كتّاب وباحثون يتحدّثون عن قراءاتهم في 2019

02 يناير 2020
الصورة
("كتاب الأحلام"، عمل تركيبي لـ أنك غولدنبرغ)
رغم أن مسألة اختيار الكتب المفضلة مرتبطة بالمزاج الشخصي والقرائي، لكن معرفة ماذا يقرأ الكتّاب وماذا يعجبهم من إصدارات تظلّ أمراً مثيراً للفضول. لذلك كثيراً ما تطالعنا الصحف بقوائم الكتب المفضّلة لهذا الروائي أو ذلك المفكّر، كما أنه يكاد أن يكون السؤال المفضل للصحافيين عند مقابلة أحد المبدعين، وجرت العادة أن يوجّه السؤال إلى الكتّاب في آخر السنة، لنلفت النظر إلى إصدارات بارزة خلال السنة التي غادرتنا.

الباحثة الأكاديمية ياسمين ضاهر اختارت كتاب "عوالم الإسلام: براغماتية دين" لمحمد بامية، الصادر عن "منشورات أوكسفورد" للعام الحالي، وتقول: "يُقدِّم الكتاب من خلال القراءة التاريخية والبحث السوسيولوجي زاوية نظر مغايرة للمعتاد عن الإسلام، فهو لا ينبري ليدافع عن الإسلام بادعاء توافقه مع الديمقراطية أو حقوق الإنسان أو النسويّة، والتي أصبحت حججاً معروفة في الدفاع عن الدين بالذات أمام الغرب، بل يتجنّب الكاتب كليّة أية محاولة لفهم الدين من خلال قالب محدّد وجوهر ما".

نضيف ضاهر أستاذة الفلسفة في جامعة مونتريال "لا يوجد جوهر للإسلام يُحتّم على أتباع الدين أو على الباحثين سبر غوره، إنما هنالك تجارب لأفراد يفتقدون للغة أخرى يعبّرون بها عن أنفسهم، فيُصبح الدين هو لغتهم، وهنالك حركات تتحدّث باسم الدين وتمارسه مباشرة، ومن خلال التفاعل المباشر تُعيد فهمه وتكوينه، طارحة إياه كأداة براغماتية في مواجهة تحديات الواقع".

كما لفتت ضاهر إلى كتاب "في مديح الحب" لآلان باديو، الذي صدر بالفرنسية أول مرة تحت عنوان éloge de l’amour في 2009، وترِد أهميته لكون الفيلسوف الفرنسي "يُوظِّف أدواته النقديّة ليكتب مانفيستو يدافع فيه عن الحبّ في زماننا. زمن تسوده السرعة، المنفعة والاستهلاك، تَعِدُ فيه وسائل التعارف عن طريق الإنترنت بعلاقات خالية من المخاطر ومن العذاب، ويتم اختزال الحبّ بالرومانسية والعواطف. يدافع باديو عن الحبّ كمشروع وجودي ومسعى دائم للبحث عن الحقيقة: فالعالم ينكشف لاثنين بغير ما ينكشف لواحد. يُشدِّد باديو على أن الحب يستند على المخاطرة وليس على الراحة، ويحوّل المستحيل إلى ممكن، وهو في أصله فرصة لإعادة استكشاف الغيريّة بعيداً عن هواجس الذات والهويّة".

من جهته، يقول الكاتب المصري وليد الخشاب، أستاذ الدراسات العربية، في "جامعة يورك"، كندا، إن أهمّ إصدارين قرأهما خلال 2019 هما رواية شادي لويس "على خط جرينتش" وكتاب جمال عمر "مدرسة القاهرة في نقد التراث والأشعرية". ويوضّح أن رواية لويس الصادرة عن "دار العين" القاهرية "تدفع بدماء جديدة وحيوية تُثلج الصدر في منجز الرواية العربية المعاصرة، وتحديداً في النوع الأدبي الذي تنتمي إليه رواية المنفى، أو الرواية المكتوبة بالعربية لكن تدور أحداثها في الغرب. في إطار ذلك النوع الروائي الأدبي العربي الذي بدأ يترسّخ منذ نهاية القرن الماضي، تتمايز رواية شادي لويس الثانية عن غيرها، بفضل السخرية في الأسلوب والبساطة في اللغة. لا يستسلم شادي لغواية التعقيد في بناء السرد أو إثقال اللغة بالمجازات، بل يكتب ويحكي ببساطة. وهو لا "يشرح" الغرب للقارئ العربي، كما يحدث كثيراً في الروايات العربية التي تدور أحداثها في الغرب.

