قطر 2019: الثقافة تواصل أشغالها

02 يناير 2020
الصورة
(من معرض "عادِيات الشمس" لـ مقبول فدا حسين)
+ الخط -

كلّما نُشرت تسريبات أو تحليلات عبر وسائل الإعلام عن قرب المصالحة بين الدوحة وعواصم المقاطعة الخليجية، وآخرها حين شاركت منتخبات هذه العواصم في بطولة "كأس الخليج العربي" التي اختتمت دورتها الأخيرة في قطر مطلع الشهر الماضي، تأكّدت مسألتان أساسيّتان.

الأولى أن الحصار المفروض منذ حزيران/ يونيو عام 2017 لم يحقّق أياً من أهدافه العدوانية التي وضعتها السعودية والإمارات والبحرين ومعها نظام السيسي، في مختلف المجالات، ومنها الثقافة، التي راكمت إنجازات نوعية تلازمت مع انفتاح أكبر على المشهد العربي والعالمي.

الثانية تتمثّل في سقوط الذرائع التي زعمتها هذه الأنظمة في تسويغ حصارها، والتي سعت أن تنضمّ إليها حكومات عربية وإسلامية أخرى، إلا أنها أخفقت في التأثير عليها. وتزامن ذلك مع اندفاع غير مسبوق من قِبل أبوظبي والرياض نحو توثيق علاقاتهما مع الكيان الصهيوني، والتهيئة لفرض "صفقة القرن" التي تعني التنازل عن أهم الحقوق العربية، وفي مقدّمتها القدس وعودة اللاجئين.

في هذا السياق، تَواصل التطبيع الثقافي السعودي مع افتتاح فيلم "المرشّحة المثالية" للمخرجة السعودية هيفاء المنصور "مهرجان سينما المرأة" الذي انطلق في "إسرائيل" الشهر الماضي، وسبق ذلك بأيام الكشف عن تعاون مؤسّسات حكومية سعودية مع شركات إسرائيلية لترجمة وثائق وتقارير رسمية من العربية إلى الإنكليزية وبالعكس.

وكانت وسائل إعلام عبرية قد كشفت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن مبادرة تقدّمت بها تل أبيب إلى عواصم خليجية لتطبيع العلاقات معها، والتي أتت بعد عدّة لقاءات جمعت مسؤولين وأمنيّين من كلا الطرفين خلال العام 2019 للتوافق على بنودها.

مقابل ذلك، نشطت مبادرة "شباب قطر ضد التطبيع" التي أصدرت عدّة بيانات أدانت فيها مشاركة وفود إسرائيلية في العديد من التظاهرات، سواء في الدوحة أو في عواصم خليجية أخرى، مؤكّدة أنها "ترفض التطبيع مهما تعدّدت أشكاله وتكرّرت محاولاته، ويبقى سلوكاً مداناً وجريمة غير مبرّرة يرفضها كلّ عربي ومسلم".

من جهة أُخرى، افتتحت السنة الماضية بالبدء في المرحلة الثانية من "معجم الدوحة التاريخي للغة العربية"، الذي أطلقه "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، وتغطّي الفترة من القرن الثاني إلى الرابع هجري، وهي مرحلة تُعدّ الأخصب لغوياً وعلمياً في تاريخ الحضارة العربية؛ حيث شهدت ظهور العلوم والمصطلحات في العديد من مجالاتها، مع ازدهار حركة الترجمة من الحضارات الأخرى.

متحف قطر الوطنيكما عقد المركز في الدوحة أعمال الدورة السابعة من "مؤتمر العلوم الاجتماعية والإنسانية" في آذار/ مارس الماضي، والتي تناولت إشكالية مناهج البحث، بمشاركة اثنين وسبعين باحثاً، وأعلن أيضاً عن تأسيس دورية جديدة باسم "حِكامة" في مجالي الإدارة العامة والسياسات العامة، سيصدر العدد الأول منها صيف عام 2020، والتي تأتي في محاولةٍ لسدّ فجوة معرفية خلّفها عدم الالتفات إلى هذا المجال البحثي نتيجةَ ارتهان الأنظمة الإدارية في معظم البلدان العربية لنماذج غربية، وغياب التفكير باستراتيجية وآليات مستقلّة لإدارة المؤسّسات العامة.

