لبنان 2019: الثقافة والفن كفعل احتجاجي

31 ديسمبر 2019
الصورة
(ساحة الشهداء في بيروت، تشرين الثاني/ نوفمبر، Getty)

عندما نتحدّث عن الحالة الثقافية في لبنان 2019، فلا يمكن فصلها عن الحدث السياسي الذي يُسدل العام ستاره عليه، وقد بدأ يأخذ شكلاً عنفياً أكثر فأكثر.

تجمّدت الفعاليات الثقافية المعتادة. وفي بداية التظاهرات أوقفت المؤسسات الثقافية جميع أنشطتها تضامناً مع الثائرين، وأعلن القائمون عليها في بيان نُشر أول الأحداث أنهم سيقفون في الشوارع مع الثورة، ولن يظلّوا في أروقة المعارض ودور الثقافة وأنديتها.

فعلى سبيل المثال، أعلنت "جمعية أشكال ألوان" تعليقها تظاهرة "أشغال داخلية" التي تقام كلّ سنتين، وتعدّ من أهمّ الأحداث الثقافية في المنطقة العربية، إذ تتيح فرصة الاطلاع على جديد الفن المعاصر على مستوى العالم، وكذلك جرى تأجيل "معرض بيروت الدولي للكتاب".

غير أن ذلك لا يعني أن الفعاليات الثقافية توقّفت تماماً، فقد حافظ القليل من صالات العرض على مواعيدها، لكن الأبرز أننا سنجد عودة إلى الفن الساخر كالمسرح الغنائي الساخر، مثلما هي الأمسيات التي يقيمها "مترو المدينة" تحت عنوان "ليالي في حب الثورة".

كذلك رجع الغناء السياسي الذي يحمل لمحة من هوية الرحابنة السياسية، ولا سيما زياد في أعماله الموسيقية الساخرة، فقدّمت فرق مثل "الراحل الكبير" نموذجاً بدا وكأنه يستكمل التاريخ الطويل للأغنية السياسية في لبنان.

في هذا الإطار، صدرت كتب مصوّرة على طريقة الكومكس تحاول أن تقدّم صورة نقدية للحظة الراهنة في لبنان، من ذلك كتاب "قصص مثوّرة" الذي أصدره طلّاب من "الجامعة الأميركية" مؤخراً.

وأصبحت جدران وساحات العاصمة اللبنانية أقرب إلى معرض غرافيتي كبير يحمل روح التهكم والنقد السياسي والجرأة اللغوية والبصرية، التي وسمت الحراك من بداياته.

من المفارقات أيضاً، أن تكون الثقافة العراقية نجمة الحدث الثقافي خلال شهري أيلول/سبتمبر وتشرين الأول/أكتوبر الماضي، حيث أقامت "دار النمر للثقافة والفن" في بيروت سلسلة "عراقيات".

تضمنت التظاهرة مجموعة من أنشطة الفن التشكيلي والشعر والقراءات والندوات، وحضرها ثلّة من أبرز الفنانين والكتّاب العراقيين من الداخل والمهجر، مثل ضياء العزاوي وسنان أنطون وآخرين كثر.

وكعادتها، حاولت "دار النمر" أن تقدّم في لبنان مساحة للفن العربي المعاصر، والتي لطالما جرى تغييبها لصالح الفن الأوروبي منذ أن انتهت الحرب، حيث أقامت تظاهرة "الوطن العائم" التي تستعيد لحظة الخروج الفلسطينية من لبنان عام 1982، ومعرض هموم الهوية لفنانين فلسطينيين، كذلك أفردت مساحة للسينما الأردنية.

ومن أبرز الأحداث الثقافية التي شهدتها بيروت، واحتضنتها "دار النمر" أيضاً، محاضرة الفنان والمؤرخ الفنّي الفلسطيني كمال بُلّاطه (1942-2019) "سفر بين الشفافيات" التي قدّمها وسط حضور كبير قبل شهرين من رحيله في منفاه ببرلين.

ومثلما هو الحال في العاميْن الأخيريْن، استمرت مجموعات مستقلّة من المعماريين والمتخصّصين في التخطيط الحضري في تعزيز الوعي بالاجتياح المعماري الجائر لأصحاب النفوذ والسلطة والمال على مناطق بيروت العريقة، فازدادت وتيرة الجولات العمرانية في المدينة والندوات والمؤتمرات التي تناولت هوية بيروت ومستقبلها.

من جهة أخرى، خسرت الثقافة اللبنانية والعربية أيضاً واحدة من أبرز الفنانات الرائدات، فقد رحلت أوغيت كالان الخوري (1931-2019) التي تنوّعت تجربتها بين الرسم والنحت والنسيج وتصميم الأزياء، وحقّقت مكانة فنية عالمية من خلال لوحاتها الغزيرة المشحونة التي تتحدى الأنماط التقليدية للجمال.

كما رحل التشكيلي أمين الباشا (1932-2019) الذي رسم يوميات الحرب في بيروت، وقدّم سلسلته الشهيرة "مائدة السيد المسيح"، وهي بمثابة دراسات تخطيطية تدمج بين الفن البيزنطي وملامح التأليف النهضوي والتقسيم التكعيبي، وترك أيضاً ثلاث مجموعات قصصية احتوى بعضها على رسوماته، إلى جانب مسرحيتين.

كذلك رحلت الروائية والإعلامية ميّ منسي (1939-2019)، التي بدأت عملها في الإعلام منذ نهاية الخمسينيات، وأصدرت "أوراق من دفاتر سجين" (2000)، و"المشهد الأخير" (2002)، و"أنتعل الغبار وأمشي" (2000)، و"قتلت أمي لأحيا" (2018) وغيرها.

كما رحل أيضاً الفنانان وليم حسواني (1933 - 2019) الذي مثّل في مسرح الأخوين رحباني، ورفيق نجم (1953 - 2019) الذي شارك زياد الرحباني عدّة أعمال.

دلالات