. وتضيف: "في البداية كان لا يزال تحت هول الصدمة الكبيرة التي حلّت بنا". بعد ذلك، لم يتوقف إبراهيم عن ترداد تسلسل الأحداث من سماع دويّ الانفجار إلى تحطّم زجاج البيت، كشريط قديم يعيد النغمة نفسها باستمرار.
تقول المعالجة النفسية المختصة باللعب العلاجي لدى الأطفال، مهى غزالة، إن "تكرار الرواية نفسها للحادث هو أحد ردود الفعل الطبيعية لدى الأطفال الذين يختبرون صدمات نفسية من هذا النوع". تشرح أكثر: "تختلف ردود الفعل من طفل إلى آخر حيث يعمد بعضهم إلى التعاطي مع الحادث، وكأنه لم يحدث أبداً ما يدفع الأهل إلى الظن خطأً أن الحادث لم يكن له تأثير على ولدهم، فيما البعض الآخر يعيش حالة من القلق المفرط والتعلّق الزائد بوالديه، إضافة إلى الإكثار من الحديث عمّا جرى".

ينطبق كلام غزالة على ما يعيشه الطفل إبراهيم منذ اندلاع الانفجار ولغاية اليوم. تقول والدته إنّ ابنها البكر يرفض أن يبتعد ولو للحظات معدودة عن والديه. وتضيف: "يواظب إبراهيم على البكاء ومناداتي ووالده إذا ما استيقظ من النوم ولم يجدنا في السرير بجانبه، ولا يهدأ قبل أن نهرع إليه". الخوف الذي يستحوذ على الطفل البالغ من العمر أربع سنوات ونصف يرافقه في يوميّاته بالدقائق والساعات. تقول والدته إنّ الأصوات التي يسمعها ابنها جرّاء أعمال الترميم التي يشهدها مبناهم والمباني المجاورة تقلقه إلى حدّ بعيد. "هذا انفجار جديد؟"، يسألها مضطربا كلّما دقّ أحد الجيران مسماراً في الحائط أو نزع باباً مخلّعاً من الخشب كان لا يزال معلّقاً مكانه بعد الانفجار.
تعتبر غزالة أنّ ردود الفعل هذه طبيعية جدّاً شرط أن تنحسر بعد أسابيع قليلة من الحادث. وتضيف: "في حال استمرّت هذه الحالة لدى الطفل لفترة أطول، فذلك يعني أنّه عالق في لحظة الصدمة ويحتاج عندها إلى متابعة اختصاصي". 
الطفلة كارما البالغة من العمر سنتين، والتي كانت في منزل جدّيها لأمها في منطقة الجناح (جنوب بيروت) لحظة وقوع الانفجار تكرّر ما يفعله إبراهيم. تعيد الرواية نفسها كل ساعة أو ساعتين، وتحكي كيف تحطّم الزجاج وكيف كانت "كوكي" (قاصدةً نفسها) خائفة جداً في تلك اللحظة. يقول والدها مجد قانصو إنّ ابنته التي تنام عادة في غرفتها ترفض اليوم النوم إلا في حضن والديها وفي سريرهما، ليس خوفاً من البقاء وحدها فحسب، بل لأنها تشير إلى الزجاج الذي يعلو سريرها في غرفتها وتقول لوالدتها "شيلي هيدا"، طالبة منها نزع الزجاج من مكانه. 
التجربة نفسها تعيشها سيرين طبّارة مع ابنها علي البالغ من العمر أربع سنوات، والذي يرفض أن يفارق أمه لحظة واحدة خلال الليل أو النهار. تعلّق والدته: "كان ابني مستقلاً جداً نسبة لعمره، يدخل الحمام وحده، يلعب وحده، وينام وحده في غرفته. لكنه يرفض أن أبتعد عنه لثوانٍ معدودة منذ وقوع الانفجار".

في سياق آخر، تحكي غزالة عن العدد الكبير من الأهالي الذين تواصلوا معها، وعبّروا لها عن شعورهم بالذنب تجاه أطفالهم لأنهم لم يتمكنوا من تمالك أعصابهم أمام الأطفال لحظة وقوع الانفجار. تتحدث غزالة عن ضرورة ألا يتعامل الأهالي مع أنفسهم بقساوة وأن يعوا أنّهم كانوا، ولا يزالون، في ما يعرف بـ"وضعية النجاة". 
تشدد غزالة على أن ما شهده لبنان يوم الثلاثاء أمر غير طبيعي بتاتاً، وأنّ عبارة "قطوع ومرق" (موقف صعب ومضى في حاله) التي يلجأ إليها اللبنانيون بالعادة في ثقافتهم للتخفيف من هول المصائب التي تعصف بهم لا يمكن لها أن تنطبق هذه المرة على ما جرى. تضيف: "على اللبنانيين الراشدين أن يحزنوا وأن يواجهوا حزنهم بدلاً من أن يهرب كل منهم على طريقته. عليهم أن يبكوا أو أن يناموا أو أن يتحسّروا على ما حدث بهم". تختم: "إذا لم يساندوا أنفسهم هذه المرّة لن يتمكّنوا من مساندة أطفالهم".