ونظّم "معهد الدوحة للدراسات العليا" عدّة تظاهرات، منها خلال العام الماضي، الندوة العلمية الدولية بعنوان "العربية بين اكتساب المعرفة وإنتاجها: مقاربة استشرافية"، ومؤتمر "المؤرخ العربي ومصادره"، الذي انعقد بالتعاون مع "مجلة أسطور" المحكّمة المتخصّصة في الدراسات التاريخية التي يصدرها "المركز العربي"، ومؤتمر "المدارس الفنية: تاريخ ومآلات"، بالشراكة مع "متحف: المتحف العربي للفن الحديث"، وكذلك ملتقى "القيادة في التاريخ الاجتماعي والسياسي العربي الإسلامي ما قبل الاستعمار: الأسس والتمثّلات الاجتماعية، والمرجعيات الثقافية، والنماذج".

وشمل "العام الثقافي قطر - الهند 2019" برنامجاً نوعياً ومكثّفاً تضمّن عدّة معارض، منها "مقبول فدا حسين.. عاديات الشمس"، الذي يستعيد تجربة الفنان الهندي (1915 - 2011)، و"مجموعة رقص ميديا: تبقى عوالم أخرى"، الذي يحمل اسم الفرقة التي تزاوج بين البحث النظري وممارسة الفنون وتتخذ من نيودلهي مقرّاً لها، و"قطر والهند والخليج: التاريخ والثقافة والمجتمع"، الذي يستكشف أبعاداً متعدّدة للصلات الاقتصادية والسياسية والثقافية، والتأثير اللغوي المتبادل بين الجغرافيتين الخليجية والهندية.

وفي الثامن والعشرين من آذار/ مارس، افتتح "متحف قطر الوطني"، والذي اعتبر تحفة معمارية ويضمّ قرابة ثمانية آلاف قطعة، تشمل مقتنيات وعناصر معمارية وقطعاً تراثية، إلى جانب منسوجات وأزياء ومجوهرات وزخارف وكتب ووثائق تاريخية ومخطوطات، تتوزّع المجموعات على ثلاث حقب زمنية؛ الأولى تعود إلى نهاية العصر الجليدي الأخير، والثانية تمثّل العصر البرونزي، والثالثة تعود مقتنياتها إلى العصر الهلنستي وبدايات العصر الإسلامي.

واحتضنت الدوحة أعمال الفنان الغاني إل أناتسوي (1944)، في معرضه "مستوى النصر"، الذي يُقام حالياً في "متحف: المتحف العربي للفن الحديث"، ويضمّ منسوجات ومنحوتات خشبية تتناول النظام اللغوي الذي عرفته القارة السمراء من دون تقاليد كتابية (أبجدية) في عملية استرجاع ثقافي مضاد لإرث الكولونيالية.

بموازاة ذلك، أقام "الملتقى القطري للمؤلّفين"، الذي انطلق في كانون الأول/ ديسمبر 2018، جملة نشاطات تفاوتت في مضامينها ومستواها، مثل "جهود كوسوفو في تعزيز الثقافة العربية من خلال الترجمة"، و"المدونة السردية في قطر: إشكاليات تاريخية وقضايا فنية"، إلى جانب جلسات خاصة بأدب الأطفال تواصلت على مدى شهرين، بالتزامن مع الدورة الثامنة لـ"جائزة الدولة لأدب الطفل"، وجلسة نقدية حول الرواية التاريخية.

وأعلنت "جائزة الشيخ حمد للترجمة والتفاهم الدولي"، أسماء الفائزين في دورتها الثالثة ضمن فئتين: الأولى باسم "جائزة الترجمة"، وهي في أربعة فروع، والثانية "جائزة الإنجاز"، من وإلى خمس لغات شرقية، هي: الأردية، والصينية، والفارسية، والماليبارية، واليابانية. وناقش المؤتمر، الذي يتزامن مع الإعلان عن الفائزين بالجائزة في دورتها الخامسة، مجموعة من المحاور، هي: "إشكالات الترجمة العربية/ الروسية، والترجمة وإشكالات الانتحال وحقوق الملكية الفكرية"، و"الترجمة بين دقة المفردة/ المصطلح ومقروئية/ سلاسة النص والتحدّي الثقافي للغة الهدف"، و"إشكالات الترجمة في الإسلاميات: مصطلحات الهوية الحضارية ومفاهيمها".

أما "معرض الدوحة الدولي للكتاب" فقد استبدل موعد افتتاحه من أواخر تشرين الثاني/ نوفمبر من كلّ عام، لتنطلق فعاليات دورته الثلاثين في التاسع من كانون الثاني/ يناير الجاري.

المساهمون