كرد سورية وجدل الوجود والحقوق والهوية

كرد سورية وجدل الوجود والحقوق والهوية

17 يناير 2020
الصورة

سورية كردية في مظاهرة بالقامشلي شرق سورية (5/12/2019/فرانس برس)

+ الخط -
لم يتوقف الجدل بشأن وجود الكرد في سورية وتطلعاتهم القومية منذ تأسيس الدولة السورية، وقد تفجر هذا الجدل أكثر، مع اندلاع الحراك الثوري، وتحوّل الوضع في سورية إلى أزمة متداخلة محليا وإقليميا ودوليا. ولعل الجديد في هذا الجدل، هو الانتقال من حالة العتاب المتبادل كرديا - عربيا إلى جدل مفاهيم حول هذا الوجود، وما يترتب على ذلك من مطالب وحقوق وشكل حكم، وآليات تحقيق ذلك كله. 
خلال العقود الماضية، كثيرا ما روّجت الحكومات السورية المتعاقبة أن الوجود الكردي في سورية طارئ، وأن معظم كرد سورية قدموا من تركيا، واستقروا في شمال شرق البلاد، وقد ترتبت على هذا التصور نظرة سياسية مفادها بأن هؤلاء طارئون على البلاد، وأن هذا الأمر ينتقص من حقوقهم، وكان التجسيد الفعلي لهذا التصوّر حرمان عشرات آلاف الكرد من الجنسية السورية، بموجب استفتاء خاص بمحافظة الحسكة، جرى عام 1962، وذلك في ذروة صعود الأيديولوجيا القومية بشقّيها، الناصري والبعثي. وهكذا وجد هؤلاء أنفسهم أجانب في بلادهم. ومثل هذا التصور، روجه حديثا معارضون سوريون عديدون، إذ ذهب بعضهم إلى تسمية الكرد بالغجر في أوروبا أو اللاجئين، بل ذهب المحامي السوري المعارض، هيثم المالح، في لقاء تلفزيوني معه إلى أن كرد سورية قدموا إليها مع مجيء عبدالله أوجلان إلى سورية، مع أن المالح ابن مدينة دمشق، حيث غالبية سكان حي ركن الدين من الكرد منذ عهد صلاح الدين الأيوبي. ولعل صور إنكار الهوية القومية الكردية حالة عامة في المنطقة، فحتى وقتٍ قريب، كانوا في تركيا يطلقون عليهم صفة "أتراك الجبال"، وفي إيران بقبيلة فارسية قديمة، وفي بعض دول العالم العربي بقبيلة عربية قدمت من الجزيرة العربية، وضاعت في الجبال ونسيت أصلها العربي.
دفع هذا الإنكار للوجود الكردي مثقفين وباحثين وسياسيين كردا إلى الذهاب إلى التاريخ والنبش في كتبه، بحثا عما يثبت هذا الوجود، ليجد شذراتٍ هنا وهناك، حتى في مرحلة ما قبل العهد الإسلامي، ليجد هو نفسه أمام معادلةٍ ندّية، هي أن الوجود العربي نفسه طارئ في سورية، على اعتبار أن أصل العرب جميعا يعود إلى اليمن! وتبدو هذه المعادلة الصفرية المدفوعة بعقلية الإنكار مفارقة سياسية كبيرة أمام بديهية وجود الجميع على الأرض والتاريخ والواقع، فهذه 
المعطيات هي حقائق اجتماعية وسياسية وديمغرافية ماثلة أمام الجميع، فلماذا الذهاب إلى التاريخ بحثا عن الوجود؟ ولماذا إنكار واقع قائم أمام الأعين؟ ولماذا التعامل مع القضية بعقلية الترحيل والتأجيل؟ وهل المشكلة مشكلة إثبات وجود أم مشكلة نموذج دولةٍ فشلت في تقديم أجوبة الهوية؟
مع التأكيد على أن الجدل الجاري إيجابي، فكريا وسياسيا وقانونيا، لجهة إحداث التغيير والدفع نحو الديمقراطية والحرية، إلا أن ما ينبغي قوله، هنا، هو أن الانطلاق من البعد القومي فقط، لحل هذه القضية، قد يحمل نتائج سلبية قاتلة، لجهة التخندق خلف الأيديولوجيا القومية الضيقة، والاحتراب بين الهويات المكونة للدولة، فقضايا الدول لم تعد تحلّ بمثل هذه النظريات الضيقة، وإنما من خلال تأسيس دولة عصرية، لا تسخر السلطة لصالح هوية قومية أو دينية أو طائفية محدّدة على حساب باقي الهويات والمكونات، فنموذج الحكم في الدول ينبغي أن يجسّد كل هذه الهويات والمكونات الاجتماعية والسياسية لها. ومن دون ذلك، يبقى الجدل أو النقاش بشأن الهوية الكردية، أو غيرها من الهويات، عقيما. وفي إطار ما قبل الدولة المعاصرة، بمفاهيمها الدستورية والقانونية والإدارية والاجتماعية.

دلالات