رحيل المستولي على الرؤوس (2)

22 فبراير 2016
الصورة

لولا رهان الأستاذ محمد حسنين هيكل الدائم على ضعف ذاكرة المصريين، وإيمانه بما قرّره قديما أمير الشعراء، أحمد شوقي، بأن "كل شيء في مصر يُنسى بعد حين"، وما ترجمه نجيب محفوظ، بعد ذلك، نثراً حين قال إن "آفة حارتنا النسيان"، لما كان قد كُتب لهيكل الاستمرار متربعا على قمة الصحافة ستة عقود، وهو رهان هيكلي ستجده لدى كثيرين من تلاميذه القدامى والجدد، الذين لا يعبأون، على الإطلاق، بتبديل مواقفهم طبقاً لاتجاه الرياح السلطوية أو الجماهيرية، لأنهم يعلمون أن ضعف الذاكرة الجمعية سيجعلهم يمرّون بمواقفهم ونقائضها، من دون رقيب ولا حسيب. 

حين يروي هيكل، في كتابه الأكثر إثارة للجدل "خريف الغضب"، وقائع مجيء أنور السادات نائباً لعبد الناصر، يحرص على التأكيد أن اختيار السادات كان مجرد مصادفة وقعت في غفلة من الزمان، وأن سجل السادات كان حافلا بالشبهات، من دون أن يرى في ذلك أي تناقض مع ما سبق أن رواه في الكتاب نفسه عن كونه صاحب الدور الأكبر في تثبيت صاحب السجل الحافل بالشبهات على عرش مصر. في حوار لهيكل مع الكاتب صلاح عيسى، يقول إنه "كان يعلم أسباب القصور في السادات، لكنه تصور أنه سوف يتطور، قبل أن يخيّب السادات ظنه"، وهو ما يعلق عليه الدكتور فؤاد زكريا في كتابه "كم عمر الغضب؟" قائلا بحدة: "ما الذي أرغمك على هذا التصور، يا سيد هيكل، ألم يخطر ببالك أن الحكم والقوة ستزيد السادات فساداً"، مضيفا أن هيكل يهين عقل القارئ، حين يتصور أن القارئ سيتغافل عما سبق أن رواه له هيكل عن مؤازرته السادات، وأن القارئ لن يلتفت إلى أن هيكل يقدّم لوقائع حياة السادات وجهين: وجها ساطعا وبراقا في عامي 71/72 ووجهاً قاتماً تماما في عام 83 عندما أصدر كتاب "خريف الغضب"، والمؤسف الذي ربما أدركه فؤاد زكريا، مع مرور الوقت، أن رهان هيكل على ضعف ذاكرة القارئ كان صائباً، وأنه نجح في استغفال عموم القراء الذين صدّقوا أن غضبه على السادات كان أصيلاً وصادقاً، ولم يكن مرتبطاً بغرض ومصلحة.

في حواره مع صلاح عيسى، يحلل هيكل أسباب خلافه مع السادات، قائلا إن السادات "كان يشعر بالفارق بين علاقتي به وعلاقتي بعبد الناصر، وربما كان إحساسه بأنني لعبت دوراً في توليه السلطة لم يكن يعطيه سعادة، فالإنسان عادة لا يسعد بأن يكون مديناً لأحد"، ثم يروي هيكل كيف أن السادات طلب منه أن يكتب عن ثورة السودان، فقال له هيكل: "أخشى أن تفهم أن عبد الناصر كان يحدد لي ما أكتب فيه، وهذا غير صحيح، وأنا أعترض على أن تحدد لي ما أكتب فيه". لكن هيكل لم ينكر أنه، بعد فترة من القطيعة بين السادات، وافق على طلب السادات بأن يكتب له أحد خطاباته، ولم يمانع، ما يعني رغبته في أن تظل إشارته الخضراء مضيئة في وجه السادات، لتظل كذلك، حتى رجحت كفة موسى صبري الذي قرّر السادات أن يجعله كاتبه المقرب، ويستبعد هيكل من الصورة تماما.

المستولي على الرؤوس

قبل أن يصبح موسى صبري كاتب السلطة الأول في عهد السادات، كان قد استمع إلى رأي ثاقب في سلفه محمد حسنين هيكل، قاله له الكاتب والروائي، إحسان عبد القدوس الذي تربطه علاقة مركّبة بهيكل، جعلته يكتب عنه من دون تسميته طبعا، في روايته "وغابت الشمس ولم يظهر القمر"، وهو ما فعله روائي آخر من مدرسة روز اليوسف نفسها، هو فتحي غانم الذي استلهم علاقة هيكل بالتابعي في روايته الشهيرة والجميلة "زينب والعرش".

