فرصة لن تتكرّر

فرصة لن تتكرّر

26 أكتوبر 2016
الصورة
+ الخط -
فتحت الانتخابات البرلمانية في المغرب، أخيراً، الفرصة لمعاودة تجريب انتقال ديمقراطي سلس، يخرج البلاد من حالة التردّد التي يعيشها بين الاختيارين، الديمقراطي والسلطوي ... إليكم بعض عناصر هذه الفرصة السياسية، لإعادة إطلاق دفعة جديدة من الإصلاحات السياسية التي من شأنها أن تقرب المملكة من نادي الديمقراطيات الحديثة.
أولاً، فشل الرهان على حزب الدولة (الأصالة والمعاصرة) في الوصول إلى المرتبة الأولى في انتخابات السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الجاري، على الرغم من المنشطات القوية التي حقن بها هذا الحزب، وعلى الرغم من الإمكانات الضخمة التي وضعت بين يديه، وعلى الرغم من استعانته بالمال السياسي ورجال السلطة. هذا معناه أن رهان الدولة على حزبها فشل، فيما صوّت الناس لأحزاب المجتمع، وفي مقدمتها حزب العدالة والتنمية، والنتيجة أن المواطنين لم يعودوا يقبلون من الدولة أن يكون لها حزب، ولم يعودوا يقبلون من السلطة أن تعين من يحكم بدلاً عنهم، إنها واحدةٌ من أقوى رسائل الانتخابات البرلمانية أخيراً.
ثانياً، استعملت وزارة الداخلية المغربية كل الوسائل التي بيدها لتغيير نتائج الاقتراع، والتأثير على إرادة الناخبين، وصناعة خريطةٍ انتخابيةٍ لا تتطابق مع الخريطة السياسية، لكنها فشلت في مسعاها هذا، واتجه حوالي مليوني ناخب إلى إعطاء أصواتهم لحزب العدالة والتنمية (إسلامي معتدل)، الذي قدّم نفسه للناخبين باعتباره حزباً نظيف اليد، وليس طويل اللحية، على الرغم من قلة إنجازاته وضعف كوادره، لكنه حزبٌ كانت له الشجاعة، ليحافظ على استقلالية قراره، وليقول للناس الحقيقة، وليتطور فكرياً وأيديولوجياً، ليصبح أقرب إلى الحزب المحافظ الذي يقبل بالقواعد الديمقراطية منه إلى حزبٍ أصولي منكفئ على نفسه ومتخاصم مع عصره.
ثالثاً، المغرب بلاد لا نفط فيها ولا غاز، ولا يفصلها عن أوروبا إلا بحر أبيض متوسط، عرضه 12 كيلومترا، حيث يشاهد المغربي من مدينة طنجة أضواء السيارات ليلاً في الجنوب الإسباني. ويختفي هذا القرب الجغرافي عندما نتحدّث عن نمط عيش المغاربة الذين يتطلعون إلى أوروبا، ثقافةً واقتصاداً وتكنولوجيا وديمقراطيةً. ولهذا، ليس أمام النظام السياسي اختيارات كثيرة على مستوى نمط الحكم سوى الملكية البرلمانية التي تلعب دور الحكم بين الفرقاء، ولا تتدخل سوى لتسهيل تدفق حركة السير على طريق التناوب على السلطة، خصوصاً أن التيار الغالب الآن في المجتمع يؤيد أطروحة رئيس الحكومة، عبد الإله بنكيران، التي تقول بالتغيير في ظل الاستقرار، وبإصلاح النظام عِوَض هدمه والدخول في متاهات جديدة للبحث عن بديل.
رابعاً، الخريف العربي إلى زوال، وفي السنوات المقبلة، ستظهر موجةٌ جديدةٌ من الحراك الديمقراطي في العالم العربي، فالإرهاب الذي خدم الاستبداد، وأخاف المواطنين من التغيير، وجعلهم يفضلون الأمن على الديمقراطية، في انحسار (داعش تذوب كل يوم في العراق وسورية وليبيا)، والانقلاب في مصر الذي شكل رأس الحربة في إطاحة الربيع العربي لم ينجح، ونظامه يقترب كل يوم من الانهيار، على الرغم من أن دول الخليج مولته، فأصبح أغلى انقلابٍ في تاريخ البشرية، والسعودية التي كانت تقود معسكر الحساسية من الديمقراطية تراجع نفوذها في الإقليم، بسبب تخلي أميركا عنها، وبسبب متاعبها في اليمن، وبسبب نزول أسعار النفط، وصدور قانون "جاستا" الذي يبتزّها بدعوى تحميلها المسؤولية المدنية عن أحداث "11سبتمبر".
يواجه النظام العربي الحالي وسيواجه ندرة موارد حادة في السنوات المقبلة، ستعمق من عجز الشرعية لديه، وتحدّ من قدرته على قمع شعبه، والتحكّم في التيارات الإصلاحية داخله. ومن ثم ستعود الاحتجاجات والمظاهرات والمطالب الإصلاحية إلى الميادين الرئيسية في جل الدولة العربية بنفسٍ ثوري أكثر. وعلى المغرب إذا أراد أن يكون (استثناءً حقيقيا) في وسط محيط عربي مضطرب، أن يتصالح مع الديمقراطية، حتى يلمس المغاربة أثار التغيير في حياتهم اليومية، ويروا أن الدولة أصبحت في خدمتهم، وليسوا هم في خدمتها.