فرنسا 2019: فرجة المعارض والجوائز

01 يناير 2020
الصورة
(من معرض "توت عنخ آمون: كنوز الفرعون الذهبي"، Getty)

تنتهي سنة 2019 في بلد "الاستثناء الثقافي"، فرنسا، وكانت كما العادة سنة حافلة بالأنشطة، وبالكثير من الإبداع.

وبدأت بالدخول الأدبي السنوي، الذي تتميّز به فرنسا، وكانت الحصيلة 524 رواية جديدة؛ 336 رواية فرنسية، و188 رواية أجنبية مترجمة. ففرنسا بلد الرواية بامتياز. والدخول الأدبي، يركّز فقط على الرواية، كما أن أرفع الجوائز تخصَّص لهذا الجنس الأدبي.

وممّا يمنح منصة أساسية للثقافة الفرنسية وأدبها هو معرض الكتاب السنوي في شهر مارس/ آذار، والذي كانت ضيفته، هذه السنة، سلطنة عُمان. وكان فرصة للجمهور الفرنسي والغربي للاطلاع على الثقافة والأدب العُمانيين، ومعرفة اتجاهاتهما في هذا البلد العربي.

ولا تشجيع للثقافة والأدب من دون جوائز أدبية، وتعدّ "الغونكور" أرفع جائزة أدبية في البلد، وقد حصل عليها، هذه السنة جان بول دوبوا، عن روايته الجميلة "ليس كل الناس يعيشون في هذا العالم بنفس الطريقة"، بعد أن كان المراقبون الأدبيون يتوقّعون أن تفوز بها البلجيكية إميلي نوثومب، عن روايتها "عطش"، والطريف أن العنوان تعبير عن تعطّش هذه الروائية غزيرة الإنتاج (تكتب رواية وأكثر في السنة، وتنشر واحدة كلّ سنة)، إلى هذه الجائزة، التي تنقصها، رغم أن رواياتها كلّها تعرف مبيعات كبيرة جداً. وإلى جانب الغونكور جوائز مهمة، منها جائزة "رونودو"، التي فاز بها الروائي والرحالة سيلفان تيسون عن روايته "فهود الثلج".

وتعتبر "الأكاديمية الفرنسية"، أو مجمع الخالدين، رمزاً من رموز الثقافة والإشعاع الفكري الفرنسي، وقد انفتحت أمام عربيين اثنين، الراحلة الجزائرية، آسيا جبار (فاطمة الزهراء إيمالاين)، واللبناني أمين معلوف. وهو ما يدلّ على أنها بدأت تنفتح وتصبح أكثر ديمقراطية، وقد دخلتها هذه السنة الفيلسوفة واللغوية والمتخصّصة في الحقبة الهيلينية، باربارا كاسان. وتعتبر باربارا كاسان تاسع امرأة تلج هذه الأكاديمية العريقة منذ تأسيسها على يد ريشليو سنة 1634.

الثقافة في فرنسا، لا تتمثّل فقط في الرواية، بل، وفي المَعارض، أيضاً، التي تشهد إقبالاً منقطع النظير. وتميّزت هذه السنة بتحقيق معرض "توت عنخ آمون، كنز فرعون"، الذي عرض في قاعة "لافيليت"، في باريس، نجاحاً وصفته وسائل الإعلام الفرنسية بــ"الفرعوني". إذ زاره في ستة أشهر، حوالي مليون و323 ألفاً و170 زائراً (150 ألف بطاقة بيعت عن طريق الإنترنت قبل الافتتاح).

ولا شك في أن الفرنسيين يكنّون إعجاباً كبيراً بالثقافة المصرية الفرعونية، وتميّز من بين رؤسائهم فرانسوا ميتران بميل أكبر نحو هذه الحضارة، وألهمه تشييد الأهرامات في منطقة اللوفر، الباريسية، التي أصبحت محجّاً للسياح. ولا أدلّ على هذا الإعجاب من الإقبال الكبير على مختلف المعارض التي تهتمّ بمصر القديمة، وخاصة تلك التي ينظّمها "معهد العالم العربي" في باريس. ولا شكّ في أن البعض لا يزالون يتذكّرون نجاح معرض "توت عنخ آمون وعصره"، والذي اعتُبر في حينه، أي سنة 1967 في باريس، "معرض القرن"، إذ جذب نحو مليون و240 ألف زائر.

وحسب المعلومات المتصلة بهذا المعرض، فإن نسبة ساحقة من الزوار كانت من الفرنسيين، أي ما يقرب من 94 في المائة، قدِم حوالي النصف منهم من باريس وضواحيها، خلافاً لمتحف اللوفر، الذي يتميّز بكون ثلاثة أرباع زائريه من الأجانب، أي من السياح.