قال إحسان لموسى صبري: "طريقة هيكل هي أن يستولي على الرأس، استولى على رأس والدتي روز اليوسف، ثم استولى على رأس محمد التابعي، ثم استولى على رأس التوأمين مصطفى وعلي أمين، ثم على عبد الناصر". وبالطبع، لم يكن إحسان يقصد أن هيكل استولى على هؤلاء جميعا بالسحر والأعمال السفلية أو بحديثه المعسول وشخصيته اللطيفة، بل كان يقصد أن هيكل استولى على كل هؤلاء، بسلاحه الأهم والأمضى: المعلومات والوثائق، وهو نفس السلاح الذي استولى به، بعد أن فقد موقعه في السلطة، على عقول تلامذته ومريديه، وعلى عقول قرائه ومشاهديه أيضا، واستطاع بفضله أن يمرّر كثيراً من تناقضات مواقفه وأحكامه الخاطئة، لأن للمعلومة والوثيقة سحراً فريداً، في بلد يصعب الحصول فيه على أي معلومة موثقة.

على مدى سنوات طويلة، كان هيكل يبهر الكثيرين من متابعيه، حين يعرض معلومات تم نشرها في كتب أجنبية، أو أتيح الاطلاع عليها للباحثين، بعد انتهاء فترة حظرها، وكان يعمل في مساعدته طاقم متكامل من المساعدين، يحرص على أن يكون على مكتبه كل صباح، أبرز ما نشرته الصحف العالمية المهمة بمختلف اللغات، وملخصات دورية لأهم الكتب التي تتعرض لشؤون مصر والمنطقة العربية، وكان يضيف إلى هذا الكم من المعلومات ما يمتلكه من وثائق وحكايات وأسرار، يطلعها عليه مريدو مكتبه الذي تحول إلى مزار قاهري، لا يأتي سياسي عربي أو أجنبي إلى مصر وزاره، ليحظى بشرف المثول في حضرة هيكل، مقدماً قرابين الولاء، بحكايات أو أسرار أو وثائق جديدة. لذلك، ظل لدى هيكل دائماً ما يقوله ويفاجئ به مستمعيه.

ومع ذلك، تراجع تأثير المعلومات الهيكلية، إلى حد ما، لدى الأجيال الجديدة، بعد أن تضاعف تأثير الإنترنت الذي جعل كثيرا من المعلومات المترجمة عن الكتب والصحف الأجنبية متاحة لكثير من الشباب، في حين أن ذلك كان، حتى منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أمراً صعبا للغاية. يحضرني هنا مثل للتدليل على ذلك، حدث حين شاهدت الأستاذ هيكل في حوار مع لميس الحديدي، قبل عامين، وهو يتحدث عن وثيقة سرية، تمكّن من الحصول عليها، وبدأ يروي ما جاء بها بحكيه الماهر الذي يؤكد علمه الدائم ببواطن الأمور، وهو ما جعل لميس الحديدي تجلس متسمرة في كرسيها فاغرة فمها، وهي تستمع إليه، بينما كانت الوثيقة التي يتحدث عنها هيكل منشورة قبل شهرين من حديثه في موقع صحيفة الأخبار اللبنانية التي ترجمتها بدورها عن موقع ويكليكس. ولعلنا في هذا السياق نفسه، نفهم لماذا كان هيكل يشطح، حين لا يعتمد تحليله على الوثائق والمعلومات، وهو ما ظهر قبل ثورة يناير في سلسلة أحاديثه المتشائمة مع المذيع محمد كريشان، والتي تحدث فيها طويلاً عن الموت العربي، مستبعدا قدرة أي حراك سياسي على تحريك الشارع العربي، ومستخدماً تعبيرات من نوعية أن الأمة العربية تقفز في مسبح خالٍ من الماء، وهو ما نسيه تماما بعد اندلاع الثورات العربية، ليتكرّر الموقف نفسه في 2013، حين تورط في أكبر رهان خاطئ في تاريخه، حين أطلق على عبد الفتاح السيسي لقب "المرشح الضرورة"، وأخذ يكرّر وقائع لقاءاته به وانبهاره بحماسه وإخلاصه ومهاراته، ليبذل مجهوداً بعد ذلك بسنة في نفي ارتباطه الوثيق بالسيسي، بعد أن أظهر خواءه وتخبطه، ولعل عدالة السماء شاءت أن يكون ذلك الرهان الخاسر آخر رهانات هيكل السلطوية، ليدفع ثمنه غالياً من صورته التي كان يريد لها أن تظل أيقونية، حتى اللحظة الأخيرة.

