حين قال له مبارك: "أنت انتهازي متملق يا بطرس"

18 فبراير 2016
الصورة

بطرس غالي ومبارك في قمة منظمة الوحدة الأفريقية (1مارس/1987/Getty)

ظلت السياسة الخارجية المصرية تبرّر تقصيرها في ملف نهر النيل على مدى أكثر من أربعين عاماً، بدعوى أنها مشغولة بتحقيق السلام في الشرق الأوسط، وتأمين الحدود الشرقية من خلال التوصل إلى حل عادل للقضية الفلسطينية، والتوصل إلى علاقات متميّزة مع الدول المتقدمة التي تمتلك أوراق لعبة الأمم، لتكون المحصّلة، بعد مرور أربعين عاماً، تعيسة وكئيبة، فلا السلام تحقق، ولا مصر اتخذت مواقف مشرفة في القضية الفلسطينية، ولا حتى قامت بتأمين حدودها الشرقية، فضلا عن عدم تأمينها سيناء، والأدهى والأمرّ أنها لم تكسب الأفارقة كحلفاء وشركاء مصالح، ولم تحفظ نهر النيل من خطر الضياع.

ستخرج بهذا الاستنتاج المرير من قراءة آخر كتاب نشره الدكتور بطرس بطرس غالي قبل رحيله عن دنيانا، وهو كتاب (بين القدس والنيل) الصادر عن دار الشروق، والذي نشر فيه بعض يومياته خلال عمله وزيراً للشؤون الخارجية، تحت إدارة حسني مبارك، وحتى اختياره أميناً عاماً للأمم المتحدة في عام 1991. يمكن أن تتخيل طبعاً لماذا اختار غالي تأخير نشر يومياته كل هذه الفترة، بعد أن كان قد سبق له خلال حكم مبارك نشر يومياته أميناً عاماً للأمم المتحدة في كتاب يحمل عنوان (بانتظار بدر البدور). لكن، ليس عليك أن ترفع سقف توقعاتك وتنتظر وجود آراء صادمة، يدوّنها الرجل عن مبارك على طريقة حواديت مصطفى الفقي الذي شرب "البيريل" بعد فوات الأوان، فبطرس غالي "الموظف القراري" الذي عاصر تقلبات الدهر عليه، وعلى أسرته، لن يرتكب أبداً، وهو في دوائر الحكم حماقة كتابة ما يسيء إلى رئيسه، حتى ولو كان ذلك في يومياته التي لا يقرأها أحد غيره، هو وربما أيضاً زوجته التي يعترف، في أكثر من موضع، بحبها وبالخوف منها أيضا.

غالي بنفسه يروي أنه عندما انتقد مبارك في سبتمبر/ أيلول 1990 المذكرات الحكومية التي كان ابن أخيه، يوسف بطرس غالي، يوجّه فيها انتقادات لسياسات الحكومة المالية، عندما كان يعمل مستشارا لمجلس الوزراء، بعد أن ساعده عمه على دخول السلك الحكومي، برّر غالي ذلك لمبارك بأنه طبيعي، لأن الأجيال الشابة تعتاد قسوة الحكم على الأجيال السابقة لها، ثم اعترف لمبارك أنه يكتب يومياته، مضيفاً: "لكنني أتجنب انتقاد زملائي الوزراء، وأتجنب على وجه التحديد انتقاد رئيسي الذي لا يمكن أن يخطئ أبداً"، فانفجر مبارك بالضحك، قائلا "أنت انتهازي متملّق". لا يرى بطرس غالي غضاضة في نشر ذلك، ربما لأنه يريد أن يقول للقارئ إن قواعد اللعبة كانت بالنسبة له، منذ البداية، واضحةً، لا لبس فيها، فهو رجل يحب بلده ويمتلك رؤية مختلفة لسياستها الخارجية، ترى أن مصلحة مصر ليست مع العرب بل مع أفريقيا أولا وثانيا وثالثا، لكنه في نهاية المطاف مجرد موظف أو صنايعي يقوم بتنفيذ رغبات رئيسه الذي لا يخطئ أبدا، حتى لو كان يخطئ دائما، ورئيسه بدوره يعرف أنه انتهازي متملق ويقول له ذلك بجد مغلّف بالهزل، لكنه أيضا يعرف أن هذا "الانتهازي المتملق" صنايعي شاطر ووجوده مهم كواجهة براقة لنظامه الخالي من الكفاءات، لذلك فهو يحرص على وجوده إلى جواره حتى آخر لحظة، إلى درجة أنه عرقل كثيرا من محاولات بطرس غالي للانعتاق من أسر هذا النظام بالحصول على منصب دولي كبير.

