داود أوغلو.. أردوغان مع أربكان

داود أوغلو.. أردوغان مع أربكان

14 ديسمبر 2019
الصورة

أربكان وأردوغان وأوغلو

+ الخط -
قبل تأسيسه حزب العدالة والتنمية عام 2001، كان رجب طيب أردوغان قريبا جدا من الراحل نجم الدين أربكان، إذ اختاره الأخير لخوض معركة رئيس بلدية إسطنبول في منتصف تسعينيات القرن الماضي، والتي انطلق منها نجمه. علاقة أردوغان بأربكان تشبه إلى حد كبير علاقة أحمد داود أوغلو بأردوغان، عندما عين الأخير داود أوغلو مستشارا له عقب تسلمه منصب رئيس الوزراء عام 2003، قبل أن يصبح وزيرا للخارجية، ومن ثم رئيسا للوزاء ورئيسا لحزب العدالة والتنمية. يكرّر اليوم أوغلو السيناريو نفسه تقريبا مع أردوغان، عندما انشقّ عنه قبل شهور، وأعلن عن تشكيل حزب جديد من رحم "العدالة والتنمية" الذي كان أوغلو منظّره الايديولوجي الأكبر. ولعل تجربة أوغلو تكرّرت سابقا مع أحزاب اليمين الوسط في تركيا، منذ عهد الحزب الديمقراطي في منتصف أربعينيات القرن الماضي، مرروا بتجربة حزب الوطن الأم في عام 1983، وصولا إلى تجربة "العدالة والتنمية". 
ما الذي دفع أوغلو إلى الخروج من عباءة أردوغان، والاستقالة من حزب العدالة والتنمية، وتأسيس حزب سياسي جديد، سمّاه المستقبل؟ يقول لسان أوغلو إن أردوغان حرف الحزب عن مساره الديمقراطي والسياسي، وحوّله إلى حزبٍ يقوده منفردا، وفي ظل غياب أي أفق للتغيير من داخل الحزب، فإن مهمته تكمن في تأسيس حركة سياسية جديدة، وانتهاج مسار جديد لمقاربة 
السياسة والسلطة في تركيا. ولكن ثمّة عوامل وأسباب ومعطيات كثيرة وراء قرار الرجل الذي كان بمثابة صندوق أفكار أردوغان. هو يعتقد أن نظرياته الفكرية والسياسية ما زالت تصلح لأن تكون برنامجا سياسيا لحزبٍ يقوده هو بنفسه. ولعل ما شجعته على ذلك الخسارة الكبيرة التي مني بها حزب العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية، سيما في إسطنبول، والتعثر الاقتصادي على وقع تراجع سعر العملة التركية أمام الدولار، وانعكاس ذلك كله على حياة المواطنين الأتراك، وتحديدا الحاضنة الشعبية لحزب العدالة والتنمية، حيث تقول التقارير إن قرابة مليون عضو من أصل أكثر من عشرة ملايين عضو استقالوا من الحزب خلال عام 2019 الجاري. وقد جاء إقصاء أردوغان أوغلو من المشهد السياسي وتهميشه ليكون بمثابة النهاية السياسية للعلاقة الوثيقة التي ربطت بينهما طوال السنوات الماضية.
كل هذه الأسباب والعوامل دفعت أوغلو إلى التفكير بتأسيس حزب جديد، والعودة إلى المشهد السياسي، بعد صمت دام سنوات. والسؤال الأساسي هنا، كيف سيؤثر ذلك على حزب العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان؟ لعل الخطر الأساسي الذي يهدّد الحزب أن الجمهور الأساسي الذي سيذهب مع حزب أوغلو الجديد، هو جمهور حزب العدالة والتنمية نفسه، سواء من الأعضاء المباشرين في الحزب، أو من القاعدة الشعبية المحافظة التي تشكل خزانا شعبيا له في الانتخابات. وتؤكد التجربة السياسية في تركيا أن الأحزاب الجديدة التي تتشكل تستطيع عادة الحصول على دعم فئات مؤثرة، كما حصل مع الحزب الجيد، بزعامة ميرال إكشينار، عندما انشقت عن حزب الحركة القومية، المتطرّف، حيث نجح الحزب في تخطّي العتبة الانتخابية المحددة (10% من عموم الأصوات) ودخول البرلمان. وهنا حتى لو لم يحصل حزب أوغلو على هذه النسبة، وحصل على نسبة 5% فقط في الانتخابات، فذلك سيؤثر كثيرا على حزب العدالة والتنمية وموازين القوى الحزبية. والخطورة هنا ستكون مضاعفة، نظرا لأن القيادي السابق في "العدالة والتنمية"، علي باباجان، يجري استعداداتٍ لتشكيل حزب جديد، ومن شأن ذلك جعل خسارة "العدالة والتنمية" مضاعفة في حاضنته الحزبية والشعبية.
أمام هذا الواقع الصعب، قد لا يجد أردوغان أمامه سوى الهجوم على داود أوغلو وفتح دفاتره 
القديمة، خصوصا وأنه اتهمه، قبل أيام، بالتورّط في قضايا فساد تتعلق بجامعة إسطنبول شهير، والاحتيال على بنك خلق. ولكن هذه لعبة خطرة على أردوغان نفسه، فأوغلو يمتلك كثيرا من أسرار أردوغان، بحكم المناصب المهمة التي شغلها، والعلاقة الوثيقة التي كانت بينهما، إذ سبق وأن هّدد أوغلو بكشف مثل هذه الأسرار، عندما قال إن وجوها كثيرة ستسود أمام الناس، إذا ما فتحنا دفاتر مكافحة الإرهاب. يعرف الرجلان عن بعضهما الكثير الكثير، وفتح الدفاتر القديمة سيحرقهما معا لصالح الخصوم السياسيين. والثابت أن الخواجة داود أوغلو والسلطان أردوغان باتا خصمين متنافسين على المشهد والمستقبل، كما أصبح الحال بين أردوغان وأربكان، مع فرق أن أوغلو قد لا ينتصر سياسيا على معلمه السابق أردوغان، فالظروف مختلفة، وشعبية أردوغان في حاضنته الشعبية ما زالت قوية، فضلا عن أنه يجيد صنع حواضن جديدة، في ظل قدرته على صنع التحالفات والانقلابات معا.