حكومة الصيد وضرورات التغيير: خلافات حكومية وضغوط للمعارضة

حكومة الصيد وضرورات التغيير: خلافات حكومية وضغوط للمعارضة

27 أكتوبر 2015
الصورة
لا يزال الصيد يحظى بثقة السبسي (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -
تمرّ الحكومة التونسية، برئاسة الحبيب الصيد، والتي لم يمضِ على تشكيلها سوى ثمانية أشهر، بأزمات وتحديات عدة، ولا سيما بعد أن فقدت وزيرين، أحدهما استقال والآخر تمت إقالته، في حين يتعرض وزراء آخرون لانتقادات حادة أحياناً حتى من قبل الأحزاب المشاركة في الحكومة. لكن على الرغم من التوقعات باحتمال إجراء تعديل وزاري عاجل وواسع النطاق، إلا أن الصيد لا يزال يحافظ على هدوئه، ويبدو كأنه يتحرك في أجواء عادية.

عندما استقال الوزير المكلف بالعلاقات مع مجلس نواب الشعب، لزهر العكرمي، مطلع الشهر الحالي، وصف الحكومة الحالية في رسالة استقالته بأنها "حكومة بلا أيدي" في استرجاع منه لما كانت توصف به "حكومة الترويكا" السابقة (التي كانت تضم حركة النهضة وكلاً من حزبي المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتل الديموقراطي من أجل العمل والحريات) بأنها "حكومة الأيدي المرتعشة". وتوقف يومها عند ما قال إنه تفشي الفساد في هذه المرحلة التي يقودها حزب "نداء تونس" الذي يفترض فيه أن يكون قائد الائتلاف الحاكم.
أما وزير العدل، محمد صالح بن عيسى، والذي أقيل من منصبه قبل أيام، فقد وجّه انتقاداً لاذعاً لرئيس الحكومة بحجة أنه تعامل معه وكأنه مجرد مدير إداري وليس مسؤولاً عن وزارة سيادة. وعلى الرغم من تقديره الشخصي لرئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، إلا أن بن عيسى انزعج كثيراً من التعليق الذي بلغه حول ما قاله السبسي في شأنه عندما اتهمه بكونه "جاهلاً بثقافة الدولة" نظراً لرفضه الدفاع عن مشروع الحكومة الخاص بالمجلس الأعلى للقضاء أمام مجلس نواب الشعب، فكان رد وزير العدل المُقال على رئيس الجمهورية "أحكم وحدك".

اقرأ أيضاً زوبعة التعيينات في تونس: غضب الموالاة ضد رئيس الحكومة 

لم يقف الأمر عند هذا الحد، إذ فوجئ رئيس الحكومة بقرار اتخذته كتلة حزب "الاتحاد الوطني الحر"، الشريك في الائتلاف الحكومي (الذي يضم أيضاً كلاً من نداء تونس والنهضة وحزب آفاق)، يقضي بتجميد مساندة الحكومة من دون الخروج منها. ولاقى هذا القرار استغراباً واسعاً، لكنه كشف في الوقت نفسه عن هشاشة الائتلاف الحاكم.
علل رئيس "الاتحاد الوطني الحر"، رجل الأعمال المعروف، سليم الرياحي، موقف كتلته بعدم ارتياح حزبه لأسلوب تعامل رئيس الحكومة مع وزراء الحزب وأعضاء البرلمان التابعين له، إلى جانب عدم حصول "الاتحاد الوطني الحر" على نصيبه من التعيينات الأخيرة التي شملت سلك المعتمدين (نواب المحافظين).
في هذه الأجواء السياسية، اندلعت معركة المساجد من جديد، بعد أن قرر وزير الشؤون الدينية، عثمان بطيخ، عزل عدد من الأئمة بتهمة عدم الانضباط والعمل على تسييس الخطاب في المساجد. لكن هؤلاء الأئمة تربطهم بحركة النهضة علاقات متفاوتة، وهو ما جعل الحركة تنتقد بشدة الوزير، مشيرة إلى أن قراراته تساهم في تغذية الشعور المعادي للتدين و"إثارة الفتنة". وقد سبق لقيادة حركة النهضة أن عبّرت لرئيس الحكومة عن تحفظها تجاه ما يقوم به بطيخ. وهو ما أدى إلى تحول موضوع المساجد إلى مسألة خلافية داخل السلطة والمعارضة على حد سواء، ومرشحة لمزيد من التوتر، مما يساهم في زيادة درجة إرباك الحكومة.

