ساعتان من النحيب الجماعي!

27 يوليو 2020

مع أنني أحب البكاء في قاعات السينما المظلمة وأقدره جداً، كان ذلك أول وآخر فيلم أعيش فيه ظاهرة النحيب الجماعي التي كنت أقرأ من قبل عن حدوثها في الأفلام الميلودرامية، لكنني لم أشهدها بذلك القدر الذي عشته في عام 2013 خلال مشاهدتي لفيلم (12 عاماً من العبودية ـ  12 Years a Slave)، ففي أوقات متعددة خلال عرض الفيلم، كان صوت البكاء يعلو من مواضع متفرقة من السينما، وخلال ربع الساعة الأخير كانت السينما كلها تقريباً تبكي مع تفاوت في أصوات البكاء بين نحيب ونشيج ونهنهة، برغم خلو الفيلم من أي مؤثرات درامية من التي تستخدم لاستدرار عواطف المشاهدين.

كنت أظن أن ذلك حدث فقط في سينما (لينكولن بلازا) المشهورة بعرض الأفلام المستقلة والتي شاهدت الفيلم فيها، لكنني قرأت في الصحف بعد ذلك عن حدوث ظاهرة النحيب الجماعي في كثير من دور العرض التي نجح فيها الفيلم الذي تفوق فيه مخرجه البريطاني من أصل أفريقي ستيف ماكوين على نفسه، وقدم أسلوباً مختلفاً عن فيلميه الطويلين السابقين (الجوع Hunger ) و (عار  Shame)، حيث اختبأ ستيف ماكوين خلف شخصية بطله وترك قصته المريرة تقود المشاهد عبر الفيلم بإيقاع أسرع مما قدمه من قبل في فيلميه البديعين، ليقدم واحداً من أفضل الأفلام التي فتحت الملف الأسود للعنصرية كواحدة من أبرز الجرائم الجماعية المستمرة في التاريخ الأمريكي، وكشأن كل الأعمال الفنية العظيمة، لم يكتف الفيلم بجعلك جزءاً من مأساة بطله، بل ذكرك بكل المآسي التي تتسبب فيها العنصرية بكل أشكالها حتى الآن، حيث لا تزال العبودية تفتك بضحاياها، حتى وإن ارتدت أقنعة مهذبة ومنضبطة.

وقائع الفيلم مأخوذة عن قصة حقيقية حدثت للمواطن الأمريكي عازف الكمان سلومون نورثوب عام 1841 الذي وبرغم كونه مواطناً حراً على الورق، تعرض للاختطاف من قلب مدينة واشنطن على يد زميلين له في السيرك، ليقوما ببيعه في الجنوب الأمريكي الذي كان لا يزال يمارس تجارة الرقيق، ليعيش 12 عاما في العبودية، انتهت بإنقاذه عام 1853 من مزرعة قطن بالقرب من النهر الأحمر في لويزيانا، وهي التجربة التي رواها بأدق تفاصيلها اليومية في مذكراته التي نشرت قبل ثماني سنوات من بدء الحرب الأهلية، لتحقق رواجا كبيرا حين صدورها لدرجة أنها باعت 30 ألف نسخة في ذلك الوقت، لكن الكتاب دخل بعد ذلك في غياهب النسيان، حتى قام المؤرخان سو إيكين وجوزيف لوجسدون في عام 1968 بإعادة طبعه بعد تحقيقه وإرفاقه بحواشي ووثائق مفصلة وهي الطبعة التي اعتمد عليها كاتب سيناريو الفيلم جون ريدلي الذي جاء فيلمه بمثابة الإحياء الثالث للكتاب الذي عاد بعد الفيلم ليلاقي نجاحا كبيرا، أتصور أنه سيجعله حاضراً في ذاكرة الأجيال الجديدة، مثلما عاش من قبله كتاب (مذكرات عبد أمريكي) لأحد أبرز الناشطين في مجال مكافحة العبودية فريدريك دوجلاس، وهو الكتاب الذي ترجمه إلى العربية منذ سنوات الأديب المصري إبراهيم عبد المجيد.