أهمية ما يرويه بطرس غالي في يومياته أنه لا يقوم بروايته على سبيل الفضائحية ولا الرغبة في ادعاء دور البطولة، بل ينشره بشكل تسجيلي جاف. ومع ذلك، سترى بوضوح ملامح العقلية الخربة التي تحكمت في السياسة الخارجية المصرية في مرحلة مهمة من حكم مبارك استمرت عشر سنوات. (راجع ما عرضته من تلك اليوميات في مقالين سابقين عنوانهما: كيف وصلنا إلى سد النهضة ـ مبارك وخمر السلطة). بطرس غالي يروي

كيف أنه كان منذ البداية يحاول نصح مبارك بضرورة أن تعطي مصر لملف نهر النيل والعلاقات بدول حوضه كل أهميتها، لأنها ستواجه أزمة خانقة فيه في المستقبل، مكررا نصحه لمبارك بضرورة اللجوء إلى الطاقة النووية السلمية لحل أزمة الطاقة القادمة من خلال استثمار علاقاتها مع الهند وباكستان، لكن مبارك كان يرفض ذلك دائماً وبحسم، من دون أن يذكر غالي أسباب ذلك الرفض بالتفصيل. بالطبع، أنت لست في حاجة لأن تدرك أن بطرس غالي، بحكم موقعه وتكوينه الشخصي، يعرف أكثر بكثير مما يرويه، لكنه حتما يدخره للوقت المناسب. ولذلك، كنت، طوال الوقت، وأنا أقرأ يومياته، أسأل نفسي: يا ترى، أين يحتفظ هذا الرجل الحويط بمذكراته التي يروي فيها كل ما يعرفه، بعيدا عن قالب اليوميات الذي لا يعطي القارئ أكثر من بدايات خيوط تحتاج إلى أن تعمل خيالك في إكمالها، ثم تعمل عقلك في تأملها؟

على الرغم من كل ما فيها من تحفظ وحذر، تمتلئ اليوميات بوقائع مثيرة وغريبة، تلخص خواء وتهافت رؤيتنا للعالم الخارجي، واعتمادنا عليه بوصفه مصدراً للشحاتة والتسول، وهو ما لا يزال قائماً، حتى الآن، للأسف الشديد. ومن أكثر هذه الوقائع غرابةً وإيلاما حدثت في 5 أكتوبر/ تشرين الأول 1990 بعد شهرين من احتلال صدام حسين الكويت، حيث يروي غالي أنه حمل طلبا مصريا إلى وزير الخارجية الكويتي، الشيخ صباح الأحمد الصباح ـ أمير الكويت الحالي ـ بأن تودع الكويت مبلغ مليار دولار في البنك المركزي لمساندة اقتصاد مصر المأزوم، وذلك بعد أن ذكّر الشيخ الصباح بما قامت به مصر من دعم لموقف الكويت في المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، فقال له الشيخ الصباح إنه مستعد لتقديم عينيه لمصر "لكننا لا نملك الآن أية أموال"، فرد بطرس أنه قرأ في "نيويورك تايمز" أن الأسرة الحاكمة تمتلك 100 مليار دولار خارج الكويت، وأن المؤسسة التي أنشأها الأمير تمتلك المبلغ نفسه، وأن ما تطلبه مصر هو إيداع نصف في المائة فقط من هذا المبلغ، فرد الأمير قائلا "أخي بطرس، لا تصدق ما تقوله هذه الجرائد". وبرغم رخص الموقف برمته يعلّق غالي قائلا ببساطة: "ربما نكون قد أخطأنا بطلب معونة مالية من الكويت، وهي تحت الاحتلال".

الأرملة العبوس

من الجوانب المهمة التي تثيرها قراءة يوميات بطرس بطرس غالي الدور الغامض الذي تقوم به البعثات الدبلوماسية المصرية، والتي لم يطرح دورها حتى الآن لنقاش جاد وحقيقي، ولا أظنه سيطرح أبداً، في ظل سيادة العقلية التي تتعامل مع السفارات المصرية بوصفها مراكز لتلميع النظام الحاكم أمام الدول المانحة، ومقرّات للتجسس على المواطنين المصريين المقيمين في الخارج، وأماكن لمكافأة بعض المرضي عنهم، الراغبين في نيل إجازات مدفوعة الأجر في الخارج، في حين يتم تجاهل الاستفادة من الكفاءات الدبلوماسية الحقيقية التي يمكن أن تلعب دورا مهما لخدمة مصر. 

