رجال الإسعاف

28 اغسطس 2020
الصورة
(عمل لـ صادق الفراجي/ العراق)
+ الخط -

أنا بطبعي متسرّعة جداً.

مرّةً أكلتُ ثلاث قطع من كبّة الأرز المحشوّة باللحم المفروم نيئةً، قبل أن تتمكّن أُمّي من قليها في الزيت، كان مذاقُها أشبه بمذاق الثلج الراقد على عتبة منزل في شتاء بعيد... متسرّعة أيضاً في ما يتعلّق بإطلاق التسميات على الأشياء؛ مثلاً: ما علاقة الكبّة بالثلج بعتبة المنزل؟

في الساعة الثالثة فجرَ اليوم، خرجتُ من الحلم بصعوبة بعد أن أيقظني صوتُ سيّارة إسعاف كانت تعدو في الشارع المجاور مثل مجنون أو سكران... أو مجنون وسكران.  تُرى، كيف عرفتُ بأنها كانت تعدو هكذا رغم أنّي ما زلتُ في سريري وهي في الشارع تحاول التقاط فيروس مرابط على جسد أحد المارّة؟

بعد أن خرجتُ من الحلم، كانت يدي ما زالت تحمل العصا التي تحسّستُ بها قطع السمك الذي وجدته مصادفة في مخزن قبو كنت أتجوّل داخله في ظلام الحلم... عندما كشفتُ عن غطاء البرميل الكبير، وجدتُ الثلج وقد استلقى بكسلٍ على جوانب البرميل، ثم ظهرت السمكات؛ سمكة زبيدي هائلة الحجم لم أصادف مثلها في حياتي، بينما كان يتراصف معها عدد غير معلوم من الزبيديات صغيرة الحجم، من تلك التي اعتدتُ أن أشاهدها معروضةً في طشت كبير في سوق خمسين حوش بالبصرة.

السيّدة المسنة التي كانت ترتّب السمك في الطشت كانت تلفُّ عباءتها وسيجارتها بالطريقة ذاتها؛ بسرعة ومراوغة... لكن، رغم ذلك، لم تظهر هذه السيّدة في برميل الزبيدي الذي وجدته في الحلم. 

أنا بطبعي متسرّعة، غادرتُ الحلم ولم أُقفل الباب خلفي

خرجتُ مسرعة لأبحث عمّن يشاركني فرحة اكتشافي للبرميل.. لم أجد سوى والدي الذي غادرنا منذ أعوام في بلد بعيد، أشرتُ له بصمت أن يأتي ليرى ما وجدت في البرميل، بدا لي ساهماً غير مبال كما هو شأنه في حياته على الأرض، رفع رأسه على مضض ونظر سريعاً للسمكات داخل البرميل ثم سرعان ما ابتعد وواصل جولته في القبو الغريب، بسكون وهدوء كبيرين وهو ينوء تحت ثقل روبه المنزلي الشتوي ذي اللون البنُنّي الغامق. كان هذا أيضاً رداءه الذي ظهر به داخل إطار صورته الأخيرة في ذاكرتي.

أنا بطبعي متسرّعة جداً، لم أفهم سبب تصرُّف والدي غير المبالي مع أنه كان يحب السمك كثيراً، خاصة الزبيدي... لو استمرَّ الحلم قليلاً كنت سأصنع له مع السمك المقليّ قدر أرز أحمر مغمور بمعجون الطماطم... أو قدر أرز محمّر بطعم الدبس، فهو مناسب أكثر ليكسر حدّة طعم السمك المالح، هكذا كانت تقول أمي... لكنها رحلت أيضاً منذ سنوات طويلة من دون أن تعلمني الطريقة الصحيحة لطهي الأرز المحمّر.

أنا بطبعي متسرّعة، غادرتُ الحلم ولم أُقفل باب القبو خلفي، خرجتُ مسرعةً بعد أن سمعتُ صوت سيّارة الإسعاف في "شارع جيرج لين" وهي تولول، بعد أن هجمت عليها دزّينة من فيروسات كورونا الطازجة وخربشت طلاءها الخارجي.

الحلم كان قريباً قبل لحظات... لكنّي تركتُه يسقط مني، وعندما استيقظت مفزوعة من صوت الإسعاف كان جسدي متكوّراً إلى الجانب الأيمن ويدي تحت المخدّة وقد فقدت الإحساس بها. 

أنا بطبعي متسرّعة. سحبتُ يدي من تحت المخدّة بحركة مباغتة فشعرتُ برجّة كهربائية، صرختُ على أثرها صرخة متوسّطةً لم تنجح في إيقاظ أهل الدار... لكن أبي كان منزعجاً في الحلم، وما زال يتجوّل داخل القبو وهو يُرسل نظراته إلى الأرض وينحني بفعل ثقل الروب البُنّي الغامق.

عندما حلّ الفجر، كنتُ ما زلت في السرير أتقلّبُ كسمكة.. وأنا أنتظرُ أعصاب يدي كي تستعيد حيويتها وترتخي، كانت أطرافي باردة؛ فقد تركتُها في برميل الثلج أكثر من اللزوم... لا، لم أتركها في الحلم، حملتها معي إلى السرير بعد أن استيقظت، كانت دافئة في البداية، قبل أن يتسلّل البرد إلى قلبي وأنا أُنصت لسيارة الإسعاف.

غداً سيعود رجال الإسعاف ومعهم فيروسات ناضجة جديدة

أنا بطبعي متسرّعة. خُيّل لي بأن سيارة الإسعاف كانت تبحث عن مريض في الشارع المجاور، حتى لمحتُ أنوارها البرّاقة في حلكة الليل وهي تقترب من منزلي... هكذا... توقّفتُ أمام المدخل الخارجي، ترجَّل الممرّض ومساعده وكانا على عجل، لم يطرقا الباب، دخلا عنوةً فوجداني أُلملم دهشتي وأضمُّها مع أطرافي المرتجفة بينما أتطلّع في وجوههم بفزع كبير...

حمل كبيرهم في السن قيوداً تشبه كلبشات الشرطة التي يقيّدون بها المجرمين، لا أدري ما الذي أصابني في تلك اللحظة كنت أنقل نظراتي بين الاثنين. فكّرتُ أن أستعطفهما، لكنّني في نهاية الأمر استدرتُ بإرادتي. استسلمت تماماً، وبعد أن وضع المُسعِفُ القيود في يدي صار يسحبني بعنف عبر مدخل المنزل الداخلي. كنتُ أتعثّر بخوفي وارتباكي. وحين لمحتُ باب سيارة الإسعاف انهرتُ بالكامل، قال الرجل الكبير مخاطباً مساعده:

"هير وي غو أكَين، مثل كل مرة، كما توقّعت"!

ثُمّ أشار إلى مساعده بنظرة حاسمة وهو يقول: "هذه هي المريضة الثالثة التي تحاول الهرب...  يا لها من ليلة! هيا أسرع!".

أنا بطبعي متسرّعة. لم أستطع تمييز نبرة صوته؛ فقد كانت أرض "شارع جيرج لين" حيث ترنّحتُ... باردةً وخشنة، ثم اختفى كل شيء بسرعة.  

عندما استيقظتُ للمرّة الثانية، نسيت أيضاً أن أقفل باب الحلم جيّداً.

يا ربي!

غداً سيعود السمك ورجال الإسعاف ومعهم فيروسات ناضجة جديدة، حتماً، ليُدخلوني عنوةً إلى حلم جديد.


* كاتبة من العراق

نصوص
التحديثات الحية

المساهمون