كان يمكن لميزان الفيلم أن يختل لو لم يتألق الممثل الألماني الأصل مايكل فاسبندر في أداء دور السيد الشرير الذي يسوم عبده سوء العذاب، لم يسقط فاسبندر في فخ المبالغة وهو يؤدي الشخصية

 

تميز الفيلم في كافة نواحيه الإبداعية، وبالأخص في عنصر التمثيل، حيث نجح المخرج في إدارة أداء الممثلين ببراعة جعلتهم يفلتون جميعاً من فخ المبالغة الذي يمكن أن تستدعيه قصة مأساوية كالتي يقدمها الفيلم، وكان الأداء الأعظم من نصيب الممثل البريطاني شيوتيل إيوفور الذي تفوق على نفسه في أداء شخصية سلومون نورثوب، وأرى أنه تعرض لظلم بين حين لم يحصل على جائزة أوسكار أحسن ممثل، خصوصاً بعد أدائه لتلك المشاهد البديعة التي عبر فيها  عن ذهول رجل حر صحا من النوم ليجد نفسه مقيدا بالسلاسل ويتم بيعه من سيد لآخر دون أن تقابل اعتراضاته إلا بالتعذيب المبرح، ليفقد رغبته في الهروب والمقاومة ويصبح كل ما يحلم به أن يبقى على قيد الحياة لعله ينول الحرية يوما ما، وهو الحلم الذي تحقق له عندما التقى برجل أبيض خلال عمله في إحدى منشآت سيده (يلعب دوره نجم هوليود الكبير براد بيت) وتعاطف الرجل معه ووعده بأن يتبنى قضيته العادلة ويسعى لتحريره من الاختطاف، وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك.

كان يمكن لميزان الفيلم أن يختل لو لم يتألق الممثل الألماني الأصل مايكل فاسبندر في أداء دور السيد الشرير الذي يسوم عبده سوء العذاب، لم يسقط فاسبندر في فخ المبالغة وهو يؤدي الشخصية، بل قدم تناغماً مع الفكرة العظيمة التي يقدمها الفيلم والتي تختلف تماما عن الطريقة التي تقدم بها كثير من أفلام هوليوود أدوار الشر، حيث تميل للبحث عن مبررات منطقية للشرير، لكن الفيلم اختار أن يقدم الشر بصورة واقعية جدا، يمكن تلخيصها في كلمتين "الشر يحدث"، لأن الشر جزء من طبيعة الإنسان عندما تصبح في يده سلطة مطلقة بلا حدود، ولذلك فهو لا يفكر في أي عواقب لأفعاله.

أتصور أن هذا المعنى المهم هو الذي جعل المخرج ستيف ماكوين يقدم مشاهد الجلد والتعذيب بصورة شديدة القسوة، دون أي رغبة في تخفيف وقعها على المشاهد، برغم معرفته أن في ذلك مخاطرة تجارية على المشاهد العادي الذي لا يرغب حتى لو دخل فيلماً يقدم قصة مأساوية أن يصطدم بقسوة الحياة وعفنها إلى هذا الحد، لكن ستيف ماكوين خاض المخاطرة وقرر أن يضع جمهوره في قلب الحقيقة المرة، في مشاهد لم تشهد لها السينما مثيلا لقسوتها، كان أقساها مشاهد جلد العبدة باتسي التي لعبت دورها باقتدار مدهش الممثلة الكينية لوبيتا نيونجو في أول دور سينمائي لها، ومشهد تقييد سلومون من رقبته في شجرة وهو واقف على أطراف أصابعه عقابا له على مجرد تفكيره في الهرب، لكي يجبر على أن يظل مستيقظا لأيام وليالي بطولها، لأنه لو سقط صريعا للنوم سيفقد حياته شنقا.