يُضاف إلى ما سبق، وجود تباين في المواقف بين غالبية مكونات الائتلاف الحاكم من جهة وحزب آفاق الممثل بأربع وزراء من جهة ثانية. وكان حزب آفاق قد وجد نفسه غير منسجم في العديد من الخيارات مع رئيس الوزراء والأحزاب الثلاثة الأخرى المشاركة في الائتلاف الحكومي. وقد بدا ذلك واضحاً مع وزير الاستثمار والتعاون الدولي، ياسين إبراهيم، والذي يترأس الحزب. وعبر إبراهيم عن مواقف مغايرة لبقية حلفائه ولا يزال يتمسك بها، وهو ما دفع بعض كوادر "نداء تونس" إلى مطالبته علناً بالتقيد باختيارات الأغلبية أو الانسحاب من الحكومة.
يضاف إلى كل ما سبق، وجود جزء من المسؤولين الفاعلين داخل "النداء" ممن يجاهرون بعدم اقتناعهم بقدرة الصيد على إدارة هذه المرحلة الصعبة حتى لو قام بتعديل وزاري. فهو بالنسبة إليهم بيروقراطي جيد ونظيف اليد، لكنه ليس سياسياً محنكاً، ولن يكون قادراً، بحسب اعتقادهم، على تحقيق تغييرات جدية وناجحة وجريئة.
هذا الرأي الشائع لدى معظم الأوساط السياسية وعموم النخب التونسية، يجعل بعضهم يصرّ على اعتبار الحكومة الراهنة "حكومة تسيير أعمال"، في حين أن المرحلة تقتضي "حكومة سياسية".

تطورات تفرض على رئيس الحكومة القيام بتعديل وزاري قريب، وذلك لملء الشغور الحاصل في وزارتين على الأقل، مع احتمال أن يتوسع في ذلك ليشمل أيضاً وزراء آخرين، نظراً لضعف أدائهم. لكن هذا التعديل الوزاري قد يتأجل قليلاً في انتظار انعقاد مؤتمر "نداء تونس" الذي يتوقع أن تنعكس نتائجه بالضرورة على وضعية الحكومة.
من جهة أخرى، من المستبعد الاستغناء عن الصيد الآن، فهو من جهة لا يزال يتمتع بثقة حركة النهضة التي تخشى من أن ينفرط الوضع العام لو دخلت البلاد في وضعية البحث عن بديل لرئيس الحكومة. ومن جهة أخرى، يحظى الصيد بدعم قوي من السبسي، وهو ما جعل الأصوات المطالبة بإزاحته من رئاسة الحكومة من داخل "نداء تونس" تخفت في هذه المرحلة وتستبدل بأغلبية واسعة من داخل "النداء" أكدت أخيراً تأييده.
يبقى أنّ الحكومة مطالبة بأداء أفضل بسبب تراكم الملفات الصعبة، واتساع رقعة الاحتجاج والتشكيك في الأداء الحكومي. وهو ما وفّر فرصة للمعارضة البرلمانية أو من خارج قبة مجلس نواب الشعب للاحتجاج والضغط والبحث عن صيغ أكثر نجاعة لتنظيم الصفوف المبعثرة للمعارضين.

اقرأ أيضاً: اختطاف القاصرات يثير الفزع في تونس

المساهمون