ثورة 30 يونيو... أيضاً وأيضاً

11 يوليو 2016
الصورة
يبدو أن الكاتب نزار قنديل يعتقد أنه وحده كان يعرف أن قيادة الجيش المصري، ودولا إقليمية، كانت تخطط لتغيير نظام محمد مرسي. لهذا، جهد في الإشارة إلى "مصادر" مؤكدة، توضح ذلك (نزار قنديل، مصر... ثورة واحدة، "العربي الجديد" 9/ 7 /2016) رداً على مقالي "ثورة 30 يونيو" (7/ 7/ 2016 "العربي الجديد")
أولاً، لم يلتقط نزار النقطة الأساسية في مقالي. لهذا دخل في نقاش انقلاب أو ثورة، مستنداً إلى تصريحات و"اعترافات" تالية للحدث، تؤكد أنه كان هناك تخطيط لتغيير محمد مرسي. وهذا نقاش بدأ منذ 3/7/ 2013، وكان يعبّر عن تحيّزات، من دون بحث جدي في الحدث. أجبت حينها أن ما حدث هو ثورة، ولم أكن أجهل كل التخطيط الذي جرى لكي يستلم الجيش السلطة، وكتبت ذلك حينها، وتحدّثت عن صناعة دكتاتور، وأشرت إلى سبب تضخيم الصراع مع الإخوان المسلمين. فهؤلاء توافقوا مع المجلس العسكري (برعاية أميركية) على تقاسم السلطة بعد ثورة 25 يناير، ثم أخل المجلس العسكري بذلك، حينما ترشحوا لمنصب الرئاسة. وقد فرض هذا الأمر بالتأكيد تفكير قيادة الجيش وعملها على إبعاد "الإخوان" عن السلطة (ولن أناقش هنا "الديمقراطية" التي جرى انتخاب مرسي بها، لأنني لا أراها كذلك). وبدأ الشغل على ذلك بعد اقتحام قصر الاتحادية في ديسمبر/ كانون الأول 2012، وترابط مع جبهة الإنقاذ وحركة تمرد. وذلك كله مشروح في كتابي "ثورة مصر، الصراع الطبقي المفتوح"، الذي كتب قبل الحدث وفي أثنائه.

ثانياً، الفرق بيني وبين نزار، وكل الذين يكرّرون أن ما حدث انقلاب، يتمثل في أنني تابعت ورأيت مستوىً آخر من مستويات الصراع الذي هو الأساس، وهو الذي صنع ثورة 25 يناير، أقصد الطبقات الشعبية. وهذا مستوىً يجري تجاهله وإهماله، حيث يبقى النظر إلى المستوى السياسي في الصراع، أي صراع أحزاب ونظام، فكما حدث ضد نظام حسني مبارك، كان الاحتقان الشعبي يتراكم ضد نظام الإخوان المسلمين. بالضبط، لأنهم لم يحققوا أيّاً من المطالب المطروحة، لا الحد الأدنى للأجور، ولا الحد من البطالة، ولا إنهاء التهميش، ولا حل مشكلات المناطق والبنية التحتية. وقد ظهر هذا في تظاهرات الذكرى الثانية للثورة، وحجم الحشد الذي تجمّع، والذي أشار إلى أن ثورة قادمة في مصر. كان هذا الجو يجري التخطيط لاستغلاله من قيادة الجيش؟ طبعاً وبالتأكيد، لكنه الأساس فيما حدث في 30 يونيو، حيث دونه لم يكن ممكناً لأن يتحقق "الانقلاب" الذي سميته انقلاباً على الثورة وليس على محمد مرسي، لأن الشعب هو الذي أسقط مرسي. كان الحشد ضد مرسي أكبر بكثير مما كان ضد حسني مبارك، وكان هناك غلّ أعلى مما كان تجاه مبارك، بالضبط لأن مرسي جاء باسم الثورة، وخانها بعدم تحقيق مطالبها. على العكس، أكد على كل سياسات نظام مبارك الاقتصادية والسياسية (حتى مع الدولة الصهيونية وأميركا يا عزيزي).