يضيف: "هو يحكي عن نماذج وعن قضايا تصدم القارئ العربي تحديداً، لأنها مألوفة لديه في الشرق الأوسط، مثل مآسي الفئات المهمشة اجتماعياً من مرضى وعاطلين ونازحين، وعبثية الإدارة البيروقراطية ولاإنسانيتها. لكن هذه البساطة تكتسب تعقيداً في الصنعة وعمقاً في التأثير، بفضل تفوّق الروائي في توظيف السخرية والمفارقة، على النحو الذي برع فيه الروائي المصري الذي ينتمي إلى جيل الستينيات، صنع الله إبراهيم. إن كان صنع الله يسخر من النظام الدكتاتوري باستخدام تقنية العبث، فشادي يستخدم الواقعية المفارقة والمبالغة والفانتازيا بالإضافة للعبث، ليسخر من الاستعمار والعولمة المتوحّشة والتعصّب العرقي والديني، بل ومن المستضعفين أنفسهم، حتى تصير سخريته فلسفة كاملة، لا مجرّد عنصر من عناصر الصنعة الروائية".

وحول كتاب "مدرسة القاهرة في نقد التراث والأشعرية" لجمال عمر، الصادر عن دار "الثقافة الجديدة"، يرى الخشاب أنه "يمثّل أول محاولة منظمة لتحليل الجهد الأكاديمي الحديث في مصر في مجال نقد المنجز الفكري التراثي. يتمايز هذا الكتاب عن غيره من دراسات نقد التراث بدءاً من النصف الثاني من القرن العشرين بوضعه لدراسات حسن حنفي وعلى مبروك وجابر عصفور ونصر حامد أبو زيد في سياق الجهود السابقة عليهم، واختياره لإدراج مجمل هذا المنجز تحت لافتة 'نقد الاتجاه الفكري الأشعري'".

يردف: "كذلك يحمل الكتاب ملمحاً جديداً في دراسته لعلاقة هذا المنجز بمؤسسة الجامعة الحديثة: حيث إن كلّ هؤلاء المفكرين كانوا أساتذة في "جامعة القاهرة". يستعرض الكتاب دور الجامعة كمؤسّسة في نقد التراث، ويُظهر حدود النقد الحداثي الذي تبنّته بوصفه نقداً للمذهب الأشعري (الغالب على فكر الأزهر، الذي يمثّل القطب النقيض للجامعة الحديثة). بل إنه يذهب إلى تحليل العلاقة الجدلية الدينامية بين الجهود القادمة من خلفية قسم الفلسفة في حالة حنفي ومبروك، في مقابل مساهمة قسم الأدب العربي في حالة عصفور وأبو زيد. يبدو الكتاب جزءاً من مشروع أكبر لدراسة نقد التراث في العالم العربي كلّه، يفصّل فيه الباحث مدرسة مشرقية يمثّلها جورج طرابيشي، ومدرسة مغاربية يمثّلها محمد عابد الجابري، بالإضافة على المدرسة المصرية".

بدوره، يقول الكاتب الإرتيري حجي جابر: "استوقفتني مجموعة من العناوين الملفتة هذا العام، لكني لو أردتُ اختيار أقربها إلى نفسي سأجد رواية "الغرق.. حكايات القهر والونس" للروائي حمور زيادة والصادرة عن "دار العين المصرية"، ورواية "عالم منصور" للروائي طاهر الزهراني الصادرة عن "دار مسكلياني التونسية".

ويضيف: "واصل حمور في "الغرق" لعبته الأثيرة في خلق حكايات تنشطر إلى حكايات تنقسم إلى أخرى. اللعبة التي تستبطن ألعابا داخلية يُتقنها حمور تماماً وتقوم على بعثرة الحكايات وتشتيت ترتيبها الزمني من دون أن تفقد منطق الحكي وتقدّمه للأمام، ومن دون أن تعني في الوقت عينه الفوضى وتضييع الخيوط. اتخذ حمور من مجرى النيل مسرحاً لحكاياته/ ألعابه، وكما بقية أعماله لا يمكن لمن ينتهي من النص ألا يعلق بذهنه الشخصيات المنحوتة ببراعة؛ حزن بشير على سكينة بنت البدري وفايت ندو التي لا تريد خرق شروط استثنائها من النبذ، وابنتها عبير التي أمسكت بأحد أهم خيوط القصة وقادتها للنهاية، نهاية الفتاة وتوالد الحكايا في آن. ثم لا أنسى أم فاطمة وهي تنتظر أن يجود النيل بجثّة ابنتها. انتظار مسح النص كلّه برهافة ملفتة".

