أميركا 2019: عنصرية الإدارة وحروبها

31 ديسمبر 2019
الصورة
(من معرض "مسرح العمليات"، Getty)

لم يكن أحد أبرز الأحداث الثقافية للعام 2019 حضوراً، بل غياباً لواحدة من أهمّ الروائيين الأميركيين، توني موريسون (1931- 2019)، التي رحلت في شهر آب/ أغسطس. كانت موريسون أوّل أميركية من أصول أفريقية تحصل على "جائزة نوبل للآداب" عام 1993، عن مجمل أعمالها الأدبية. موريسون التي كتبت عن معاناة السود في الولايات المتحدة والعبودية والحب والعدالة الاجتماعية وغيرها، لم تغازل النخب الأميركية ورأت أنه من الضروري أن يكون المبدع ملتزماً سياسياً وغير صامت. فسجّلت في أكثر من مناسبة مواقف سياسية واضحة لما يحدث في بلادها، ولم تساوم في دعم شعوب أخرى تعاني من الاضطهاد، حيث وقعت صاحبة "محبوبة" و"أشد العيون زرقة" على عريضة، مع عدد من الكتاب والمثقفين العالمين، من بينهم المفكر الأميركي نعوم تشومسكي والأديب البرتغالي خوسيه ساراماغو، عام 2006 تدين ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحقّ الشعب الفلسطيني. ولم تعش موريسون لتشهد الرئيس الخامس والأربعين، كما كانت تسمّي دونالد ترامب، يخرج من الحكم.

يستمر الجدل حول الرجل وتصريحاته وما يقوم به من تضييق على الفقراء والمهاجرين والأقليات وتستمر الانتقادات لسياساته من قبل فنانين ومثقفين في وقت يعيش البلد فيه نوعاً من الإنهاك الإعلامي. ولعل "الرابح" الأكبر هم الكوميديون الذين لا يتوقفون عن استخدام أفعاله وتصريحاته كمواد دسمة لاسكتشاتهم. واستمرت حركة (أنا أيضاً) MeToo#، بحصد التفاعل والنقاش في الإعلام كما في الأعمال السينمائية.

ومن أبرز الأعمال التي تصدّت لتناول القضية فيلم "Bombshell" "مفاجأة مذهلة"، الذي بدأ يعرض أخيراً في الصالات الأميركية. يتناول الفيلم قصة ثلاث صحافيات عملن في "قناة فوكس نيوز". ويسلّط الفيلم الضوء على التحرّش الجنسي والتهديد الذي تعرّضن له من قبل روجر إيلز، مؤسّس المحطة ومدير شبكتها حتى إقالته عام 2016، بعد شكاوى ضدّه قدّمتها 23 امرأة عملن في المحطة. وكان إيلز مستشاراً إعلامياً لعدد من الرؤساء الأميركيين، من بينهم ريتشارد نيكسون ورونالد ريغان وجورج بوش الابن ودونالد ترامب.

ويبدو أن الفيلم لاقى عموماً استحسان النقّاد على مستوى التمثيل. إلا أن البعض يأخذ على الشركة المنتجة أنها استعانت بالذكور (جاي روتش في الإخراج وتشارلز راندولف في التأليف)، بدلاً من الاستعانة بأصوات نسائية تتحدّث عن قصص تلك النساء. ويتهم البعض هوليوود بأنها تحاول ركوب موجة MeToo#، وإنتاج أفلام تلقى رواجاً وتحصد مردوداً مالياً دون أن تفتح المجال للمخرجات النساء أو كاتبات السيناريو لريادة هذه الأفلام.

سينمائياً كذلك، عادت هوليوود في عدد من الأفلام إلى ثيمات قديمة كالأفلام التي تناولت المافيا الإيطالية وغيرها من المافيات في الولايات المتحدة مع فيلم "الأيرلندي" للمخرج الشهير مارتن سكورسيزي، والذي يستغرق أكثر من ثلاث ساعات وكلفته أكثر من 159 مليون دولار أميركي، وبهذا يصبح أطول وأغلى فيلم أخرجه سكورسيزي.

ويضمّ الفيلم عدداً كبيراً من نجوم هوليوود، أبرزهم روبرت دينيرو وآل باتشينو. وفي حنين هوليوود إلى زمنها الضائع، ظهر هذا العام كذلك فيلم "لكوينتن تارانتينو" من بطولة ليوناردو دي كابريو وبراد بيت تحت عنوان "حدث ذات مرة في هوليوود". وصلت كلفة الفيلم إلى تسعين مليون دولار، وحصد حتى الآن في شباك التذاكر أكثر من 370 مليون دولار.

ومن هوليوود وأفلامها إلى المعارض الفنية في نيويورك، ولعلّ أبرزها المعرض الضخم الذي أقامه "متحف بروكلين" في نيويورك للفنانة المكسيكية فريدا كالو (1907-1954). واحتوى المعرض على قرابة 350 قطعة تتعلّق بحياتها، من ملابس وصور فوتوغرافية ومقتنيات، بالإضافة إلى أعمال فنية لها.

