رحيل المستولي على الرؤوس

21 فبراير 2016
الصورة

لعل من أعجب ما تقرأ في رثاء الكاتب الصحفي الكبير، الأستاذ محمد حسنين هيكل، هو دعوة بعض مريديه إلى ضرورة أن يتم الفصل بين قيمته الصحفية ودوره السياسي وارتباطه بالسلطة، وهو ما يجعلك تشك إذا كان هؤلاء يفهمون طبيعة مشوار الرجل جيداً، وحقيقة مسيرته، لأن هيكل لو ظل صحفيا فقط، مكتفياً بأسلوبه البليغ وعمله الدؤوب، من دون أن يكون له دور سياسي، لكان قد وصل، في نهاية المطاف، إلى أقصى درجات الترقي المهني التي وصل إليها رؤساء تحرير من جيله، مثل حلمي سلام أو مصطفى بهجت بدوي، أو في أحسن الأحوال أحمد بهاء الدين. لكن ما جعل محمد حسنين هيكل ما هو عليه كان، بالأساس، ارتباطه الوثيق بسلطة جمال عبد الناصر، وهو الارتباط الذي ظل هيكل مستفيداً منه بعد رحيل عبد الناصر، بوصفه حائز وثائق العهد الناصري وكاتم أسراره، ولو نزعت عنه ذلك، لنزعت عنه الكثير من أسباب هالته وهيلمانه.

مثل أغلب أبناء جيله من الصحفيين الذين ساندوا/ باركوا/استسلموا لسيطرة سلطة يوليو الحاكمة على الصحافة، كان الأستاذ هيكل يدرك أن نجاحه المهني لن يتحقق إلا من خلال وجود علاقات وثيقة له بسلطة يوليو ورجالها، لكن هيكل كان وحده من بين أبناء جيله الذي نجح، في وقت قياسي، في التحول من كاتب سلطة، إلى كاتب صاحب سلطة، وذلك بفضل قدرته على قراءة مفاتيح جمال عبد الناصر، بشكلٍ سرعان ما جعله يصبح صوتاً مشاركا لعبد الناصر، بدلا من أن يكون فقط ناقلاً لصوت عبد الناصر، لكن الأستاذ هيكل لم يكن ليتوقع أن تلك العلاقة الخاصة التي أفادته، طوال سنوات عمره، لن تكون مفيدة له أبداً في ختام عمره، وبعد رحيله، لأن الأجيال الجديدة التي نشأت، والتي ستنشأ، متحرّرة من سطوة حضوره، ومن صخب مريديه، ستحاسبه بالضرورة على كونه مسؤولا عن خطايا كثيرة، حدثت في وقتٍ كان باعترافه مؤثراً على صانع القرار، بل ومشاركاً في صنع القرار، خصوصاً أن تلك الخطايا التي شارك في صنعها هيكل لم تصبح جزءا من الماضي، بل لا زالت حاضرة في حياة الأجيال الجديدة، وكابسة على أنفاسها، وقاتلة لأحلامها.

ربما كان تعامل الأجيال الجديدة مع هيكل سيختلف، بعض الشيء، في ظني، لو كان قد التزم فعلا بقراره الجريء الذي اتخذه في عام 2003 مع بلوغه سن الثمانين، حين أعلن فجأة "استئذانه في الانصراف"، فقد كان من شأن ذلك الانسحاب، لو تحقق فعلا، أن يثبِّت في أذهان الأجيال الجديدة صورة ختامية لهيكل، ككاتب تغير موقفه من السلطة العسكرية الحاكمة، فأصبح أبرز معارضي أنور السادات وخليفته حسني مبارك، وكان سيظل محسوباً له أنه أبرز من قام بتشخيص أزمة نظام مبارك، وفي وقت مبكر هو عام 1995، حين صكّ في رسالته إلى الصحفيين المحتجين على مشروع قانون لتقييد حرية الصحافة، تعبيره الشهير "سلطة شاخت على مواقعها"، ثم قام في محاضرته الشهيرة في الجامعة الأميركية في القاهرة، وفي وقت مبكر أيضاً، هو خريف 2002، بإثارة ما كان يتحدث عنه الناس همسا، عن مشروع توريث السلطة لجمال نجل حسني مبارك، وكان من شأن تلك المشاهد المهمة أن تكون مؤثرة للغاية، في لحظة الحساب الختامي التي يجريها الناس لأي كاتب مهم ومؤثر وإشكالي.

