مملكة هجينة

مملكة هجينة

07 فبراير 2018
الصورة
+ الخط -
ما زالت المملكة المغربية دولة ضعيفة في مادة الديمقراطية، فلم تحصل سوى على أربعة من عشرة، حسب أحدث تقرير صدر عن وحدة التحليل والدراسات التابعة لمجلة ذي إيكونومست البريطانية، عن أحوال التطور الديمقراطي في العالم، حيث حصل المغرب على ترتيب سيئ عالميا، 101 في قائمة 167 دولة شملتها الدراسة، لكن المملكة حصلت على ترتيب "جيد" في العالم العربي، ما سيدخل السرور على الذين يحبون أن يقارنوا بلدهم بدول الجفاف الديمقراطي في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، حيث جاء المغرب ثانيا بعد تونس.
لا يُصدر الخبراء في وحدة التحليل والأبحاث البريطانية هذه أحكام قيمة، وهم ليسوا كتائب إعلامية في معسكر معادٍ للمغرب، كما يصور بلهاء عندنا. نعم، ما يصدر عن هذه الدوائر ليس حقائق علمية، لأننا في مجال العلوم الإنسانية، حيث قانون النسبية هو الوحيد المعترف به.
يضع التقرير الجديد شبكة دقيقة لتقييم مؤشرات للتطور الديمقراطي، أو التراجع السلطوي. مؤشرات كمية تارة وكيفية أخرى، وكلها معايير ترتكز على المفهوم الليبرالي للديمقراطية، المبني على وجود دستور يحترم الفصل بين السلطات، ويحتكم إلى إرادة الشعب في اختيار من يحكم، مع الإقرار بمدونة الحقوق الفردية والجماعية. بعدها تأتي مؤشرات سلامة الاقتراع، واحترام حقوق الإنسان، وتوفير حقوق التعبير والنشر واستقلالية القضاء. وفي الختام، فحص السياسات العمومية للحكومة، ومدى التزامها بقواعد الشفافية والحكم الجيد، واحترام دولة الحق والقانون… هذه هي المرجعية، أما المنهجية فترتكز على شبكة من الأنظمة السياسية في العالم، تضم أربعة أصناف: الأولى، الديمقراطيات الكاملة (19 بلدا)، ثم الديمقراطيات المعيبة (57 بلدا)، والأنظمة الهجينة (39 بلدا منها المغرب)، والأنظمة السلطوية (52 بلدا).
ماذا تعني الأنظمة الهجينة التي يوجد المغرب ضمنها؟ تعني أن النظام السياسي في المملكة ليس ديمقراطيا، وليس استبداديا، ويقع في منطقة رمادية، حيث يخلط، في عمله أو في مخرجاته، بين واجهة ديمقراطية وعمق سلطوي في نظامٍ لا يتطور.
قد يقول قائل: "الحمد لله على كل حال، فالهجانة أفضل من السلطوية، وهي مرحلة انتقالية ضرورية للخروج من التسلط إلى الحكم الديمقراطي، ولو كان غير مكتمل". سيكون لهذا الاعتراض معنى، لو أن البلاد دخلت حديثا المنطقة الهجينة، أو أن مسار النضال من أجل الديمقراطية كان حديثا، أو أن للدولة لها ما تستطيع به شراء السلم الاجتماعي، كما دول الخليج التي تقايض الحرية السياسية بالرفاهية الاجتماعية. أما وحيث إن المغرب عرف مسارا طويلا من النضال من أجل الانتقال الديمقراطي زاد على 60 سنة، وحيث إن جلوس المملكة طويلا على عتبة الهجانة أصبح هدفا للتملص من الاستحقاقات الديمقراطية، وليس محطةً انتقاليةً للعبور إلى المحطة التي تليها، وبما أن القاعدة تقول إن الذي لا يتقدم يتراجع، فإن البلاد والعباد أصبحا رهائن انتقال دائم.
لا بد للنخب السياسية والمدنية والفكرية والإعلامية والاقتصادية، التي تشترك في الهم الإصلاحي، أن تفكر عميقا في مستقبل التحول الديمقراطي في المغرب. هذا التحول الذي دخل إلى نفق الهجانة، حيث الخلط بين الأساليب الديمقراطية والأساليب السلطوية في الحكم والقضاء والتشريع والإعلام، وفي كل مناحي الحياة العامة… لا توجد مؤشرات على قرب خروج المغرب من هذا المأزق الذي لن يكون من دون تكلفة على استقرار البلاد، فحكومة عبد الإله بنكيران فشلت في تحريك قطار هذا التحول، وحركة 20 فبراير فشلت في وضع القطار على السكة، وحكومة عبد الرحمن اليوسفي فشلت في تدشين تناوبٍ يقود إلى نادي الديمقراطيات الناشئة. بينما نجحت تونس نسبيا، على الرغم من كل المتاعب التي تعيشها، في دخول نادي الديمقراطيات غير المكتملة، وبلاد الزيتون كانت متأخرة جدا عن المغرب في مجال الإصلاحات السياسية في عهدي بورقيبة وبن علي، لكنها استفادت من الحراك العربي الذي انطلق من عندها إلى دول المنطقة، حيث جرى إرساء قواعد عقد اجتماعي جديد، ربحوا بمقتضاه دستورا متقدما، وعملية سياسية منتجة، على الرغم من ثقل الأزمة الاقتصادية وخطر الإرهاب، ومفاعيل الثورة المضادة التي تقودها دول الخليج، ولا تريد لأي بلد عربي أن يخرج من خانة الدول السلطوية.