بعد أن أضيئت أنوار قاعة العرض، انشغل الحاضرون بإزالة آثار الشحنة الدرامية العالية التي أوصلها الفيلم إلينا بكفاءة، فأسال دموعنا

لا أعتقد أن هناك ممثلا مهما كان صغر دوره لم يضف بأدائه إلى الفيلم، سواءً نجوم هوليود الكبار أمثال براد بيت وبول جياميتي وبول دانو الذين قدموا أدوارا شديدة الصغر دعماً للفيلم واقتناعاً بأهميته، أو الممثلون المغمورون الذين شاركوا بالغناء خلال مشهد قيام العبيد بجمع القطن تحت رهبة السياط ومقاومتهم لذلك الجو المقبض بالغناء، أو الذين شاركوا في مشهد صغير في السفينة التي تنقل العبيد المخطوفين إلى الجنوب، وأخيراً الممثلون الذين أدوا أدوار أطفال سلومون الذين يعود بعد 12 عاما ليجدهم قد كبروا في مشهد جعل السينما تدوي بأصوات البكاء كما لم أر من قبل على كثرة ما شاهدت من أفلام، وعلى كثرة ما ذرفت من دموع بوصفي رجلا يدخل السينما أحياناً لكي يجد فرصة للبكاء.

بعد أن أضيئت أنوار قاعة العرض، انشغل الحاضرون بإزالة آثار الشحنة الدرامية العالية التي أوصلها الفيلم إلينا بكفاءة، فأسال دموعنا دون أن يفرق بين رجل وامرأة، أو أبيض أو ملون، أو كبير أو صغير، وعلى باب القاعة المطل على الشارع مررت إلى جوار سيدة سوداء جميلة منخرطة في بكاء حاد، فيما كانت تبحث عن منديل، بعد أن أجهز الفيلم على مناديلها، مددت يدي لها بمنديل، التقطته وهي تنظر لي بابتسامة زادت وجهها الباكي جمالاً، وقبل أن أبتعد قالت لي: "أنا آسفة هل يمكن أن أحتضنك"، وحين لاحظت دهشتي قالت مفسرة طلبها: "بعد فيلم كهذا يحتاج الإنسان إلى من يحتضنه بقوة".

كانت محقة، وحتى لو لم تكن محقة، لم يكن ممكناً أن أرفض طلبا لشريكة الفرجة على تجربة سينمائية رائعة، فاقتربت منها فاتحاً ذراعيّ فيما كانت هي تواصل مسح دموعها بالمنديل، وقبل أن يكتمل الحضن المنتظر، وجدتها تنظر خلفي قائلة "أشكرك جداً، ها هو صديقي وصل ولا داعي لأن أزعجك، سأشاهد أنا وهو الفيلم مجددا، أعتقد أنني سأشاهد هذا الفيلم أكثر من مرة"، حييت الحبيب القادم بهزة من رأسي لم يتجاوب معها طويلاً، لأنه رمى نفسه في قلب الحضن الذي كاد أن يفوته، ثم ابتعدت وأنا أسأل نفسي عما إذا كنت سأستطيع تحمل مشاهدة الفيلم للمرة الثانية بكل ما فيه من قسوة ووجع قلب، والآن حين أتذكر هذا كله وأنا أنهي مشاهدة الفيلم للمرة الثانية بعد مرور سبع سنوات على المشاهدة الأولى، أتعجب من نفسي الأمارة بالأمل التي ظنت أن ذلك النجاح الساحق الذي شهده الفيلم والضجة التي أعقبته، يمكن أن يكونا سبباً في القضاء بالضربة القاضية على مظاهر العنصرية في المجتمع الأمريكي، قبل أن تثبت الأيام أن مشوار تحقيق ذلك الحلم لا زال طويلاً وحافلاً بالضحايا والآلام.