لكن "انصراف" الأستاذ هيكل لم يكن في الأصل حقيقياً، بل كان خطوة مسرحية متقنة الصنع

من شخصٍ شديد الذكاء، بدأ حياته المهنية محرراً مسرحيا، بناء على نصيحة أستاذه محمد التابعي، خصمه اللدود فيما بعد، فسرعان ما اتضح أنه كان انصرافاً عن أعباء الكتابة التي لم تعد تحتملها سنه المتقدمة، وليس انصرافاً عن ملء المجال العام حضوراً وحديثا ومشاركة، وهو ما يطرح تساؤلاتٍ حول ما إذا كان لذلك القرار علاقة بانحسار الصحافة، مهنته الأثيرة، لمصلحة وسيط التلفزيون الأكثر انتشاراً وتأثيراً، وهو ما يؤكده قرار هيكل أن يبدأ، بعد فترة، ليست بعيدة ظهورا أسبوعيا من خلال قناة الجزيرة، عبر برنامج "مع هيكل ـ تجربة حياة" الذي كان شريكا في إنتاجه أيضاً، ليدمن هيكل، منذ تلك اللحظة، الظهور التلفزيوني حتى آخر أيام حياته، لتنشأ أجيال لم تعرف هيكل، كما عرفه جيلي والأجيال السابقة له، في صورة الكاتب المبهر بمعلوماته المتفردة، ووثائقه المفاجئة وأسلوبه الساحر، فقد عرفته هذه الأجيال في دورٍ جديدٍ، لم يبهر إلا بعض عشاقه القدامى، دور الجد الذي تمتلئ جعبته بحكاياتٍ لا أول لها ولا آخر، والذي يعبر أحياناً الحد الفاصل بين الحكي والثرثرة، خصوصاً حين يدخل مستطرداً من حكايةٍ إلى أخرى، من دون أن يقاطعه أحد، أو يوجه له أحد محاوريه أسئلة حقيقية، ليس فيها مجاملات ولا انبهار مسبق بحكمته وذاكرته ومشواره.

 لذلك كله، لم يكن غريبا أن يتعامل مع هيكل بقسوة كثيرون من أبناء الجيل الذي شهد هيكل التلفزيونجي دائم الاستطرادات، ولم يعرف هيكل الجورنالجي والكاتب المحكم والمقتدر مهما اختلفت معه. وبالنسبة لجيل كهذا، عايش مصر، وهي في أسوأ أحوالها وأحط ظروفها، لم يجد شيئاً مبهراً في فكرة أن يظهر هيكل كمشارك في كل أحداث مصر المهمة منذ الخمسينات وحتى منتصف السبعينات من القرن العشرين، فقد كان ذلك بالنسبة لهم اعترافاً علنياً ومتكرراً بدور هيكل في صناعة دولة اللواءات التي كبست على أنفاسهم، وحطمت أحلامهم. ولذلك، لم يصدقوا محاولاته لعزل نفسه عن نتائج سياسات دولة يوليو، ثم دارت الأيام، ليفقد الرجل تأثير معارضته القوية مبارك، مع كل ما نشر عقب ثورة يناير من أخبار ومعلومات عن شراكة بعض أبنائه التجارية مع نجلي مبارك، ثم تبدّد رصيده نهائياً، حين رأته الأجيال الجديدة قبل ومع صعود عبد الفتاح السيسي إلى السلطة، وهو يعيد لعب دور العقل المفكر للجنرال الحاكم الملهم "الضرورة"، فاستحق أن يصبّوا عليه جام غضبهم على مجمل أدواره في خدمة الدولة المستبدة، معبرين عن ذلك بكل ما استطاعوا عليه، حتى لو كان سخريةً لا ترحم من عمره المديد، وذاكرته الحاضرة بشكل دائم يثير الريبة، وإصراره الدائم على عدم الانصراف.

"يسكن داخل عقلي"

كان جمال عبد الناصر واضحاً في تحديد علاقته بمحمد حسنين هيكل، حين قال في حوار صحفي أن هناك فرقا شاسعاً بين هيكل وباقي الصحفيين، "فهم دائماً يسألونني عن الأخبار الجديدة والمشروعات الجديدة، أما هيكل فهو الوحيد الذي كتب ما لم أبح به، وكان مجرد خواطر داخل رأسي، وقبل أن أتحدث عنه.. هيكل وحده الذي يستطيع أن يوصل رسالتي إلى الناس، لأنه يسكن داخل عقلي".

