تركيا 2019: مساحة مع الثقافة العربية

31 ديسمبر 2019
الصورة
الشاعر الراحل نوري باكديل المعروف بـ"شاعر القدس"

لعلّ أكثر الأشياء إثارة للدهشة، بالنسبة إلينا نحن كعرب، في ما يخصّ الثقافة التركية في 2019، أن أبرز الأسماء الأدبية التركية المعروفة لدى العرب لا تحظى بالاهتمام نفسه عند القارئ التركي.

فعلى سبيل المثال، في القائمة التي نشرتها صحيفة "حريات" التركية، لأهمّ كتب هذا العام، والتي أعدّتها نخبة من الكتاب البارزين في تركيا، مثل الشاعرين حيدر أرجولان ومتين جلال، جاءت أسماء أخرى لا تتردّد في العالم العربي عن الأدب التركي.

فعلى رأس هذه القائمة التي ضمت خمسين عنواناً، يأتي ديوان "ممرات العصر" çağ geçitleri - للشاعر مرادهان مونجان، والثاني رواية "كِسرات تاريخية" tarihi kırıntılar للروائي باريش بيتشاكتشي، والاختيار الثالث كان لرواية أيضاً، وهي "في الآبار العمياء" beni kör kuyularda للروائي حسن علي طوبطاش.

اللافت للانتباه أن نصف هذه القائمة كان من نصيب الأدب المترجم، والغربي تحديداً، باستثناء كتابي "غرق الحضارات" لأمين معلوف، ومختارات شعرية للشاعرة الإيرانية فروغ فرخزاد بعنوان "ستأخذنا الريح". بالتأكيد لا تمثّل هذه القائمة ذائقة القارئ التركي بشكل عام، وربما توجد أسباب أخرى لاختيار كتاب دون آخر، ولعلّ السياسة أيضاً لها دور في ذلك، فقد ضمّت هذه القائمة كتاباً لصلاح الدين دميرطاش، الزعيم السياسي الكردي المعتقل، الذي ترشّح للرئاسة في انتخابات 2018 من داخل محبسه.

وبعيداً عن هذه القائمة، من الممكن إطلاق اسم "عام صباح الدين علي" على 2019 في تركيا، وهو القاص والروائي التركي الشهير (1907- 1948) الذي عادت كتبه إلى الأكثر مبيعاً من جديد في السنوات الأخيرة، بعد غياب لعقود. فبعد أن سقطت حقوق التأليف والنشر عن كتبه في هذا العام، قامت جميع دور النشر التركية بإعادة طبع جميع أعماله من جديد. كما قام المخرج إنجين ألكان بتحويل روايته "مادونا صاحبة المعطف الفرو" هذا العام إلى مسرحية، وشهدت إقبالاً جماهيرياً كبيراً.

جدير بالذكر أن السعودي جهاد الأماسي ترجم هذه الرواية إلى العربية عام 2015 كما قام بترجمة رواية أخرى لصباح الدين علي، وهي "يوسف القويوجاكلي" عام 2016، وكلاهما صدر عن "دار أثر". كما ترجم كاتب هذه السطور روايته الأخيرة، بعنوان "الشيطان الذي بداخلنا" بمشاركة المترجمة التركية ملاك دينيز أوزدمير، وتصدر قريباً.

أما الكاتب التركي الأبرز حالياً (من ناحية المبيعات) أحمد أوميت، الشغوف بكتابة الرواية البوليسية التاريخية، صاحب الرواية الشهيرة "اغتيال السلطان" والتي ترجمها عبد القادر عبدللي إلى العربية، فإلى جانب إصداره لمجموعة قصصية بعنوان "حبّي رواية قديمة" هذا العام، فقد قدّم أيضاً هذا العام فيلماً باسم "تحية لوطني الجميل" من إخراج جنكيز أوز كرابكير، عن حياته بموازاة قصة حياة شاعر تركيا الأشهر ناظم حكمت.

ورغم عدم مرور عدّة أشهر على عرض الفيلم في صالات العرض التركية والأوروبية إلا أنه لاقى انتقادات واسعة في الأوساط الثقافية التركية، واتهامه بالترويج لنفسه، حتى على حساب ناظم حكمت.

وفي مجال السينما والدراما، فقد حصل هذا العام الممثل التركي خلوق بلجينار على جائزة أفضل ممثل في "جوائز إيمي" الدولية، عن دوره في مسلسل "الشخصية".

وفي الدراما التركية فما زال مسلسل "السلطان عبد الحميد" مستمرا للعام الثالث على التوالي، وهو دليل على نجاحه من وجهة نظر منتجيه، فيما يعتبره أغلب المثقفين الأتراك بمثابة البروباغندا للحزب الحاكم الذي يعمل على تجميل صورة سلاطين بني عثمان.

ومن أبرز الجوائز التركية الرسمية هي "جوائز الرئاسة"، وقد مُنحت هذا العام في الأدب لاسم الشاعر التركي نوري باكديل، الذي رحل هذا العام، ويُعرف بـ"شاعر القدس" لكثرة ما كتب من أشعار عن القدس والقضية الفلسطينية. وفي مجال الموسيقى حصلت عليها مجموعة "mazhar fuat özkan" الموسيقية.

وحصل عليها في السينما المخرج مسعود أوتشاكان، وفي الرسم ديفريم أربيل، وفي الخط والزخرفة فؤاد بشار، وفي المعمار دوان كوبان،وفي حقل العلوم الاجتماعية أحمد يشار أوجاق. كما ذهبت جائزة الوفاء هذا العام لاسم بروفيسور التاريخ أحمد خلوق دورسون.