هيكل والسادات

يبقى السؤال: لماذا لم يستولِ هيكل على رأس السادات، برغم ما كل فعله من أجله؟، حين يطرح الكاتب محمود فوزي هذا السؤال على الكاتب الشهير، أنيس منصور، يقول له إجابة مباشرة ونافذة، من شخص عرف السادات، كما لم يعرفه الكثيرون، حيث يقول أنيس منصور: "السادات كان يرى في هيكل أنه لا يمكن أن يكون صديقا له، أو مخلصاً، لأنه ببساطة شاف السادات وهو صغير، بينما هيكل كان كبيراً وقتها.. لقد كان السادات يعتقد أن هيكل لا يمكن أن يخلص له مثلما أخلص لعبد الناصر الذي اصطفاه وفضله على العالمين". وهو معنى يؤكده السادات بنفسه في حوار له مع موسى صبري، نقله في كتابه "السادات الحقيقة والأسطورة"، حين قال: "كان هيكل أخطر مركز قوى في عهد عبد الناصر، لأنه كان يتولى الدعاية للنظام، كان المخرج الفني.. لذا أشركه عبد الناصر في كل تفصيلات الأمور، لدرجة أن هيكل اقتنع فعلاً أنه شريك في الحكم". وبالطبع، لم يبدُ على السادات في حديثه هذا أنه ممتن لهيكل الذي ساعده في التخلص من بقية مراكز القوى التي كادت تطيحه من على عرش مصر.

في كتابه "السادات وهيكل وموسى"، ينقل حنفي المحلاوي رواية درامية مهمة، من دون تأكيد على مصدرها، تقول إن السادات قال لهيكل، في الفترة التي شهدت تصاعد خلافهما: "تفتكر إن الناس في مصر هيفضلوا لفترة طويلة يقرأوا لصحفي واحد فقط ـ يقصد هيكل ـ المفروض إن ده وضع لازم يتغير فوراً"، ليرد عليه هيكل: "إذا كان كلامك ده حقيقي، يا ريس، فهذا وضع أحسن مما هو حادث الآن، وهو إن كل الصحفيين في مصر الآن يكتبون لقارئ واحد". وهي إجابة شديدة الذكاء والقوة، إن صح توجيهها للسادات، بهذا الشكل، لكنها أيضا تطرح سؤالاً مهماً على هيكل نفسه هو: "وهل كان الصحفيون في عهد عبد الناصر يكتبون لقارئ غير عبد الناصر؟".

باستخدام تعبير إحسان عبد القدوس، لن نستطيع إغفال أن هيكل حاول أن يستولي بعد رحيل السادات على عقل مبارك، من خلال مبادرته بنصحه وجهاً لوجه في لقاءاته معه التي روى تفاصيلها في كتبه التي صدرت بعد خلع مبارك، أو من خلال نصحه مبارك على الملأ في رسائله التي وجهها له عبر صحيفة "أخبار اليوم"، قبل أن يمنع نشرها لسنين طويلة، وتنشر بعد ذلك في صحيفة "المصري اليوم"، لكن كل تلك النصائح لم تكن مجدية، لأن مبارك كان قد تشرب كراهية هيكل من سلفه وولي نعمته السادات، فأغلق الباب في وجه هيكل الذي أدرك سريعاً أن الزمن قد تغير، فقرّر أن يستولي هذه المرة على عقل القارئ، لتكون فترة مبارك بكل مراحلها، أهم فترات تشكيل هيكل ككاتب داخل مصر وخارجها، حيث انتقل من كونه كاتباً بارعاً في فن المقال إلى الكاتب الأبرع في فن صناعة الكتب السياسية، ليستغل أرشيفه من الوثائق خير استغلال، ويؤدي نجاح كتبه الساحق إلى تعميم الرواية الهيكلية للأحداث، مع سد السلطة الحاكمة كل منافذ الوصول إلى المعلومات، حول ما جرى في مصر، منذ بدأ في حكمها ضباط يوليو، وهو أمر حين يتغير، وحتما سيتغير، لن يدع لرواية هيكل الأهمية نفسها التي نالتها، في الوقت الذي مكنته فيه وثائقه من أن يكون "المؤرخ الأوحد".