ولكي لا أتهم بالتحامل على السفارات المصرية ودورها الدبلوماسي، دعونا نقرأ بعض ملامح

الوجه الدبلوماسي لمصر من خلال يوميات الراحل بطرس بطرس غالي الذي كان واحداً من أعمدة الدبلوماسية المصرية، تعالوا نقرأ، مثلاً، ما كتبه بتاريخ 16 مايو/ أيار 1989 أنه التقى في مطار نيروبي بالسفير المصري وبصحبته الملحقة الصحافية الجديدة "إنها سيدة عبوسة تتشح بملابس سوداء، وهي أرملة لديها أولاد كبار، من المؤكد أن هذه أول مهمة لها في أفريقيا، وهي، بالطبع، لا تتحدث اللغة السواحيلية، ولا تتقن الإنجليزية، هذا هو السبب في ضعف الوجود الثقافي المصري في الخارج، وخصوصا في أفريقيا، لأن اختيار مستشارينا الثقافيين، وملحقينا الصحافيين، لا يتم حسب الكفاءة، بل يتم بناءً على معايير غامضة تتدخل فيها العلاقات الشخصية، وطالما استمر الوضع على ما هو عليه، فإن نوعية ممثلينا في الخارج ستظل دون المستوى المطلوب وسيظل أداؤهم أيضا دون المستوى المطلوب"، وفي يونيو/ حزيران 1988 يروي غالي أن السفير المصري في زائير شكا له مطولا من المشاكل التي يلاقيها من البعثة العسكرية المصرية "فالقليل من ضباطنا يجيد اللغات الأجنبية، والقليل منهم أيضا يقدر على تقديم المساعدة التقنية".

في موضعين متفرقين من يومياته، يخرج غالي عن تحفظه، ليرسم صورة للصراعات التي تدور بين الدبلوماسيين، ففي 9 يوليو/ تموز 1985 يروي كيف أفضى إليه مساعده أحمد صدقي أن "أحد سفرائنا، بدون ذكر أسماء، قد زل ووقع في غرام شابة إثيوبية، وأنه يقضي لياليه في بيت الدعارة الذي تعمل فيه هذه الفتاة، وبعد قضاء السهرات والليالي الماجنة هناك، يأتي السفير إلى العمل، وهو في إرهاق وسعادة، قابلتُ هذا السفير العاشق. بالفعل، يبدو سعيدا ومرهقا فهو ينام طوال جلسات المؤتمر". وفي سبتمبر/ أيلول 1985 يروي أن مبارك اتصل به وهو غاضب، وطلب منه معاقبة قنصل مصر في إيلات، لأنه يتنزه بسيارة العمل، وبصحبته شابات إسرائيليات، لكن بطرس، بعد التحقيق في الموضوع، اتصل بمبارك، ليخبره أن التقرير الذي تسلّمه مغلوط، لأن القنصل ليس تحت تصرفه سيارة رسمية أصلا، وأن الذي زرّه الشكوى استغل فقط تفصيلة أنه يقيم في إيلات، من غير زوجته. وهنا، يعلّق غالي قائلا "هناك دوما حروب تدور رحاها وبلا هوادة بين أعضاء البعثات الديبلوماسية وبين السفارات والقنصليات".

بالطبع، يشير بطرس غالي، في يومياته، إلى أسماء ديبلوماسية، تؤدي عملها بكفاءة. لكن، ما يرويه يؤكد حقيقة مريرة، هي أن مجهودات جميع هؤلاء، بل ومجهوداته هو، تذهب دائما أدراج الرياح، إذا لم تتوافق مع رغبة رئيس الجمهورية، فبرغم أن غالي أكد لمبارك كثيرا على أهمية اللجوء إلى الطاقة النووية، لأن موارد مصر البترولية ستنفد خلال عشر سنوات، إلا أن مبارك، كما سبق أن روينا من قبل، أهدر في فبراير/ شباط 1986 فرصة خطيرة، كان يمكن أن تغيّر مستقبل مصر، عندما عرض عليه رئيس الغابون، مارتن بونجو، وضع مخزون اليورانيوم الخاص ببلاده تحت تصرف مصر، إذا قرّرت بناء محطات نووية، فرفض مبارك الطلب، قائلا إن مصر ليس لديها الأموال اللازمة لبناء هذه المحطات، مع أن غالي يجزم أن ذلك كان ممكنا بالتعاون مع الهند وباكستان، لو قرّرت مصر أن تتصرف من دون مراعاة للرضا الأميركي.