بالطبع، لم يصل هيكل إلى هذه المنزلة من فراغ، أو فقط لأن الكيمياء البشرية جمعت بينه وبين عبد الناصر، بل عبر مجهود بدأه، كما يروي في كتابه "بين الصحافة والسياسة"، منذ عرف عبد الناصر في 2 يونيو/حزيران 1948، وهي معلومة يطرح الكاتب رشاد كامل في كتابه "ثورة يوليو والصحافة" حولها ملاحظات متشككة، مهما وجدتها مثيرة للاهتمام، وعلى الرغم من أن أنور السادات، في أول تأريخ له لتطورات الثورة نشره عقب قيامها بفترة قصيرة، لا يأتي أبداً على أي ذكر لهيكل وعلاقته بعبد الناصر، فإن ذلك لن ينفي حقيقة أن هيكل استطاع أن يكون أقرب صحفي إلى عبد الناصر، بعد أن بدأ نجم عبد الناصر يلمع، بعد أسابيع من قيام الثورة، ومنذ أن بدأ المقربون من الكواليس يدركون أنه القائد الحقيقي للثورة.

ومع أن عبد الناصر ظل على علاقة طيبة وقوية بعدد من كبار الصحفيين، إلا أن كفة الميزان

مالت تماماً ونهائياً لصالح هيكل، بالتحديد في مؤتمر باندونج عام 1955، حيث لم ينتظر هيكل كباقي زملائه أن يعطيه عبد الناصر ما يرسله إلى قراء صحيفته، بل بذل كل ما في وسعه لكي يوصل إلى الرئيس الناشئ كل ما يمكن من معلومات وأسرار، أفادت عبد الناصر كثيراً في رسم شكل تعاملاته مع زعماء العالم، وهو ما ساهم في صنع صورته على الساحة الدولية، منذ أول ظهور مهم له فيها، لتصبح المعلومات ركيزة العلاقة بين هيكل وعبد الناصر، منذ البداية وحتى النهاية، وهو ما يتفق عليه أحد تلاميذ هيكل، صلاح منتصر، في مقالته "هيكل شاهد أم شريك؟"، المنشورة في "الأهرام" بتاريخ 1 مايو/أيار 1983، وأيضا أحد أبرز ناقديه المفكر الدكتور فؤاد زكريا في كتابه المهم (كم عمر الغضب)، حيث يرى الاثنان أن هيكل لم يصل إلى ما وصل إليه لولا المعلومات التي بدأ باعطائها لعبد الناصر، قبل أن يسدّد له عبد الناصر تلك الديون المعلوماتية أضعافاً مضاعفة، عن طريق فتح خزائن أسرار الدولة كلها له، ومنحه ما لا يستطيع غيره من الصحفيين أن يحصل عليه من وثائق الدولة، وهو ما أطلق عليه فؤاد زكريا تعبير "سلاح الأرشيف" الذي وصفه بأنه "سلاح ذو حدين، يعطي أولا ثم يأخذ بعد ذلك بلا حدود". 

تجدر الإشارة إلى أن معلومات هيكل التي كان ينقلها إلى عبد الناصر، لم تكن فقط معلومات مهمة مستمدة من علاقاته الدولية، التي تكونت من خلال عمله المبكر في صحيفة "الإيجيبشيان جازيت"، ومن رحلاته الخارجية إلى مناطق الصراعات في العالم، والتي زامل فيها صحفيين أجانب أصبحوا مثله صحفيين مهمين في بلادهم، بل كانت، في بعض الأحيان، معلومات بسيطة أقرب إلى النميمة كان يحرص على أن يرويها بشكل عادي، وهو يدرك أنها ستتحول إلى قرارات، يمكن أن تسبب له حرجاً بالغا مع معارفه وأصدقائه، لكن هيكل الرجل الطموح، والذي عمل، طوال عمره في خدمة مشروع مهم اسمه محمد حسنين هيكل، كان قد حدد، منذ البداية، مجال اهتمامه، وقرّر أن يتقبل كل الخسائر الإنسانية التي قد تضطره تقلبات الزمن إليها. خذ عندك الواقعة الدالة التي يرويها مصطفى وعلي أمين (صديقا هيكل الحميمان اللذان تحولا فيما بعد إلى عدوين لدودين، في علاقةٍ مدهشةٍ لم تقدرها الدراما المصرية بعد حق قدرها) عن أن هيكل حكى لعبد الناصر في أحد جلساتهما اليومية، أنه حضر عشاء وصفه متعمدا بأنه "ملوكي" عند صديقه القيادي الوفدي، سعد فخري عبد النور، قائلا له: "ده الأكل جه من مطعم مكسيم في باريس، وأكلنا في أطباق ذهب وسكاكين ذهب وشوك ذهب"، لينتفض عبد الناصر غاضباً، ويذهب إلى التليفون سائلا هيكل "إسمه إيه اللي كلت عنده ده؟"، ليصدر في اليوم التالي مباشرة أمراً بالقبض على سعد فخري عبد النور، ووضعه هو وأخويه موريس ومنير تحت الحراسة.