وكان هذا المعرض الثالث من نوعه في العالم حول كالو حيث سبق وأقيمت معارض مشابهة في كل من لندن والمكسيك. وعلى الرغم من أهميته إلا أن المعرض وقع في فخّ التركيز على حياة فريدا كالو وتفاصيلها ومقتنياتها وملابسها، والتي لعبت جميعها دوراً مهماً في سيرتها وفنها، لكن ذلك جاء على حساب عرض أعمالها. كان هناك عدد بسيط جداً من اللوحات الفنية مقارنة بالصور والملابس والمقتنيات الشخصية، وهو ما همّش بشكل ما أعمالها الفنية المعروضة.

وفي نيويورك أيضاً، افتتح معرض ضخم في متحف "MOMA PS1" حول العراق تحت عنوان "مسرح العمليات: حروب الخليج 1991 – 2011". وهذا هو المعرض الأول من نوعه في الولايات المتحدة بهذا الحجم حول العراق وحروب أميركا هناك، ويستمر حتى الأول من آذار/ مارس المقبل، ويحتوي على أكثر من أربعمئة عملٍ لأكثر من ثمانين فناناً، قرابة الثلثين منهم من العراق والولايات المتحدة، والبقية من بلدان مختلفة.

وتنوّعت الأعمال المعروضة ليس فقط من حيث الأجناس والوسائط المستخدمة: فيديو وصور، ومنحوتات، ورسومات والدفاتر الفنية، بل كذلك في مستواها الفني. كما يعرض على هامش المعرض عددٌ من الأفلام السينمائية المتعلقة بالعراق لمخرجين عراقيين وغير عراقيين. ويأتي المعرض في وقت مهم من حيث التطوّرات على الأرض والانتفاضة التي يشهدها العراق منذ شهرين تقريباً، والتي لم تلق حتى الآن الاهتمام اللازم في الإعلام الأميركي، على الرغم من مقتل قرابة خمسمئة عراقي وجرح حوالي 19 ألفاً آخرين، بحسب أرقام "الأمم المتحدة".

وفي الكتب، حصلت روائيتان على "جائزة الكتاب العربي الأميركي" للعام 2019، وهي جائزة تمنح في عدد من الفئات، الأدب والشعر والبحث، لكتب صادرة في الولايات المتحدة لكتاب أميركيين من أصول عربية أو لكتب تتناول حياة العرب الأميركيين أو متعلقة بالشرق الأوسط. وفازت عن فئة الأدب لينا محمود (من أصول فلسطينية)، عن روايتها "أميركية"، والكاتبة تشيرلي رعد (من أصول سورية)، عن روايتها "أز غود أز ترو".

صادف أن تركّز كل منهما على مواضيع تتعلق بالظلم الاجتماعي الذي يلحق بالنساء، من الزواج المبكر إلى العنف الزوجي. وحصل الشاعر والمترجم الفلسطيني فادي جودة على الجائزة في فئة الشعر عن ديوانه "Footnotes in the Order of Disappearnce". وفي حقل الجوائز أيضاً، قدمت جائزة "الكتاب الوطني الأميركي" للسنة الثانية في فئة الترجمة. ووصلت ترجمة ليري برايس لرواية السوري خالد خليفة "الموت عمل شاق"، والتي صدرت بالعربية عام 2016 عن "دار نوفل" في بيروت، للقائمة القصيرة.

وصدر عدد من الروايات المترجمة من العربية عن دور النشر الأميركية، ومن بينها "الجليد" لصنع الله إبراهيم (2011)، بترجمة مارغريت ليتفين عن دار "سيغل". كما صدرت ترجمة رواية "فهرس" للعراقي سنان أنطون (2016)، عن دار نشر جامعة "ييل" بتوقيع جوناثان رايت. كما صدرت "السبيليات" للروائي الكويتي إسماعيل فهد إسماعيل، منشورات "انترلينك" بترجمة صوفيا فسالو.

ومن بين الكتب التي تتناول قضايا متعلقة بالشرق الأوسط والعالم العربي عام 2019، تجدر الإشارة إلى كتابين، الأول للأكاديمية والحقوقية في مجال القانون الدولي وحقوق الإنسان نورا عريقات، وهي أستاذة في "جامعة روتغرز" في الولايات المتحدة، بعنوان "عدالة للبعض: القانون والقضية الفلسطينية" (دار نشر جامعة ستانفورد)، تتناول فيه القضية الفلسطينية والقانون الدولي من منظور مختلف، وتحاول في مقاربتها إثبات أنه يمكن استخدام القانون الدولي بشكل استراتيجي يساعد على النهوض بالقضية الفلسطينية، وقضايا دولية ذات أهداف تحررية وعادلة. الكتاب الثاني هو "رجال الحجر: الفلسطينيون الذي بنوا إسرائيل"، وصدر عن "منشورات فرسو" بتوقيع آندرو روس، الأستاذ في "جامعة نيويورك". يتناول الكتاب تاريخ وسبل عيش عمال حجارة البناء الفلسطينيين الذين بنوا معظم المساكن بعد نكبة فلسطين واحتلال بقية أراضيها عام 1967، ويتعمّق في الإرث الحرفي الغني وقطاع تصدير الحجر الجيري الفلسطيني عالمياً الذي لا نسمع عنه في ظل ما يدور في فلسطين من مصادرة أراض واضطهاد وقتل واستمرار الاحتلال.