جمهورية "أظرف الولاء"

19 أكتوبر 2015
الصورة

(4) 

لن تجد لها اسماً مسجلاً في الدفاتر الرسمية. ومع ذلك، كانت حقيقة واقعة يدركها كثير من المتابعين لمجريات الأمور في "مصر مبارك"، سواءً كانوا يطلقون عليها (مكافآت الولاء) أو (بدلات الولاء)، أو يستخدمون اسمها الشعبي المفعم بالدلالات: "أُظرُف الولاء".

في دراسته، التي بدأت عرضها أمس، يسميها هشام بو ناصيف "علاوات الولاء"، ويعرّفها بأنها "مدفوعات مالية نقدية مباشرة لكبار الضباط، نتيجة تلاعب الرئيس في صرف بعض مخصصات ميزانية الدولة"، وطبقاً لمقابلات أجراها مع عدد من المصادر، على رأسهم لواء بحرية متقاعد، يكشف بو ناصيف أن الموازنة العامة للدولة المصرية كانت تخصص مبالغ مالية كبيرة لإدارة الكوارث والاستجابة للطوارئ، بالإضافة إلى أنشطة أمنية طارئة، وهي مبالغ ينفقها الرئيس شخصياً، من دون رقابة من أحد، وقد ارتفع حجمها من حوالي 2.07 مليار جنيه في ميزانية 91ـ 1992 إلى 16.5 مليار جنيه في ميزانية عام 2005 ـ 2006، لتشكل حوالي 9% من إجمالي الميزانية لذلك العام. ومن تلك الأموال تحديداً، كان حسني مبارك يوزع علاوات الولاء على ضباط الجيش والشرطة. وفي حين كانت المبالغ تصرف فقط لأعلى الرتب في الجيش والشرطة، فقد بدأت، مع الوقت، تمتد إلى كبار الضباط، بدءاً من رتبة عميد، وبالطبع، لم يخضع ذلك لأي رقابة أو مساءلة من أحد، لأسباب لا أظنها تخفى عليك.

منطقة شائكة أخرى، تخوضها دراسة بو ناصيف، هي منطقة عمولات تجارة الأسلحة، والتي ترك الأميركان بخبث شديد لها باباً موارباً، في برنامج المساعدات الأميركية العسكرية المقدمة إلى مصر، والذي تبلغ قيمته 1.3 مليار دولار سنوياً، ليس من حق مصر أن تشتري بها سلاحاً غير أميركي. لكن، من حق مسؤولي القوات المسلحة المصرية الحرية لتقرير نوع الأسلحة والمصنعين، ويعتمد بو ناصيف، في هذا الجزء، على شهادة من وصفه بأنه "جنرال متقاعد وعليم بأساليب العمل داخل المجلس الأعلى للقوات المسلحة"، أكد فيها أن "كلا من مبارك وطنطاوي وعدداً قليلاً من كبار الضباط في المجلس الأعلى للقوات المسلحة يحصلون على نسبة من كل صفقة، توقعها وزارة الدفاع، وتلك المبالغ التي تصل إلى مئات الملايين من الدولارات توضع في حسابات مصرفية خارجية". شخصياً، لا أمانع في تشنج من أراد رفض هذه الشهادة، بوصفها غير موثقة، لكني سأقدر رأيه، لو ارتبط بمطالبة جادة، ومتشنجة، في ضرورة إتاحة ميزانيات صفقات الأسلحة للرقابة والمساءلة، عبر الآليات الموجودة في كل الدول الديمقراطية التي تخاف، أيضاً، على أمنها القومي، وتحرص على إخفاء أسرارها العسكرية عن عيون الأعداء، لكنها تكفل آليات الرقابة والمحاسبة التي تمنع الفساد المتأصل في الطبيعة البشرية، على الأقل لكي "تخرس ألسنة العملاء والخونة" الذين يجرؤون على ممارسة حقهم في المعرفة.  