ستجد ملمحا آخر لأزمة ارتباط الدور الديبلوماسي بشخص الرئيس هو تضاؤل دور الخارجية

مقارنة بدور الأجهزة السيادية التي تتعامل مع الرئيس مباشرة، فمبارك مثلا يتجاهل معلومات غالي حول انتماء قادة الانقلاب العسكري في السودان عام 1989 للتيار الأصولي، ويعتمد معلومات المخابرات التي تشيد بقادة الانقلاب. ولم تكتف المخابرات بذلك، بل قامت بمواجهة غالي باستيائها من موقفه في اجتماع وصفه بأنه عسير. وعندما تقرأ كل تلك التفاصيل، لن تستغرب كيف تحوّل وزير الشؤون الخارجية إلى مدير تشريفاتٍ، يلومه الوفد الرئاسي بشدة في يوليو 85 لأنه لم يوفر للوفد إقامة فاخرة خلال زيارة الرئيس أديس أبابا، ويتم تجاهل تفسيرات غالي بأن الإقامة تتم حسب إمكانيات إدارة المراسم الإثيوبية، وأنه لا توجد فروق بين مقار الإقامة المخصصة لبقية الوفود.  

مهازل متفرقة

تبدو واقعة هامشية مقارنة بوقائع أخرى، رواها بطرس غالي في يومياته، لكنها تصلح تماما لتلخيص أحوال مصر المأساوية، طوال العقود الماضية: حدث ذلك عندما كان غالي طالبا زائرا في جامعة كولومبيا بنيويورك، وكانت مصر قد أعلنت تأميم قناة السويس، وفوجئ غالي بإسماعيل فهمي الذي كان وقتها نائب وزير خارجية يتصل به، ويطلب منه أن يزوده بنص اتفاقية القسطنطينية لسنة 1882 الخاصة بقناة السويس، فاستعان غالي بكتاب أستاذه البروفيسور ج. ك. هوريفتيش الذي جمع فيه أهم المعاهدات في الشرق الأوسط، على الرغم من أنه وجد فيه نص الاتفاقية بدون المقدمة، وأرسل النص إلى إسماعيل فهمي، وعندما طبعت الحكومة المصرية نص الاتفاقية كما جاء بها، استغلّ رئيس وزراء بريطانيا إيدن ذلك قائلا: "انظروا سوء نية المصريين: لقد نشروا نص الاتفاقية، وحذفوا منها المقدمة التي تنص بوضوح على أن قناة السويس هي قناة دولية، وهذا النص يمنع مصر من تأميم القناة بدون موافقة الدول التي تستخدمها". وهنا يعلّق غالي: "حتى لو كنا قد اعترضنا على ما قاله إيدن، فلن يوجد أحد يصدق أن وزارة الخارجية المصرية لا يوجد لديها نص هذه الاتفاقية، وأننا قد لجأنا للاستعانة بكتاب أميركي للحصول على النسخة المتاحة، وأننا لم نقصد أن ننشرها مجتزأة عن مقدمتها". للأسف، كان يمكن، ونحن نقرأ هذه الواقعة، أن نضرب كفا بكف، ونحن نتعجب كيف كانت سياسة بلادنا تُدار بكل هذه الارتجالية والعشوائية التي تجعلنا لا نمتلك نص اتفاقية عن أهم وأخطر منشآتنا الحيوية، لكننا لن نفعل، لأننا نعلم أننا لا زلنا، بعد كل هذه السنين، ندير سياستنا بذات الارتجالية والعشوائية، إن لم يكن حالنا قد بات أنكى وأضل. 

في مواضع كثيرة من يومياته، يروي بطرس غالي شواهد على تلك العشوائية التي أديرت مصر بها في عهد مبارك، من دون أن يتوقف عندها غاضباً أو منتقداً، لأنه، منذ البداية، قرّر أن يكون مشاركاً صامتاً في كل ما يجري، فهو يعلم أن ما يقوله لن يغيّر شيئاً طالما ظل القرار في يد فرد واحد، يفعل ما يريد، كيف ما يريد، وقت ما يريد، ولذلك، عندما يرى، مثلاً، الزعيم الأسطوري نيلسون مانديلا يشكو له كيف أن مبارك خذله، ولم يقدم له عونا ماليا كان قد وعده به، لا يسجل غالي رده على موقف محرج كهذا بل ينقل الحديث إلى التعبير عن انبهاره بكاريزما مانديلا وحكمته. وعندما يروي كيف عبّرت له زوجة فرانسوا ميتران عن سخريتها من ولع مبارك برواية الحكايات الساخرة عن القذافي، لا يرد عليها غالي، بل يروي الحكاية بنبرات فخرٍ، ربما لأنه حاز على ثقة سيدة فرنسا الأولى، التي كان زوجها صديقه وأكثر دعماً له من رئيسه الذي يروي غالي كيف عرقل طموحه الدولي كثيرا.