"أنا يا ناس هيكلي"

في حوار لهيكل مع الصحفي اللبناني الكبير سليم اللوزي أجري سنة 1971، يسأله اللوزي: "هل كنت ستحقق كل هذا النجاح، لو لم يكن لك ذلك المركز الممتاز عند عبد الناصر"، فيجيب هيكل قائلا بثقة: "الذي صنع لي مركزي عند عبد الناصر شيء واحد هو قدرتي على خدمة الهدف العام الذي كان يسعى إلى تحقيقه. ليس هناك أي سبب آخر، فلم نكن أصدقاء قبل الثورة ولم أكن أقرب الناس إليه". ولعل إجابة هيكل الواضحة هذه هي التي تعطي الكثير من الوجاهة والمصداقية لأسئلة صديق وزميل سابق لهيكل، هو الصحفي الفلسطيني الكبير والمثير للجدل ناصر الدين النشاشيبي، الذي سنغض البصر عن اتهامات شخصية كثيرة، وجهها لهيكل، لنركز على أسئلته التالية: "من كان أكثر الناس أثراً وتأثيراً على عبد الناصر؟ من كان يستهين بالمواقف ويهزأ بالإنذارات، ويضحك من التهديدات لكي يبقي على مكانة لدى عبد الناصر؟ من الذي كان يؤكد أن إسرائيل لن تحارب، وأن العملية مجرد لعبة بوكر، سلاحها قوة الأعصاب، لا قوة الحرب؟ من الذي قرّر ونصح؟ من الذي سمى الهزيمة نكسة، وأضاع البلد في غمرة قرار مرتجل، أمر بإغلاق المضايق، وطلب سحب القوات الدولية؟ ألم يكن هيكل هو الذي لا ينام في الثالثة صباحاً إلا بعد مكالمة تليفونية من عبد الناصر؟ ألم يكن سفير بريطانيا ينتظر في مكتب هيكل لمدة ساعة دون شكوى؟ ألم يكن هيكل هو صاحب النفوذ الذي جعل أحمد عبود باشا، أغنى رجل في مصر، يتمايل أمام هيكل ليقول له: "أنا يا ناس هيكلي"، وجعل السادات ينصح أحمد يونس: "هيكل ماحدش يقدر يصطدم بيه"، وجعل الزعيم السوري فخري البارودي يقول لهيكل: إحنا خدامينك سيدي هات إيدك أبوسها، وجعل عبد الناصر لا يتحرّج أن يسأله أمام الصحفيين بعد خطاباته التي كان يكتبها له مثلما كتب له (فلسفة الثورة): هه.. إيه رأيك يا هيكل" ليقول له هيكل: تمام يا فندم".

لم يجب الأستاذ هيكل، للأسف، على هذه الأسئلة، ولم يعلن أبداً عن استعداده لتحمل "نصيبه من المسؤولية"، طبقا لتعبيره الشهير الذي صكّه في خطاب التنحي، أشهر الخطابات التي كتبها لهيكل، بل وربما كان أشهر الخطابات الرئاسية في التاريخ العربي. بالعكس ستجده على الدوام مبرراً ومبرئا لنفسه من مغبة كل ما أخذه عبد الناصر من قرارات، وبخاصة في كتابه "الانفجار" الذي قدم فيه روايته لهزيمة 1967، التي أشاع بين المصريين وصفها بالنكسة بعد ذلك، وهو ما يعلق عليه الدكتور فؤاد زكريا الذي يتعجب من أن هيكل "يستثني نفسه من اللوم دائماً، ويصب اتهاماته على الغير، وكأنه كان، طوال الوقت، مشاهداً محايداً، أو ناصحاً أميناً لا يستمع إليه أحد دون أن ينقد ذاته أبدا".

في الغد نتحدث عن تعبير (المستولي على الرؤوس) الذي أطلقه إحسان عبد القدوس على هيكل، فإلى الغد بإذن الله.