وعن "عالم منصور" يوضح جابر: "يعود طاهر الزهراني إلى منطقته المفضّلة، الحارة الجداوية، ويختار هذه المرّة شارع بغداد في حي الجامعة بجدة. ومنصور هو نموذج الشاب الذي يرى أحلامه تذوي أمامه واحداً تلو الآخر، لكنه يتمسّك بحلمه الأكبر في كتابة رواية، وكأنه يتقاطع في ذلك مع بطل رواية "الانتباه" لألبرتو مورافيا الذي فقد الأمل في تحقيق ذاته وأحلامه، لكنه كان على يقين أن كتابة رواية واحدة كافية لنقله من مربع الخسارة إلى مربع الانتصار. أحببتُ عالم منصور لأن النص كُتب بحساسية عالية، فضحكت من قلبي لتلك الحوارات العبثية التي يُجريها البطل مع أصحابه، وحزنت لمآله وارتطامه بالحقيقة مرّة تلو أخرى".

بدوره، يلفت الباحث الأكاديمي الأردني مهند مبيضين إلى رواية "من زاوية أنثى" للكاتب محمد العمري والصادرة عن "الآن ناشرون"، ويقول إن العمري: "يبحر في نصّه الروائي في مهاد السرد الذي يرقى بتفاصيل اليومي، ويعيد تركيب المجتمع من جديد، والبطل هو ظافر ابن الريف من قرية تل الورد المخترعة من خيال الكاتب، والذي يهجر القرية ويأتي إلى عمّان، بعد أن يقدّم الروائي قصة احتضان أهالي قرية تل الورد للفدائيين الفلسطينيين، ويقف في لحظة القتال في أيلول الأسود 1970، مستعرضاً القتلى من الطرفين ويجد أنهم قاتلوا معاً عام 1968 في معركة الكرامة عدواً واحداً هو "إسرائيل". نهاية العام 1999 ووفاة الملك حسين وقبلها التحوّلات الاجتماعية في المجتمع الأردني، ودنيا الجامعات الأردنية، وحرب العراق، كلّ ذلك قدّمه محمد العمري بسردية عالية ولغة بسيطة شيقة".

أما الكتاب الثاني الذي يشير إليه مبيضين فهو "مدخل إلى علم اجتماع المخيال" لفالنتينا غراسي، بترجمة محمد عبد النور وسعود المولى، والصادر عن "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات"، وهو بحسب مبيضين: "كتاب لا غنى عنه للدارسين والباحثين في الإنسانيات، يعرض للدراسات المخيالية وتأسيسها ويعاين بلورة علم الاجتماع اليومي وإشكاليات التناول المفاهيمي والظهراتية الاجتماعية وتطوّر المخيال كمفهوم كشفي أساسي في العلوم الإنسانية، وتحاول المؤلّفة إعادة رسم التطوّر العلمي لعلم اجتماع المخيال، بصورة نقدية لا تخلو من تفاصيل التطوّر النظري للمعاني المركبة لهذا العلم المهم الذي قاده لبحث موضوع سوسيولوجيا الحياة اليومية، والواقع اليومي ونمط المعرفة وأخلاقيات الجماليات والشكلانية التصويرية".

من جهته، ينوّه الكاتب المصري شادي لويس إلى كتاب "السعي إلى العدالة" لخالد فهمي (صادر بالإنكليزية في 2019)، ويبين كيف أن فهمي "يستكمل ما بدأه في كتابه الأول "كل رجال الباشا"، بإعادة قراءة تاريخ الحداثة في مصر، وزعزعة كلّ القراءات الراسخة عنها. يركّز كتابه الأول على الجيش، الذي أنشأ الباشا دولته لتخدمه، وعلى طرق التمرّد الواسع والطويل التي لجأ إليها المصريون لمقاومة التجنيد الإجباري والتحايل عليه. أما في "السعي إلى العدالة" فإن فهمي يفحص تلك الدولة نفسها، وموظّفي بيروقراطيتها الواثقين والفخورين، تلك الدولة التي لم تكن بالضرورة موجودة لخدمة عوام المصريين، لكن في ما يبدو أنهم لم يقاوموها، بل على العكس بذلوا كلّ جهد ممكن كي يوظّفوها بشتى الطرق لخدمتهم، سعياً إلى العدالة، كما يقول فهمي في خاتمة كتابه، وإلى "العيش في سلام، والموت بكرامة". وفي سبيل ذلك، يقدّم قراءة للتاريخ من أسفل، غير معنية بالأحداث الكبرى وشخصياتها، بل باليومي والحميمي والتفصيلي والدقيق".