حرصاً من بو ناصيف على تحجيم أثر الشهادة السابقة غير الموثقة، يلجأ، في دراسته، إلى الاستشهاد بوثيقة تشير إلى كشف لجنة الأوراق المالية والبورصات الأميركية، تكشف وقائع فساد ورشوة في صفقات أسلحة في تعاملات الشركة المتحدة للتنمية الصناعية، حديث دفع أحد فروع تلك الشركة في مصر لجنرال مصري متقاعد من سلاح الطيران 3 ملايين و38 ألف جنيه، ليعمل وسيطاً للشركة في القاهرة بين عامي 1997 و2002، "وفي مقابل تلك المبالغ، استغل الوسيط علاقاته الشخصية داخل القوات الجوية المصرية، لتأمين عقود تصل قيمتها إلى 348 مليون جنيه مصري، بالإضافة إلى المبالغ التي حصل عليها لنفسه، وتكشف رسالة إلكترونية متبادلة بين الجنرال المتقاعد وفرع الشركة، طلبه مزيداً من المال، ليتم توزيعه بين من وصفهم بأنهم صناع القرار في سلاح الطيران، مقابل وعد بعقود تجارية مستقبلية مع الشركة المتحدة للتنمية الصناعية".

ويحرص بو ناصيف على أن ينبهنا، في هوامش دراسته، إلى أن الجنرالات لا يجنون المال مستوردين للأسلحة فقط، بل أيضاً مصدرين للأسلحة، حيث تنتج صناعة الأسلحة المصرية سنوياً ما يعادل 4 مليارات جنيه من صناعة الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، يقول إن نصفها تقريباً يباع في مناطق الحروب الأهلية، ولا سيما في أفريقيا، "ويتم توزيع العمولات بين مجموعة صغيرة من كبار الضباط، بمن فيهم أولئك الذين يشاركون في عمليات التفاوض على الصفقات".

 (5)

في موضع آخر من دراسته، يشير الباحث هشام بو ناصيف إلى الإمبراطورية الاقتصادية للقوات المسلحة، التي تتمثل في نشاطات وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية، التي تقوم بتشغيل حوالي 35 مصنعاً ومزرعة، مستشهداً بالباحثة زينب أبو المجد التي تكشف أن نسبة 40% من إنتاج وزارة الإنتاج الحربي في فترة دراستها نشاطها كانت منتجات غير عسكرية، كما أن نسبة 70% من منتجات الهيئة العربية للتصنيع كانت منتجات غير عسكرية.

كل هذا النشاط الاقتصادي، كما يقول بو ناصيف، يعمل خارج أي سيطرة مدنية، أو رقابية، حيث لا يحاسب الضباط الذين يديرون هذه الأجهزة أبداً. وتعتبر المعلومات التي تخص أجهزتهم أسراراً عسكرية، لا يمكن الكشف عنها للمدنيين، وهو ما يعلق عليه بو ناصيف قائلاً "لذلك، ليس من المدهش، أو المستغرب، أنه في تركيبة وهيكلة كهذه، بعيدة عن المراقبة الخارجية، تنتشر ألاعيب وحيل مالية فجة، بين كبار الضباط الذين أصبحوا يجنون مبالغ فلكية للغاية، من عملهم في تلك الأنشطة الاقتصادية".

يعتمد بو ناصيف، في هذا الجزء من دراسته، على دراسات سابقة لروبرت سبرنغبورغ وزينب أبو المجد ويزيد صايغ، وفي إطار ما يذكره كل هؤلاء في دراساتهم، يمكن أن تفهم الارتباك الذي كان يتحدث به الرئيس السيسي، في خطابه عن مخصصات الجيش المالية، وتفهم أيضاً العصبية الشديدة التي قابل بها المرشح الرئاسي السيسي مضيفه (الأليف) إبراهيم عيسى، الذي سأله، بمنتهى الخفر، عن إمكانية وجود رقابة على موازنة القوات المسلحة، يقوم بها مجلس الشعب المنتخب في المستقبل، فجاءت إجابة السيسي قاطعة بنفي إمكانية ذلك، مع أنه كان يمكن له أن يرد بإجابة إنشائية، خصوصاً وهو يعلم أنه سيحكم شعباً قام بتفويضه على الناشف. وبالتالي، لن يحاسبه أبداً على أي وعود قام بقطعها. ومع ذلك، كان السيسي حريصاً على إظهار العين الحمراء في حواره، بشكل فهم سببه كثيرون، حين استمعوا إلى تسريب (عرق الجيش) الكاشف.  

