مِن الآخِر

01 يناير 2020
الصورة
هاني زعرب/ فلسطين، مواد مختلفة على قماش(جزء من لوحة)

مِن الآخِر، لا يمكن أن نحلم بثقافة عربية لها قيمة بدون هزيمة المشروع الصهيوني، هزيمة تقود إلى تفكيكه وتنظيف سمومه من جسد المنطقة العربية ومن خيالها ومن صورتها عن نفسها. لا مستقبل للإنسان العربي - لا الفلسطيني فحسب - إذا بقي المشروع الصهيوني. ومن يستخف بهذا الرأي لا يعرف عمّا نتحدث.

لا يمكن أن نحلم بثقافة عربية حرّة في ظل أنظمة مهزومة. المهزومون لن ينتجوا إلا ثقافة مهزومة وظيفتها تربية الناس على قبول الهزيمة والاستمتاع بها. المهزومون سواء كانوا مجرمين أشدّاء أو مجرمين خَرِعين لن يسمحوا بأن تنبت ثقافةُ تحرُّرٍ في الأرض التي سيّجوها.

لا يمكن أن نحلم بثقافة عربية محترمة بدون تحرّر سياسي وإرادة سياسية. في أزمنة الهزيمة يزدهر الشِّعر وحده لأنه صرخة الروح الذبيحة. جلال الدين الرومي وحافظ الشيرازي والمتنبي وحتى أحمد شوقي (وراء قناعه المدرسيّ) كانوا أبناء عصور مهزومة جريحة، من غزو الفرنجة إلى غزو المغول وصولاً إلى الاستعمار الأوروبي.

تستطيع الروح الحضارية الذبيحة التعبير عن نفسها أحياناً بصورة معجزة، لكنها لا تستطيع نسج ثقافة محترمة، الأخيرةُ عملٌ جماعيّ دؤوب وهادئ وليس عويل أرواحٍ منفردة في الجحيم كما هي أرواح الشعراء.

مِن الآخِر، حصاد 2019 سيكون هو نفسه حصاد 2020 ما لم ندرك بديهيات كهذه.