عندما تحمّل المعارضة السورية فشلها للكرد

18 فبراير 2020
الصورة
+ الخط -
أمام التقدم السريع لقوات النظام في ريفي حلب وإدلب، سارع معارضون سوريون إلى التركيز، في أحاديثهم وتحليلاتهم وكتاباتهم، على دور الكرد، وتحديدا قوات سورية الديمقراطية (قسد) في تحقيق هذا التقدم، وخسارة المعارضة بلداتٍ وقرى كثيرة بشكل قياسي، بل ذهب الخيال ببعضهم إلى القول بوجود خطة محكمة بين موسكو ودمشق والقاهرة والقامشلي لإيقاع أنقرة في فخ دراماتيكي يقلب الطاولة عليها، كما كتب عبد الناصر العايد في مقالته "فخ استراتيجي ينتظر أنقرة في سورية" في "العربي الجديد" (16 فبراير/ شباط الجاري). مع التأكيد على أن هناك خصومة سياسية بين القاهرة وأنقرة لأسباب كثيرة، والتأكيد على أن لموسكو أجندة مختلفة، إن لم نقل متناقضة، عن أجندة أنقرة في سورية، وأن النظام السوري في حرب مع تركيا، منذ طالب الرئيس التركي، أردوغان، برحيل النظام، وقدم كل أنواع الدعم السياسي والعسكري للمعارضين له، وأن القامشلي (على الرغم من صعوبة وضعها في مكانة القوة التي تنسج المخططات مع العواصم المذكورة) تحس بعداوة تركيا لها، منذ أن شنّت الأخيرة عمليتي غصن الزيتون في عفرين ونبع السلام في رأس العين، وتتمنى إلحاق الهزيمة بأردوغان.
كل ما سبق لا يقنع أحدا بالحديث عن وجود مخطط بين هذه القوى، خصوصا أن العلاقات بين موسكو وأنقرة مهمة وحيوية للطرفين، على الرغم من الكباش الجاري بينهما في إدلب. ولهذه العلاقة أهمية أكبر لدى موسكو من أي علاقة لها بالأطراف المذكورة. ولا يمكن فهم ما يجري 
في إدلب اليوم إلا في إطار التفاهمات الروسية – التركية الجارية في هذا الخصوص، وما تبقى من تصريحات تركية نارية، وحشد للقوات العسكرية، واتهامات متبادلة بين أنقرة وموسكو، هدفها ترتيب تفاهمات جديدة في مرحلة ما بعد سيطرة قوات النظام على الطرق الدولية الحيوية بين حلب وكل من دمشق وحماة واللاذقية، إذ لن تذهب تركيا إلى مواجهة مباشرة مع روسيا، ومن يتوقع غير ذلك فهو من باب الأمنيات، وربما سوء تقدير للحسابات والمواقف والسياسات.
الغريب أن المعارضة السورية، وتحديداً المحسوبة على تركيا، بدلاً أن تراجع تجربتها وتستخلص الدروس من فشلها، توجه الاتهامات إلى الكرد، ويحمّلهم بعضها مسؤولية الخسارات الكبيرة التي تعرّضت لها الفصائل المسلحة، بالقول إنهم (الكرد) عقدوا تفاهمات مع النظام، أو سمحوا له باستخدام المناطق الواقعه تحت سيطرتهم، وأنهم شاركوه في معارك ريفي إدلب وحلب، وهو ما اضطر "قسد" إلى نفي ذلك في بيان رسمي. يقينا، ليست مثل هذه الاتهامات سوى تعبير عن التهرّب من المسؤولية، وتراكم للفشل، وخطأ في الحسابات، إذ كيف يمكن فهم هذا الانهيار السريع للمعارضة إلى درجة أن النظام استعاد في يوم واحد أكثر من ثلاثين بلدة وقرية؟ ولماذا بقيت فصائل المعارضة مشتتة ومنقسمة، وأحيانا متحاربة طوال السنوات الماضية؟ وأين كانت فصائل المعارضة المشاركة في "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام" مما جرى ويجري في إدلب وحلب؟ ولماذا ورّطت هذه الفصائل نفسها في معارك جانبية من عفرين إلى رأس العين؟ وهل كانت هذه المعارك معاركها بالأساس، أم معارك تركيا وأجنداتها؟
الأجوبة واضحة، والجميع يعرفها، ولعل توجيه الاتهامات إلى الكرد ومحاولة معارضين تحميلهم مسؤولية الفشل، هو نتاج للبوصلة الخاطئة، ولتراكم عقلية الفشل من دون المراجعة والارتقاء إلى مستوى التحديات والتطلعات. وفي الأساس، فإن رؤية فصائل المعارضة إلى "قسد" ووحدات الحماية الكردية، حدّدها الموقف التركي مسبقا، والحروب التي شنتها هذه الفصائل في مناطق الكرد كانت مستندة لهذا الموقف. وأدّى ذلك كله إلى استنزاف قوة هذه الفصائل في معارك جانبية، وأفقدها بوصلتها، وعمّق من الشرخ بين الكرد والعرب، في حسابات خاطئة، كان المستفيد الوحيد منها هو النظام وحليفاه، الروسي والإيراني.