 (6)

في نتائج دراسته، يلاحظ هشام بو ناصيف أن حكام مصر منذ ما بعد يوليو/ تموز 1952، اختلفوا في شخصياتهم وسياساتهم، لكنهم تشاركوا جميعاً في إدراكهم حقيقة مهمة، هي أن بقاءهم في السلطة مرتبط بربط قادة أجهزة القوات المسلحة والشرطة بحكمهم، وهو أمر حققوه من خلال تحويل مصر إلى "مجتمع عسكري"، طبقاً للتعبير الذي صكه الدكتور أنور عبد الملك، حيث فتح جمال عبد الناصر أبواب العمل في الجهاز المدني للضباط، وبدأ أنور السادات في تأسيس إمبراطوريتهم الاقتصادية، وشجّع مبارك الضباط على دخول مجال الأعمال، مع الحفاظ على تقاليد عهد عبد الناصر، بتعيين كبار الضباط في مناصب مدنية مهمة، ومديرين للمؤسسات الاقتصادية، لتنشأ في مصر ما سماها الباحث المرموق، روبرت سبرنغبورغ (الشركة العسكرية)، حيث يتم تحقيق أرباح هائلة، نتيجة امتيازات العمالة الرخيصة التي يقدمها جنود يتحولون إلى عمال، والإعفاءات الضريبية والسيطرة على أراضي الدولة. ترافق هذا كله، كما ينبهنا بو ناصيف مع عملية الخصخصة التي بدأت في 1993، والتي أدت إلى كسب وإثراء مذهلين لفئتين، رجال الأعمال الذين اشتروا شركات عامة بأسعار منخفضة للغاية، والمسؤولون الذين سهلوا بيع أصول الدولة بأسعار متدنية، مقابل عمولات سخية ومكافآت خاصة، وفي مقدمة هؤلاء المحافظون الذين كانت نسبة كبيرة منهم آتية من مناصب عسكرية وشرطية. 

وفي ختام دراسته التي أنهاها بعد فترة بسيطة من عزل محمد مرسي عن منصب الرئاسة، يؤكد هشام بو ناصيف على اعتقاده أن امتيازات النخبة العسكرية في مصر لن تتقلص قريباً، مؤكداً أن أي تحول حقيقي نحو الديمقراطية يستوجب عدم منح أولوية سياسية لقادة القوات المسلحة فوق اللاعبين السياسيين الآخرين، ويستوجب، أيضاً، القيام بعملية تدريجية لتمدين المناصب غير العسكرية التي يحتلها الجنرالات المتقاعدون، ومنح مزيد من الصلاحيات لهيئات الرقابة لمراقبة التعاملات الاقتصادية التي تقوم بها النخبة العسكرية. 

(7)