باريس مدينة تعيش على الحفلات والفرجة، كما كتب الروائي الأميركي الراحل هنري ميلر، بعد أن أقام فيها، بعض الوقت، ولهذا فالمعارض عديدة، ومن أهمّها، هذه السنة، معرض "بيت موندريان" في "متحف مارموتان مونيه"، وكذلك المعرض الذي ينظّم في "متحف كي برانلي-جاك شيراك" عن 20 سنة من مقتنيات هذا المتحف، المهتم بالفنون الأولى. ومعرض عن تولوز لوتريك في "متحف غراند باليه"، ولعلّ من أهم المعارض قاطبة، ذلك المخصّص للفنان الإيطالي ليوناردو دا فينشي في "متحف اللوفر"، بمناسبة مرور 500 سنة على وفاته.

ليس من المبالغة القول بأنه لا يمكن حصر الأحداث الثقافية في فرنسا، وإن كان لا بد من أن نشير إلى حدث مهم بدأ يعكس أهميته وجدواه، وهو تأسيس فرع باريسي لـ "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، ويديره الباحث سلام الكواكبي.

وقد استطاع هذا المركز الذي تأسس قبل فترة قصيرة، 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، تنظيم لقاءات وندوات ومحاضرات، شارك فيها باحثون فرنسيون وغربيون مرموقون، كما استطاع المركز، في فترة وجيزة، جذب جمهور شاب، من فرنسيين وعرب، لحضور أنشطته وإثرائها. وقد توّج المركز نشاطاته، بتنظيم ندوة كبرى في "كوليج دو فرانس"، يوم 28 تشرين الثاني/ نوفمبر الثاني 2019، عن مآلات الديمقراطية في العالم العربي، خاصة بعد "الربيع العربي" (البلدان العربية كمختبرات لتحولات جديدة للسياسيّ)، شارك فيها نخبة مرموقة من المفكرين والأكاديميين العرب والفرنسيين والغربيين، على رأسهم المفكر العربي عزمي بشارة، وجان فرانسوا بايار، وفرانسوا بورغا، وحسني عبيدي، وهنري لورنس، وأسماء نويرة، وعبد الوهاب الأفندي، وعبد الفتاح ماضي، ولؤلؤة الرشيد، ومحمد محمود ولد محمدو.

ولأن الثقافة حياة وموت، "سادت ثم بادت"، لا بد أن نشير إلى رحيل قامات ثقافية مهمة في البلد، منها الفيلسوف ميشيل سير، عن 88 سنة، وقد تميّز هذا المفكر بقدرته على تبسيط المعارف لجمهور واسع، وعلى مقاربته لكل أنواع المعرفة، تاركاً لجمهوره أكثر من 80 مؤلَّفاً. كما رحَل هذه السنة، عن 75 سنة، الروائي وعضو الأكاديمية الفرنسية، فرانسوا وييرغان، وقد فاز بـ"جائزة الغونكور" سنة 2005 عن روايته "ثلاثة أيام في ضيافة والدتي"، وأيضاً الروائي إيريك هولدر، 59 سنة، وكذلك غادرنا في باريس الروائي والشاعر والمسرحي الجزائري المنفي عزيز شواكي عن 67 سنة. كما أن الموت خطف الشاعر الفرنسي الكبير، من أصول رومانية، لوران غاسبار عن عمر يناهز 93 سنة، وقد أقام هذا الشاعر لبعض الوقت في تونس وارتبط بصداقات مع بعض شعرائها وكتّابها.

وأخيراً كان من أحداث العام حريق كاتدرائية نوتردام الشهيرة الذي خرّب أجزاء كبيرة منها، وشلّ أنشطتها. وهذه المعلَم الفرنسي والباريسي، بامتياز، خلّدَتها كتاباتٌ أدبية مرموقة، لعلَّ من أشهرها كتابات فكتور هوغو. وقد استمر الحريق، الذي كان العالَم يشاهده، بمرارة وعجز، ما يقرب من 15 ساعة (ما بين 15 و16 نيسان/إبريل 2019). وإذا كان من حسن الحظ أن لا أحد قضى في الحريق، إلا أن هذه الكاتدرائية تحتاج إلى كثير من الوقت والمال حتى تعود كما كانت، أي على نفس الصورة والتصميم.

والكثيرون تذكّروا الكاتدرائية، بأَلَم في فترة الأعياد، حيث إنها مغلقة ولا قُدّاس فيها، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها هذا، منذ سنة 1803.




تعليق: