سفاسف الأمور

19 فبراير 2016
الصورة

لم تعد مواجهة الدببة الآن حكراً على ليوناردو ديكابريو

ـ تبدأ الشيخوخة حين يعتقد الإنسان أنه قادر على إقناع من هم أصغر منه سناً، بأهمية أن يحولوا "السفّ" من غاية إلى وسيلة.

ـ الحقيقة مثل الشمس. ولذلك اخترع الإنسان "نضارات الشمس".

ـ أشياء كثيرة قالها عبد الفتاح السيسي، في بدايات حكمه، اتضح الآن أنها كانت أكاذيب أو ضلالات ذهنية حادة أو "تهيؤات"، ليس من بينها أن الجن والعفاريت سيتعجبون من أحوال مصر، فالثابت والمؤكد أن حلوقهم انشرخت من فرط التعجب. 

ـ لست من الذين يتعاملون باستخفاف مع الموت وأخباره. ومع ذلك، لم أستطع منع نفسي من الضحك، حين قرأت في صفحة الوفيات نعياً كتبه زملاء أحد الموتى بتأثر بالغ، لدرجة أنهم نسيوا مراجعته، فتم نشره منتهيا بعبارة تقول "وندعو الله أن يخمده برحمته".

ـ تطورات الواقع العربي أعادت ترتيب قصيدة أبي القاسم الشابي الشهيرة داخل عقلي، فأصبحت كلما سمعت من يقول: "إذا الشعب يوما أراد الحياة"، أكمل البيت قائلا "يَعِش أبد الدهر بين الحُفَر".

ـ كنت أستمع بالصدفة إلى خبير استراتيجي يتحدث زاعقاً عن فضائل مصر التي يساهم هو وزملاؤه من اللواءات العاملين والمتقاعدين في نهبها، فتذكّرت عمنا، جلال عامر، رحمه الله، فقد كان له "لزمة" فريدة في ذكائها وخفة ظلها، كان كلما سمع أحداً يجيب سيرة "مصر وحضارة السبعتلاف سنة"، يقول بجدية شديدة: "وشوف دي تعمل كام باليورو".

ـ كادت أخبار المعتقلين وصرخات أحبابهم وأسرهم تخنقني كمداً، لولا أن أرسل الله إليّ خبرا عنوانه (تأجيل محاكمة أصحاب ماركس لتوظيف الأموال إلى أول فبراير)، ماركس وتوظيف أموال، متشكرين يا مصر. لكن، ما هي الخطوة المقبلة؟ "معهد إنجلز لإعداد الدعاة"، أم "كتائب الشهيد آدم سميث". 

ـ كل من يردد بحماس بالغ مقولة "ما يبقى على المداود إلا شر البقر" ينسى طبعاً أنه "لسه عايش".

ـ لعلك لن تجد كلمة تعرضت للإبتذال مثل كلمة (ابتذال).

ـ الحياة فعلاً يوم لك ويوم عليك، لكن المشكلة أنك دائما في اليوم الذي لك، تتذكّر أن اليوم التالي سيكون عليك، فتضيع فرحتك به، وفي اليوم الذي عليك، تنسيك شدة الفشخ وقسوة المعاناة، أن هناك يوما قادما سيكون لك.

ـ يحتفي الناس دائماً بالصداقات القديمة، ويعلقون عليها آمالا كبيرة، لكنهم، ربما لأنهم ميالون إلى الاعتقاد بقابلية الإنسان للتغير، لا يعطون العداوات القديمة نفس الاهتمام، ومع أن تاريخ كل إنسان يمتلئ بذكريات معاناته من عدو قديم، ظن أن تقلبات الزمن قد صيّرته "وليا حميما"، إلا أن الإنسان بوصفه يحب المفاجآت حتى لو كانت خيانات، يميل إلى الاعتقاد بهراء منتشرة من نوعية المثل القائل: "ما محبة إلا بعد عداوة"، وهو مثل اخترعه بالتأكيد شخص مرمطه الزمان، وجعله في حاجة إلى عدو قديم، فاخترع هذا المثل فقط لكي يتخفف من شعوره بالإذلال. ما أستطيع نصحك به هو الآتي: إذا اضطرك الزمن لأن تجعل من عدو قديم "صديقا"، لا تضاعف حماقتك وتجعله صديقا مقربا، وإذا كنت تصدق الحكيم الذي قال "أبق أعداءك على مقربة منك"، فيبدو أنهم لم يخبروك كيف تم قتله، ولا من الذي ظل "يغرفه" حتى الموت؟

ـ مع كل سطر متطرف تخسر معتدلاً، ومع كل سطر منصف تخسر متطرفاً، ومع كل سطر جريء تخسر محافظاً، ومع كل سطر متزمت تخسر جريئاً، ومع كل سطر تكتبه من غير التفكير فيمن ستخسره، ستكسب نفسك.

ـ على الراغبين في تلبية شهوة القتل أن يتحكموا في أعصابهم قليلاً، بدلاً من أن تقوم بتفجيرات انتحارية، أو تتورط في قتل أشخاص أبرياء فيُلقى القبض عليك وتحاكم عسكرياً وتُعدم. لماذا لا تدخل كلية الشرطة، وتتخرج ضابطاً لكي تقتل من تشاء، وحتى لو لا قدر الله تعرضت للسجن، ستقضي إقامة فندقية في حراسة زملائك ضباط الشرطة، ثم ترجع إلى الخدمة لتمارس القتل من جديد.

ـ لم تعد مواجهة الدببة الآن حكراً على ليوناردو ديكابريو، أنا أيضا جربتها، الأسبوع الماضي، مع فارق مهم، هو أن تجربتي لم تكن مصنوعة بخدع الجرافيك، بل كانت مواجهة حقيقية مع دبين بلا أسوار ولا حواجز، وغياب الأسوار والحواجز ليس وراءه سوى أن ذلك النوع من الدببة، برغم ضخامة حجمه النسبية، ليس مهتماً أصلا بلحوم البشر، مهما حدث بينه وبينهم من مواجهات. ولذلك، لم يحرك أحد الدبين ساكنا، حين اقتربت منه لأقوم بالتقاط "سيلفي" معه، اللافتة المثبتة إلى جواره كانت تقول أنه ينتمي إلى نوع يحمل اسم "أندين بيرز"، موطنه الأصلي فنزويلا وبيرو، يطلق عليه أيضا الدب أبو نضارة، لأن حول عينيه بقعا بيضاء مستديرة تبدو كأنها نضارات، مع أنها بدت لي كأنها حلقات شعر شايب، حين سألت الحارسة عن عمره قالت لي إن عمره أربع سنين، مع أن مؤخرته لوحدها كانت أضخم من الكابتن ممدوح فرج والدكتورة سميرة محسن مجتمعَين. حين سألت الحارسة عن أكلته المفضلة قالت لي ببساطة: "الزبالة"، ففهمت لماذا ظل طيلة الوقت ممسكا بين يديه بكيس زبالة ورقي ضخم، دون أن يتوقف عن العضعضة فيه ولا مؤاخذة، وحين سألتها عن سر تلك الحركة العصبية، خصوصا أن الكيس فارغ كما يبدو، استغربت السؤال وتوجهت إلى طفل يسأل أسئلة أكثر منطقية وجدوى، الإجابة حملتها لي لافتة أخرى مثبتة إلى جوار منطقته، تطلب التبرع له، لأن صنفه المسكين معرض للانقراض، لأن سكان المناطق الأصلية التي ينشأ فيها في فنزويلا وبيرو، يعتقدون دينيا أن ذلك النوع من الدببة بالذات يمثل رابطا بين الجنة والأرض، ولذلك يسارعون إلى صيده وذبحه، لأخذ دهونه الوفيرة ووضعها على بطن الطفل الرضيع، لينال بركة الجنة وينجو من تعاسات الأرض، وربما لذلك بدا على صديقنا الدب الاكتئاب الشديد، لأن ظروفه أفضت به إلى العيش مع بشر يستقوون على الدببة التي تحب الزبالة، من دون أن يجرؤوا على فعل ذلك مع الدببة التي يمكن أن تنكل بهم أشد تنكيل، والحقيقة أن القصة أثرت في لدرجة أنني امتنعت عن التبرع لإنقاذ الدب أبو نضارات، لعل فناءه يكون إنقاذا له من تلك العيشة الزبالة.

ـ من علامات انحطاطنا الحضاري أن نجاح الإنسان الشخصي دائماً مرتبط بفكرة أنك "تقعّد حد تاني في بيتهم"، لا أدري هل يوجد لدى باقي شعوب الأرض، كما لدينا أم تدعو لابنها حلو الصوت بتأثر بالغ: "يا رب يا بني بكره تنجح وتقعّد عمرو دياب في بيتهم"، أو أب يراقب بفخر من بلكونة بيته ترقيصة يقوم بها ابنه في الشارع، ثم يقول لأمه بيقين العارفين بالله: "شايفة ابنك حريف إزاي يا صفية، بكره بعون الله يكبر ويقعّد ميسّي في بيتهم"، عن نفسي لم أسمع كلاماً مثل هذا من أمي طيلة طفولتي وصباي، ليس لأنها كانت مقصرة في حقي كولد كانت تعلم عشقه المبكر للكتابة، بل لأنها كانت قارئة كلاسيكية الذوق، كل كتابها المفضلين من الأموات، ولذلك لم يكن منطقيا أن تدعو لابنها قائلة: "يارب يا حبيبي تقوِّم ابراهيم عبد القادر المازني من قبره وتقعد مكانه". على أية حال، مضطر لأن أستأذنك الآن في الانصراف المؤقت، فقد خطر ببالي أن أصلي ركعتين لقضاء الحاجة، لكي أدعو أن يوفق الله كلتا ابنتيّ عندما تكبران، ليس مهما في أي مجال، المهم أن يوفقهما الله "فيقعّدوا اتنين ناجحين في بيتهم".