ليس عندي أدنى شك أن بطرس غالي قام بمراجعة يومياته، قبل أن ينشرها، وقام بالحذف منها والإضافة إليها. ربما يؤكد ما أقوله وجود خطأ في اسم رئيس السودان، حيث تم وضع اسم عمر البشير في وقت كان يرأس السودان وقتها عبد الرحمن سوار الذهب، وقبل أن يظهر البشير على خريطة الأحداث. وربما لذلك، لم ينشر بطرس غالي يوميات عام 1982 لأن بها وقائع لا يريد نشرها حتى الآن. لكنه في مواضيع قليلة من اليوميات يتخلى عن حذره الدبلوماسي ويتحدث على سجيته دون رتوش، في 18 ابريل/ نيسان 1985 مثلا، يكتب بعد مشاركته في افتتاح شارع جمال عبد الناصر في نيودلهي، قائلا "تنتابني مشاعر غاية في التناقض، فها أنا ذا اليوم أحتفل بذلك الرجل الذي كانت أمي وأسرتي كلها تكرهه، ذلك الرجل الذي دمّر الطبقة البورجوازية العليا في مصر. ومع ذلك، فإنني أقوم بدوري في الاحتفال باسمه في تلك اللحظة وبصدق وإخلاص حقيقيين".

 وعلى الرغم من أن غالي يحرص، مثلاً، على نفي شائعة أن هناك مسيحياً واحداً فقط يتم اختياره في كل امتحان تقيمه وزارة الخارجية، معتبرا أن "هذه مجرد شائعات ينشرها المتعصبون من الأقباط الذين لا يقلّون إيذاءً عن المتعصبين من المسلمين"، إلا أنه لا يخفي شعوره بالمرارة ممّا تعرّض له هو شخصيا من ظلم طائفي، فيكتب عن لقائه بوزير خارجية نيجيريا، إبراهيم جامباري، في مارس/ آذار 1984 الذي قال له إنها المرة الأولى التي يتولى فيها مسلم منصب وزير الخارجية، بعد أن كان المنصب حكراً على المسيحيين فقط، وهنا يعلّق غالي "لم أستطع منع نفسي من عقد مقارنةٍ مع ما يحدث في بلدي، فمنذ الثورة الناصرية لم يتقلّد منصب وزير الخارجية سوى شخصيات مسلمة، يجب أن نأمل في أن ما حدث في نيجيريا سيحدث مثله في مصر يوما ما، وأن نعود إلى الوضع الذي كان سائدا في أيام جدي وعمي نجيب غالي وواصف غالي اللذين قادا الخارجية المصرية في أيام ما قبل ثورة 1952". وبعد أشهر من تلك المقابلة وبالتحديد في 7 يونيو/ حزيران، يقول بطرس غالي لوزير الخارجية كمال حسن علي الذي كان في طريقه لأن يصبح رئيسا للوزراء، "سيكون الوقت قد حان لأن أخلفك في وزارة الخارجية"، فيقول له كمال حسن علي بصراحة ودودة كما وصفها غالي "لا تنس أنك مكروه تماما في العالم العربي منذ مرافقتك للسادات في رحلة القدس، بالإضافة إلى ذلك، فأنت قبطي، وأنت تعرف جيدا أنه منذ قيام الثورة فإن هذا المنصب أصبح مخصصا للمسلمين فقط، نظرا إلى العلاقات الوثيقة التي تربطنا بالدول الإسلامية"، فيعلق غالي "استمعتُ إليه في صمت وشعرتُ فجأة بأنني أريد أن أهجر كل شيء".

ختاما: صحيح أن الدكتور بطرس بطرس غالي قال أشياء كثيرة في يومياته عن عمله مع حسني مبارك، وداخل دولاب الدولة المصرية الشائخة على روحها، لكن السؤال الوحيد الذي يتبادر إلى ذهنك، وأنت تغلق تلك اليوميات هو: "ما دام بطرس بطرس غالي قد قال كل هذه الأشياء، فهل هناك يوميات أخرى، قال فيها كل ما لديه، وكان فيها على سجيته، وهل يمكن أن نرى هذه اليوميات بعد رحيله، إذا لم يكتب لها أن ترى النور في حياته؟".