أما في ما يخصّ الثقافة العربية في تركيا هذا العام، فكان "معرض إسطنبول للكتاب العربي" هو الحدث الأكبر في هذا السياق.

ورغم أن الإقبال على المعرض كان ضعيفاً، قياساً بالسنوات الماضية، على مستوى مشاركات دور النشر والحضور الجماهيري (فضّلت بعض الدور كالفارابي والآداب والساقي المشاركة من خلال وكيلها التركي) إلا أنه شهد بعض الفعاليات المهمة، مثل ندوتي الأكاديمي التركي، أستاذ الأدب العربي في "جامعة غازي" في أنقرة، محمد حقي صوتشين، حول "اتجاهات الأدب العربي الحديث"، و"الإنتاج الترجمي بين الأدبين التركي والعربي".

إلا أن اللافت للانتباه في معرض إسطنبول للكتاب العربي هذا العام، هو صدور كتاب بعنوان "مصطفى كمال" للصحافي التركي يلماز أوزديل، وهو المعروف بمطالبته الفاشية بـ"طرد السوريين" من تركيا.

الكتاب صدر عن دار "kırmızı kedi" وتُرجم إلى العربية في آلاف النسخ التي ملأت معرض الكتاب العربي من دون ذكر اسم المترجم ورفض الدار الإفصاح عنه، وهو ما أثار دهشة زائري المعرض من العرب في ظل وجود بروباغندا كبيرة للكتاب تحت عنوان "أتاتورك قاهر الإمبريالية".

جدير بالذكر أن الكاتب نفسه قد أثار جدلا كبيرا في أول هذا العام، حيث طبع كتابه المذكور عن مصطفى كمال في 1881 نسخة (عدد النسخ على سنة ميلاد أتاتورك!) مع نفس دار النشر، بسعر 2500 ليرة (حوالي 420 دولارا أميركيا)، وهو ما جعل المثقفين الأتراك يتهمونه بالاحتيال.

أما عن حقل الترجمة من التركية إلى العربية، فما زالت هناك محاولات فردية في الترجمة بعيداً عن العمل المؤسسي وغياب استراتيجية واضحة في الخيارات.

ومن بين هذه المحاولات رواية "صرخة الخطاف" للروائي أحمد أوميت، بترجمة رباع ربابعة عن دار روايات. ورواية "طبيب الأناضول" لأحمد حمدي تانبينار، بترجمة أماني محمد صبحي عن "دار صفصافة". بينما كانت الترجمة من العربية إلى التركية أكثر في هذا العام.

فقد صدر للأكاديمي والمترجم التركي محمد حقي صوتشن ترجمته لديوان "كزهر اللوز أو أبعد" للشاعر محمود درويش، و"هذا هو اسمي" لأدونيس، و"جولة بين حانات البحر المتوسط" لعلي الدوعاجي، وجميعها عن "دار إفريست".

كما ترجم صوتشن أيضا "قارب إلى لسبوس" للشاعر نوري الجراح، عن "دار قرمزي"، بالإضافة إلى صدور الطبعة الثانية من ترجمته لكتاب "طوق الحمامة في الألفة والألاف" لابن حزم الأندلسي عن "دار كابي".

وأخيراً، يبقى الحدث الأهمّ في هذا السياق، هو العثور على كتاب "يوميات أحمد عزت باشا" السكرتير الثاني للسلطان عبد الحميد، وهو من أصل عربي، بعد ضياع هذه الوثيقة المهمة 111 عاماً.

ومن المتوقّع لهذا الكتاب بحسب آراء كثير من المختصين أن يعيد كتابة السنوات الأخيرة للدولة العثمانية بشكل مختلف، بعيداً عن الانحيازات ضدّ السلطان أو معه. ويتناول الكتاب ( قام إبراهيم كوريليه بترجمته من اللغة العثمانية إلى التركية الحديثة، ومن المرتقب صدوره العام المقبل باللغة العربية عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات") نقاشات عبد الحميد، آخر سلطان عثماني مارس الحكم فعلياً، مع عزت باشا حول أهم القضايا آنذاك، منها قضية الأرمن، وزيارات عزت باشا السرية إلى العواصم الغربية بتكليف من السلطان عبد الحميد، بالإضافة إلى أبرز المهمات التي كلفها به السلطان، مثل إنشاء خط الحديد الحجازي.

ويرجع سبب اختفاء الكتاب إلى أن السلطان بعد عزله قد طلب من عزت باشا مغادرة الأراضي العثمانية لأن أفراداً من "جمعية الاتحاد والترقي" أرادوا قتله. وبعد هروب الباشا أودع الكتاب عند ابنته التي وضعته في خزانة مستأجرة في بنك سويسري، واستطاع أحد أحفاد الباشا العثور عليه هذا العام.


ناظم حكمت وزمن المنفى
يظلّ ناظم حكمت (1902-1963) من أيقونات الثقافة التركية، إذ عاد هذا العام من خلال معرض في إسطنبول (نظمته دار نشر yapı kredi)، عُرضت فيع أغراض حكمت الشخصية في آخر بيت أقام فيه بموسكو، إلى جانب عرض نسخ من أعمال الشاعر المترجمة إلى لغات مختلفة، وصور خاصة له التقطها المصوّر أرا جولير وتُعرض للمرة الأولى. بالإضافة إلى كتبه التي طُبعت في بلغاريا أثناء منعها في تركيا.