ثالثاً، تقوم الحجج التي تتكرّر على اعتبار حكم مرسي "أول تجربة لحكم ديمقراطي" في مصر. وكما أشرت، لا أريد البحث في ديمقراطيتها. لكن، لا بد من التوضيح أن ثورة 25 يناير لم تنته، ولم توصل صنّاعها إلى السلطة لكي يحققوا مطالب الطبقات الشعبية، على العكس سيطر الجيش (كما حدث في 3/ 7/ 2013) وتحالف مع "الإخوان" ضد الشعب، وسلّم الإخوان مجلسي الشعب والشورى. لهذا، ظل الحراك الشعبي قائماً، وقمعه التحالف الجديد. لكن الوضع بات مفتوحاً على صراع مستمر، لأن الشعب لم يعد قادراً على التراجع، من دون تحقيق مطالبه. وفي هذه الوضعية، ليس من موقع لما أسمي "المسار الديمقراطي"، وليس من شرعيةٍ سوى للشارع. وهذا لا زال قائماً، وسيؤدي إلى ثورة جديدة.
بالتالي، ليس لأن مرسي "منتخب ديمقراطياً" يجب أن يكون سقوطه انقلاباً، ولا أن يكون ليس من حق الشعب الثورة من جديد. والشعب يريد حل مشكلاته، البطالة والفقر والتهميش والتعليم والصحة والبنية التحتية، يريد أن يعيش بشكل أفضل. ولهذا ثار ضد نظام حسني مبارك، وبات شعار الثورة "عيش، حرية، عدالة اجتماعية"، وثار ضد نظام مرسي، وسيثور ضد نظام عبد الفتاح السيسي. إلى أن يأتي بنظام يحقق مطالبه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية. وكان طبيعياً أن يثور ضد "الإخوان المسلمين"، بالضبط لأنهم لا يحملون منظوراً اقتصادياً، يتضمن حل مشكلاته، فهم مع الاقتصاد الحر المغطى بأيديولوجية أصولية. وهذا ما كان يدفعني الى التأكيد باستحالة استمرار حكمهم، على الرغم من خوف المعارضة المصرية من "فاشية الإخوان". وقد أشرت، مبكراً، إلى أنهم لن يحققوا مطالب الشعب، ولهذا سيثور ضدهم، وسيحاولون السيطرة على بنية السلطة، ما يدفع هذه إلى الرد، ما يجعلهم "يُفعسون" بين الشعب وبيروقراطية السلطة (أو قيادة الجيش). أتوا ليحلوا مصالح مافياوية في مقابل مصالح مافياوية تشكلت فترة حكم حسني مبارك. وبالتالي، كان سقوطهم أمراً طبيعياً، بثورةٍ استغلتها قيادة الجيش، كما حدث في 25 يناير/ كانون الثاني 2011، وقبلته جماعة الإخوان، بل شاركت فيه ضد الشعب. الفرق الوحيد أنه في 25 يناير لم يكن هناك تخطيط، لأنه لم يكن متوقعاً أن تحدث ثورة، على الرغم من رؤية الجيش لمنع التوريث، أما في 30 يونيو/ حزيران 2013، فقد خططت قيادة الجيش بالتأكيد. لكن، في الحالين، الشعب هو الذي صنع ثورةً جرى الالتفاف عليها.
أخيراً، كما لا يجوز الدفاع عن حكم عسكري، لا يجوز الدفاع عن حكم إخواني، لأنه لا اختلاف جوهرياً بينهما، لأنهما يمثلان مصالح تتناقض مع مطالب الشعب. ولا شك في أن تكرار مسألة "التجربة الديمقراطية" لا يعدو أن يكون دفاعاً عن الإخوان المسلمين، وعن نظامهم، وبالتالي عن المصالح التي يمثلونها. موقعي هو مع الشعب، وأظن أنني أعرف ما جرى جيداً، حيث شاركت في 25 يناير وكذلك في 30 يونيو، ودققت في كل تفاصيل المشهد. ولم أكن أقيس على الأحزاب، بل على البسطاء الذين خرجوا للتغيير الذي يحقّق مطالبهم. وشاهدت دور الإخوان في 25 يناير الذي لم يكن سوى "لحظة عابر"، بعد أن قرّروا عدم المشاركة فيها، بعدها توافقوا مع المجلس العسكري. ولهذا، عاد يُطرح إعادة التحالف من جديد، حيث سيعود "الإخوان" جزءاً من النظام، كما كان مقرراً قبل "طمع" الإخوان.
إذن، هذا صراع على السلطة، بعيداً عن مطالب الشعب.