صفر نفايات

08 ديسمبر 2019
الصورة
الفوضى تعيق عمله (فرانس برس)
+ الخط -
حيث كنا نقف أمام الصيدلية، توقفت قربنا "ركشة". والركشة دراجة بخارية تم تطويرها لتصبح وسيلة نقل للبضائع والبشر، ترجل منها رجل خمسيني يحمل أكياساً بلاستيكية مختلفة الألوان، وتوجّه نحو نقطة تجميع نفايات على قارعة الطريق، عبارة عن أكياس كبيرة تبقى في المكان ريثما تصل عربة النقل المخصصة لتحملها إلى أحد المكبّات خارج الحي السكني. وراح الرجل ينقّب ويضع في كل كيس شيئاً ما. ثم لملم ما تبعثر منه، وأعاد إحكام إقفال الأكياس الكبيرة، ومضى إلى نقطة تجميع أخرى. انتظرته لأسأله، فكانت إجابته أن في هذه النفايات ثروات لا يدركها العامة، فـ"هنا" ـ والحديث له - "بقايا خبز وخضار وفاكهة أصنع منها علفاً للدواجن والأغنام. وهنا زجاج، وهنا بلاستيك، وهنا قطع معدنية، وكل هذه أبيعها للمصانع"، ومضى.

هو أحد "النكّاشين" الذين تزايدت أعدادهم في الآونة الأخيرة بفضل تراكم النفايات والفقر وانعدام الوظائف. وتراكمت النفايات بسبب تخلف النَظُم السياسية التي حكمت - كما يورد الخبير البيئي الدكتور عيسى عبد اللطيف، "وفق عقلية البدوي الذي يعيش في فضاءات رحبة، حيث تقوم البيئة بمعالجة نفاياته القليلة، والتي غالباً ما تكون عضوية. وتفاقم الفقر نتيجة السياسات التنموية "الخرقاء" التي جعلت أهل البادية يسكنون المدن من دون أن يصاحب انتقالهم الجغرافي انتقال حضاري. 

ويؤكد الكاتب عبد الله الفريجي، أن الوعي "يشكّل ميزة الإنسان الأساسية التي يتكئ عليها في ممارسة الحياة والحفاظ عليها دون بقية الموجودات"، كما أن "الوعي الذي يمارسه الإنسان سيتأثر بأدوات تكوينه".



بدأت ظاهرة النكاشين من خلال أطفال من هامش المدينة يجمعون القوارير البلاستيكية من نقاط تجميع النفايات وسط الأحياء السكنية، ولأنهم يقومون ببعثرة محتويات القمامة غير المصنفة، فإنهم يخلفون وراءهم فوضى عارمة، ونفايات هنا وهناك، وأوراقاً وأكياساً تتطاير، الأمر الذي يصعّب مهمة عمال نقل النفايات، ويزيد من مشكلة تراكم النفايات، ما جعل المواطنين وربما عمال النظافة أنفسهم يحرقونها في أماكنها. ثم ظهرت فئة أخرى تهتم بكل ماهو معدني من علب مشروبات إلى أسلاك وغيره، إلى جانب من يهتم ببقايا الخبز والخضار الجافة، ومجموعة تخصصت في جمع الزيوت المستخدمة (زيوت الطعام، وزيوت محركات السيارات) ينقلونها بواسطة الدراجات إلى حيث يعاد استخدامها أو تدويرها.

كل هذا النشاط لم يحرك ساكناً لدى مسؤولي المحليات ليقوموا بدورهم في التوعية حول كيفية إدارة النفايات، وتعميم ثقافة الفرز. فالاستثمار في فرز وجمع النفايات، كما يؤكد الخبير عيسى عبد اللطيف، يُبنى على استراتيجية الإنتاج والاستهلاك المستدام التي تقلل من إنتاج النفايات إلى أدنى حد.

هل نحلم بالتوجه نحو استراتيجية (صفر نفايات) التي لا تعني سوى التقليل، وإعادة الاستخدام، والتدوير قبل التخلص النهائي؟ ما يعني الاستفادة من كل ما يمكن الاستفادة منه؟ وما دامت هناك بداية.. لما لا نطوّرها؟

*متخصص في شؤون البيئة 

دلالات

المساهمون