الحظ والشرف؟ 

يصف هيكل صداقته مع عبد الناصر بأنها كانت "صداقة الحظ والشرف"، لكنه يتناسى، وهو يطلق تعبيره الدرامي هذا، أنها لم تكن مجرد علاقة شخصية بين كاتب وقارئ، بل كانت علاقة شراكة بين رجل دولة وكاتب موهوب، صحيح أنها كانت، في بعض الأحيان، سبباً في إصلاح مسار قرارات خاطئة، كما يشهد بذلك محمد أحمد فرغلي، رجل الأعمال البارز الشهير، بملك القطن، في كتابه "عشت مع هؤلاء"، وهي شهادة تلقاها هيكل بامتنان شديد، وصحيح أن تلك الصداقة كانت، في بعض الأحيان، سببا في تحسين أوضاع الصحافة، وفي نجاة بعض الكتاب من بطش أجهزة الأمن، بعد أن نجح هيكل في تحويل (الأهرام) إلى محمية صحفية، تتمتع بأعلى سقف في النقد المدجن والأدب الرمزي، مثلما حدث لنجيب محفوظ، بعد أن نشر رواية "أولاد حارتنا"، وما حدث مع توفيق الحكيم حين نشر مسرحيتي "السلطان الحائر" و"بنك القلق"، لكن ذلك لن ينفي عن هيكل أنه كان شريكاً لعبد الناصر، في كل خطاياه السياسية، مهما حاول أن يتبرأ من ذلك، ولن ينفي عنه أنه اختار، بعد رحيل عبد الناصر، دور المجمّل السياسي، بدلا من دور الشاهد المتحمل للمسؤولية، على كل ما جرى في مصر من كبتٍ للحريات، وعسكرة للدولة والمجتمع، وتغليب لأهل الثقة على أهل الخبرة، وإدخال البلاد في مغامراتٍ عسكرية مفزعة النتائج، لا زالت مصر تدفع ثمنها حتى الآن، بشهادة الجنرال الذي رآه هيكل ضرورة، حين اعترف أن تحول الدولة المصرية إلى أشلاء بدأ عقب هزيمة 1967.

لكي لا يبدو حديثي هذا متأخرا، لأنه جاء بعد رحيل هيكل، أحب أن أنقل لك ما سبق أن كتبته في عام 1997، في صحيفة الدستور، وقد قلت يومها أن كون الأستاذ هيكل أهم كاتب سياسي في مصر، وصاحب مواقف مناهضة للصهيونية والهيمنة الأميركية، لن يغفر له، في نظر جيلي، "أنه كان صانع قرار في يوم من الأيام، وكاتب سلطة تحول إلى سلطة مستقلة بذاتها، ولم يجن الوطن من وراء ذلك إلا الهزيمة وغياب الحرية والخيبة في كل المجالات. ليس هيكل بالطبع سبب كل ذلك، لكنه كان مشاركا فيه، ويا ليته يحدثنا (بصراحة) محدداً مسئولياته ودوره وأخطاءه بالضبط، علنا ندعو له بالمغفرة والرحمة، أطال الله في عمره".

بعد أن كتبت هذا الكلام بعام، كان لقائي الأول بالأستاذ هيكل في حفل إفطار نظمته دار الشروق، وكان الأستاذ لطيفا للغاية في معاملته معي، وكان رحب الصدر بشكل مدهش، فيما بعد، في تقبله كل انتقاداتي التي لم أتوقف عن كتابتها في مناسباتٍ عديدة، ولم تكن معاملته تتغير معي بعدها أبدا، لكنه كان يتجاوز محاولاتي لمناقشة تلك الانتقادات، كلما جمعنا لقاء شخصي أو عام أو مكالمة تليفونية، مكرراً أنه ليس لديه ما يقدمه لي، ولأبناء جيلي من إجابات عن زمنه، باستثناء ما سبق أن كتبه بالفعل، وأنه يريد أن يعرف إجاباتٍ عن زمني وزمن جيلي، وزمن الأجيال التالية له.

 كتبت عن بعض هذه اللقاءات من قبل، وثمّة ما لم أكتبه بعد، وعلى الرغم من أنني استفدت كثيرا من مقابلاتي معه، خصوصا لقاءنا المطول الأخير الذي جرى في مطلع عام 2013، وكان مخصصا للحديث عن علاقته بساسة ما قبل ثورة يوليو، وعلى رأسهم الزعيم الوفدي مصطفى النحاس الذي كنت أكتب مسلسلا تلفزيونيا عنه، إلا أنني فخور بأنني قاومت إغراء التحول إلى مريد أو درويش، في حضرة هيكل الذي إن لم يستولِ عليك بلطفه، سيستولي عليك بفكرة أنك تجلس في حضرة حقبة من التاريخ، وهو إغراء وقع في غوايته صحفيون وكتاب كثيرون، عاش بعضهم سنوات طويلة، من دون أن يحقق إنجازاً صحفياً يذكر، سوى أنه كان على علاقة منتظمة بهيكل، وربما ساعدني في النجاة من ذلك أنني، في مواقف كثيرة، كانت مغرية بالانسحاق أمامه، كنت أستحضر مقولة إحسان عبد القدوس، وأقول لنفسي: "تعلم منه، اختلف معه، راقب وتأمل تصرفاته وطريقة تفكيره، قابل مودته بمودة وتقدير. لكن، إياك أن تدع هذا الرجل يستولي على رأسك".

رحم الله الأستاذ محمد حسنين هيكل الذي لا يمكن أن ينسينا الحديث عن شخصه ودوره حديثا آخر بالغ الأهمية عن وثائقه وأوراقه، سنعود إليه ذات يوم.