كما يشير لويس إلى كتاب "في أثر عنايات الزيات" لإيمان مرسال، الذي صدر مؤخراً ضمن سلسلة "بلا ضفاف" عن دار "الكتب خان"، إذ يرى أن مرسال "تقدّم نصاً حراً يقف على تقاطعات الصنوف الأدبية، السيرة الذاتية والتاريخ الأدبي والرواية والشعر مع البحث الاستقصائي، لتروي سيرة الزيات من داخل حكايتها هي، وسيرتها من داخل حكاية الزيات، بلمحات من تاريخ المرض النفسي والانتحار والنساء والأمومة، وتقاطع كلّ هذا مع الأدب والسياسة. لا تأتي فرادة الكتاب فقط من تصنيفه المراوغ عمداً، بل أيضاً من أنه يقدّم نموذجاً للنسيان والنبش في الذاكرة الأدبية واستحضار المهمل والهامشي، لا بدافع اكتشاف كنز منسي، بل مساءلة آليات النسيان والقمع نفسها وطرائق عملها، وربما لمحة حول طرق مقاومتها".

القاص الأردني نبيل عبد الكريم أشار إلى روايتين صدرت ترجمتهما العام الماضي، الأولى "جنتلمان في موسكو" لمؤلفها آمور تاولز، معلقاً إن الروائي الأميركي "يفتح في هذه الرواية صفحة مهمة من صفحات تاريخ روسيا الحديث، هي الصفحة التي انتقلت فيها روسيا من العصر القيصري إلى العصر البلشفي مطلع القرن العشرين. وتصور الرواية عبر شخصية بطلها الكونت ألكساندر روستوف التحولات الدراماتيكية المبكرة التي أحدثتها الثورة البلشفية في روسيا. وبرغم من أن عالم الرواية محدود من الناحية المكانية بجدران فندق "المتروبول" الموسكوفي الفاخر الذي يفرض البلاشفة على الكونت روستوف الإقامة الجبرية فيه، إلا أن الروائي استطاع أن ينقل الأحداث كلها إلى داخل الفندق، جاعلاً من الكونت روستوف شاهداً على الدولة الآخذة بالتشكل ويقودها العمال والفلاحون".

يكمل عبد الكريم "نجا الكونت روستوف من الإعدام بفضل قصيدة وحيدة غامضة كتبها الكونت روستوف قبل الثورة، ورأى فيها قاضي محكمة الثورة تعريضاً بالعهد القيصري، فكانت القصيدة على علّاتها، طوق النجاة للكونت روستوف الذي لم يكن منحازاً للثورة بحكم خلفيته ومصالحه الأرستقراطية. ويجد الكونت روستوف نفسه وقد أصبح شاهداّ يوثّق، من خلال تجواله في أرجاء الفندق الكبير، معالم تاريخ قديم يمّحي، ومعالم تاريخ جديد يكتب. وأكثر ما يميّز الرواية أنها لا تبدو منحازة لإي من التاريخين، وإنما تنقل الحقيقة العارية للتاريخ الذي لا يبقي شيئاً على حاله".

أما الرواية الثانية فهي "جوستين" لمؤلفها الماركيز دي ساد، والتي يصفها بأنها "كلاسيكية تنتمي إلى عصر النقاش الأخلاقي الذي ساد عوالم الفكر والأدب والقانون في القرن التاسع عشر، وآذن بتحرر إنسان القرن العشرين من سطوة المعايير الأخلاقية الدينية القائمة على ثنائيات الرذيلة والفضيلة، والخير والشر. والرواية تُدين النفاق الاجتماعي ونوازع الشر المتأصلة في الإنسان، وميل الشرائع الاجتماعية إلى نصرة القوي في استقوائه على الضعيف، خصوصاً المرأة".

ويتابع: "هذه الرواية التي تنقد بقسوة المجتمع الشرير المتفسخ الذي يرسمه دي ساد ويفضح المرتبة الدونية للمرأة فيه، قد يكون وضع هذه الروايه في متناول القارئ العربي في الوقت الحالي ضرورياً لطرح الأسئلة الصريحة والمباشرة حول موقع المرأة في المجتمعات العربية، وإلى إي مدى نجحت الرواية العربية في تناول قضية المرأة بالمستوى نفسه من الصراحة والشجاعة الذي بلغه الماركيز في روايته".