أوراق البنتاغون

أوراق البنتاغون

31 يناير 2018
الصورة

من فيلم ذا بوست (يوتيوب)

+ الخط -
في قاعة مغلقة جمعتهما، تسأل مالكة صحيفة واشنطن بوست، كاثرين غراهام، رئيس التحرير الأشهر للصحيفة العريقة، بن برادلي: ما هي عواقب نشر أوراق البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) التي تفضح أسراراً في حرب فيتنام؟. فيرد بصراحة ووضوح: السجن والإفلاس، يا سيدتي. كل طاقم المحامين التابعين للصحيفة ينصحون بعدم نشر هذه الوثائق التي تكشف 30 سنة من الأكاذيب الحكومية على الشعب، خصوصاً بعد صدور قرار من المحكمة يوقف النشر الذي بدأته صحيفة نيويورك تايمز.
هنا تقف الناشرة غراهام شامخة، وتقول بلا تردد: ما فائدة صحيفة إذا لم تنشر ما يهم الأميركيين؟ ولماذا تصلح الصحافة إذا خافت سلطة السياسيين في البيت الأبيض، وتخلت عن دورها؟ انشر الأوراق على مسؤوليتي. وغداً إذا أقفل الرئيس هذه الصحيفة، أو ذهبنا إلى السجن، فلن يلومنا القارئ على شيء، لكن الجمهور سيلومنا غداً إذا عرف أنه كانت تحت أيدينا معلوماتٌ تهم دماء أبنائه وأموال ضرائبه، ولم ننشرها.
الحوار أعلاه حقيقي، وإن كان في قالب درامي من "ذا بوست"، الفيلم الجديد للمخرج الأميركي العبقري ستيفن سبيلبيرغ، وبطولة ميريل ستريب التي جسدت دور كاثرين غراهام، مالكة صحيفة واشنطن بوست، وتوم هانكس في دور رئيس التحرير بن برادلي الذي دافع عن نشر أخطر تقرير عن حرب فيتنام.
يحكي الفيلم الذي يعرض حالياً في صالات السينما قصة حقيقية عن الفترة الذهبية التي عرفها التحقيق الصحافي في أميركا، حيث وضعت "نيويورك تايمز" يدها، سنة 1971، على حوالى سبعة آلاف وثيقة من تقرير شامل أعده البنتاغون بطلب من وزير الدفاع، روبرت ماكنمارا. ولما أوقف القضاء النشر بطلب من الحكومة، إلى غاية النظر في جوهر القضية، حازت على الأوراق "واشنطن بوست" التي وجدت نفسها أمام قرار خطير يعرّضها للسجن والإفلاس، وربما الإغلاق في حالة تحدّي القضاء والاستمرار في نشر أسرار الحرب الخطيرة، لكن الصحيفة ومالكتها تحملتا العبء وقرّرتا النشر.
ما هي خطورة هذه الوثائق التي ختمت كلها بطابع سري جداً؟ خطورتها في أنها تكشف أن إدارة الرئيس ليندون جونسن استعملت الحرب في فيتنام وسيلة للدعاية في الانتخابات، معرّضة أرواح الأميركيين للخطر لأسباب تخص الرئيس، ولا تخص الأمن القومي الأميركي، كما تفضح وثائق البنتاغون حقيقة أن الحرب كلها كانت قراراً خاطئاً.
الفيلم في هذا التوقيت رسالة إلى البيت الأبيض، حيث يوجد رئيس  يكره الصحافة، ويحاربها في تغريدات طائشة في "تويتر". لذلك، يقوم المخرج سبيلبرغ بجولة في الولايات المتحدة وخارجها، ليروج الفيلم الجديد، وليقول إن دونالد ترامب لا يمثل كل الأميركيين.
في إحدى اللقطات المهمة في الفيلم، يسأل صحافي شاب في قاعة تحرير صحيفة واشنطن بوست رئيسه بن برادلي (توم هانكس): هل ما نقوم به من نشر أوراق محظور نشرها بقرار قضائي عمل قانوني؟، فيرد عليه رئيس التحرير: لا، إنه عمل غير قانوني، لكنه أخلاقي، وهل تتصور يا ابني أن عملنا في الصحافة كله قانوني؟.
أنصفت تطورات الأحداث "واشنطن بوست" التي كانت محلية، وأصبحت، بعد هذه المعركة القانونية، صحيفة وطنية ثم عالمية، وجاء قرار المحكمة الفدرالية في صالح حق النشر، إذ قال كبار القضاة، في حكمهم الذي صار مرجعاً للصحافة وللقضاء معاً: الصحافة غير معنية بخاتم السرية الذي وضعته إدارة البنتاغون فوق تقرير ماكنمارا، لأنه تقرير يهم دافعي الضرائب، ويهم كل عائلة قتل ابنها في حرب فيتنام، فمن حق هؤلاء معرفة ما جرى هناك بعيداً عن الديار. ثم إن التحجج بسرية الوثائق فيه حدٌّ من حرية النشر المكفولة في الدستور.
لا أريد أن أقارن ما يجري هناك على الطرف الآخر من الأطلسي بما يجري في العالم العربي، لأننا فعلاً نعيش في عصرين مختلفين. هناك دخلوا إلى القرن الواحد والعشرين الميلادي. وهنا نحن في أواسط القرن الخامس عشر الهجري، والمسألة ليست أرقاماً، بل حقائق عصرين مختلفين.