المؤسف أن قراءة مواقف القوى السياسية المتصارعة من ملف اقتصاديات الجيش، في السنوات الماضية، يكشف عن تعامل كل القوى السياسية مع الجيش، بوصفه اللاعب السياسي الأهم في مصر الذي يجب استرضاؤه، والاستقواء به عند اللزوم، وخصوصاً بعد ما جرى من تغييرات إقليمية في المنطقة، تمت بلورتها في الشعار الشعبي الأكثر انتشاراً وتعديلاً: "مش أحسن ما نبقى زي سورية والعراق وليبيا واليمن"، ما جعل إخراج الجيش من المعادلة السياسية أمراً شديد الصعوبة. وفيما عدا قلة قليلة، كانت للأسف محدودة التأثير شعبياً، لم يكن هناك رفض قوي لمنح امتيازات خاصة للمؤسسة العسكرية في الدستور، بل تبادلت القوى السياسية الرئيسية مواقع الرفض والتأييد لمنح امتيازات خاصة للمؤسسة العسكرية في الدستور، وعلى رأس تلك الامتيازات المحاكمات العسكرية للمدنيين التي أيدها الإسلاميون بشراسة في الدستور الذي وضعوه عام 2012، قبل أن يدفعوا ثمنها غالياً بعد ذلك، ثم أيدتها القوى المعارضة لهم في الدستور الذي تم إقراره عام 2014، لتدفع ثمن ذلك بحدة أقل، لكنها تتزايد مع الأيام.

ما زاد الطين بلة، وسيزيده أكثر في المستقبل، أن أي محاولة لمناقشة ملف اقتصاديات الجيش بعقلانية تدرك حساسيته وأهمية معالجته بحذر، كانت تصطدم إما بتشدد الذين يعتبرون أن مجرد فتحه خيانة عظمى، أو بتشدد الذين لا يرضيهم التفكير فيه بعقلانية وهدوء، معتبرين أن ذلك "إصلاحية انبطاحية لا تليق في زمن الثورات"، وما إلى ذلك من أحكام مسبقة، تنفّر كل الراغبين في فك تشابكات هذا الملف الذي لن يتحقق أي تقدم ديمقراطي في مصر، إلا بعد الوصول فيه إلى صيغةٍ ما، يتطلب توصيفها أولاً وجود مناخ سياسي مفتوح، يكون للتفكير والنقاش في ظله جدوى.

لكن مسألة اقتصاديات الجيش ستتجاوز، حتماً، في ظني كل الانتماءات والمماحكات السياسية، لتصبح مسألة تخص المواطن المصري العادي، حتى لو لم يكن مهتماً بالسياسة إطلاقاً، فمع مرور الأيام واستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، لن تتمكن أي رقابة عسكرية أو قضائية من حجب التساؤلات المشروعة ـ للغاضبين والقلقين والقرفانين ـ عن اقتصاديات المؤسسة العسكرية، وحاجتها إلى المحاسبة والرقابة، بل وحاجتها أن تكون جزءاً من اقتصاديات الدولة، بدلاً من أن تكون تابعة لاقتصاديات دولة مستقلة، يشاهدها عموم المصريين، أحياناً، وهي تهدي لهم منحاً مالية دعماً لاقتصادهم، ويجدون أنفسهم مطالبين بشكرها على تضحيتها، من دون أن يتاح لهم حق التساؤل عن أسباب نشأة هذا الوضع المشوّه، فضلاً عن أن يتاح لهم حق رفض نتائجه الخطيرة، والعمل من أجل وقف تداعياتها على مستقبل بلادهم. 

هل في وسع أحدٍ، مهما كانت قدرته على التنبؤ عالية، أن يتوقع كيف ومتى سيحدث ذلك التغيير في تعامل المصريين مع ملف اقتصاديات الجيش؟ لا أظن ذلك. لكن، ما أنا متأكد منه أن أي تغيير حقيقي لن يتم إلا بالعمل، أولاً، على وقف خط إنتاج الأكاذيب الذي تدعمه "جمهورية اللواءات"، لكي يواجه الجميع يوماً ما أنفسهم بحقائق الأمور، إذا كانوا راغبين حقاً في إنقاذ مصر من سورية والعراق وليبيا واليمن، التي لم تصل إلى أوضاعها الكارثية، إلا ببركات الضباط الذين نسوا مهمتهم في حماية البلاد، وتحولوا إلى رجال أعمال مدججين بالسلاح، وأيضاً بالنصوص الدستورية التي تضمن ألا يجرؤ أحد على محاسبتهم ومراقبتهم.   

belalfadl@hotmail.com