السودان 2019.. التغيير في فصله الأول

30 ديسمبر 2019
الصورة
سودانيون في حداد على مقتل متظاهرين، 2019 (أشرف شاذلي)
+ الخط -

تميّزت الاحتجاجات الشعبية السودانية، منذ اندلاعها في التاسع عشر من ديسمبر/كانون الأول 2018، عن بقية الحراكات التي شهدتها وتشهدها بلدان عربية ضمن موجتَين (في 2011، وحالياً) بكون الجسم الأساسي الذي قاد المحتجّين وبلور مطالبهم كان من النقابيّين والعمّاليين الذين انضووا تحت مظلّة "تجمُّع المهنيّين السودانيّين".

التجمُّع الذي تأسّس منذ قرابة سبعة أعوام مكوّناً من ثلاث نقابات، ليضمّ اليوم أكثر من سبع عشرة نقابةً، قدّم مقاربات وخططاً صاغتها المصالح المشتركة ضمن الحدود المتّفق عليها من قبل أعضائه، ما انعكس على رؤية وبرامج "تجمُّع التشكيليّين"، و"‫تجمُّع الدراميّين"، و"اتحاد الكتاب"، وغيرها من التجمّعات التي عبّرت عن فهم متقدّم للديمقراطية يشارك فيها النقابيّون في رسم التشريعات التي تعني قطاعاتهم، سعياً للحصول على مكاسبهم في التنمية، وحماية حقوقهم وحرياتهم.

قَدّمت هذه النقابات مقاربات سابقة على مثيلاتها العربية التي يعود إنشاء بعضها إلى ما يزيد عن قرنٍ، ورافق ذلك بالطبع تنظيم فعاليات وأنشطة تُعدّ بالمئات، برزت خلالها فنون الشارع بعناصر شبابية ومضامين ذات سقوف عالية، بعد ثلاثة عقود هُمّشت خلالها الآداب والفنون في الخرطوم وبقية المدن السودانية، باستثناء أنشطة لبعض المراكز الثقافية الأوروبية.

تزامن ذلك مع رفض أغلبية الفاعلين في المشهد، بقاء وزارة الثقافة التي اعتبروا أنَّ وظيفتها تنحصر في ترضية المبدعين وتجميل صورة السلطة، وخرجت العديد من الدعوات التي تستند إلى أوراق عمل مكتوبة، مطالبةً بإنهاء الوصاية على الإبداع والفكر، والتي لا يبدو تنفيذها سهلاً، بالنظر إلى القلق الذي عبّر عنه العديد من المثقّفين السودانيّين حول مقاومة شديدة تُبديها قوى الثورة المضادة في الوزارة ومعظم مفاصل الدولة.

من جهة أخرى، عادت المراكز الثقافية التي أُغلقت خلال السنوات التي سبقت قيام الاحتجاجات مثل "مركز الدراسات السودانية"، و"بيت الفنون"، و"مركز علي الزين الثقافي"، و"مركز الخاتم عدلان للاستنار"، والتي يُتوقَّع منها تقديم إضافة نوعية بعدما انشغلت طوال عقد مضى بالملاحقات القضائية والأمنية والتضييق على أنشطتها والمنتسبين فيها.

كما عاد بعض المثقّفين من منافيهم التي امتدت لسنواتهم إلى بلادهم، ومنهم الكاتب المسرحي والروائي فضيلي جماع، الذي أقام في لندن بعد خروجه متخفّياً من البلاد في صيف 1990، واستقبل الحراك أيضاً الكاتب البراق النذير الوراق المقيم في أمستردام، والذي كتب بيانات "تجمُّع المهنيّين السودانيّين" طوال أشهر الاحتجاج من دون أن يوقّعها باسمه، ويُتوقَّع أيضاً عودة عشرات الفنّانين والكتّاب من الخارج.

وشهد العام الجاري عدداً من الإصدارات البارزة، التي تحظى الرواية والقصّة بنصيب كبير منها؛ إذ استطاع عددٌ من الكتّاب السودانيّين تكريس تجاربهم على المستوى العربي خلال السنوات القليلة الماضية، منها المجموعتان القصصيّتان "زوج من أجل اجاك الطويلة" لعبد العزيز بركة ساكن، والتي تتناول التحوّلات الاجتماعية في شمال السودان وجنوبه بعد انفصالهما، و"أيام الخرطوم الأخيرة" لحسام هلالي، والتي تصوّر وقائع هامشية في الحياة اليومية للسودانيّين، ضمن أجواء من العبث والغرائبية.

كما صدرت روايتا "الغرق" لحمور زيادة التي تدور حول الصراع بين "المستعبدين" و"أسيادهم" في قرية سودانية، و"مامبا سوداء" لأسامة رقيعة، والتي تدور أحداثها في عالم الجن الذي يلج أحد أفرداه عالم البشر، لتبدأ التأمّلات الفلسفية للقوانين والشرائع التي تحكم العالَمَين.

وصدرت، أيضاً، مؤلّفات في مجالات أخرى تنشغل بالراهن، من بينها كتاب "الدولة المدنية السودانية.. تحدّي الوعي ورهان التعليم" لأحمد عوض البشير، والذي يناقش سياقات بناء الدولة الوطنية منذ الاستقلال إلى اليوم، وكتاب "السودان المعاد روايته"، وهو مؤلّف جماعي يسعى إلى إعادة كتابة وقائع تاريخية من خلال حضورها الفني والثقافي.

مشهدٌ مختلف لم تظهر منه سوى فصوله الأولى، ولا يزال محكوماً بمآلات التغيير الذي تحدّده عوامل متعدّدة، في مقدّمتها تحرير الثقافي من السياسي وتوظيفاته؛ إذ ليس خافياً أنَّ قوى كثيرةً تسعى لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، بغيةَ احتكار السلطة والثروة، وقبلهما الوعي والمعرفة.

المساهمون