التاريخ من منظور ذاتي.. تعليقا على رد معين الطاهر

05 سبتمبر 2018
الصورة

مقاتلون فلسطينيون يتدربون في معسكر في لبنان (1980/ Getty)

كتب الكاتب والناشط السياسي، معين الطاهر، رداً على مقالي عن "الكتيبة الطلابية وتجربة ناجي علوش ويسار فتح" (العربي الجديد 6/8/2018)، وعنونه "عن الكتيبة الطلابية.. في الردّ على كيل سلامة كيلة" (العربي الجديد 12/8/2018). يبدأها بأنني لم أستشهد من كتابه "تبغ وزيتون" (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2017)، سوى بثلاث فقرات، ويستند في الرد إلى التشكيك وإظهار ارتباك ردّي، ومن ثم الاتهام، والتشكيك في المعلومات.
لم يكن هدفي عرض الكتاب، وقد أوضحت، في مبتدأ مقالتي، ما أريده من تناول الكتاب، فلم ألتفت إلا إلى فقرتين فيه، وإلى ثالثة في كتاب "حوار مع معين الطاهر.. الكتيبة الطلابية، تأملات في التجربة" (منشورات ضفاف، 2015). حيث حصر موقع القيادي الفلسطيني، ناجي علوش في هذا الحيّز الضيق، بالضبط لأنه ينطلق من أن علوش والقيادي في حركة فتح محمد داود عودة (أبو داود) ومجموعة أخرى خرجوا من التيار الذي كان وراء تشكيل الكتيبة الطلابية (التشكيل الفلسطيني المسلح). وهو بالتالي لا يعترف بتكوين التيار أصلاً إلا من خلال التنظيم الطلابي، وبعض من كانوا حوله. وعلى الرغم من أنني أوضحت، منذ البدء، أنني أتناول المرحلة الأولى من تجربة التيار، والتي تخصّ مرحلة التنظيم الطلابي، أي قبل تحويله إلى سرية طلابية، ثم إلى كتيبة طلابية، إلا أن معين الطاهر ادّعى أنني أربط ناجي علوش بالكتيبة الطلابية التي باتت كذلك سنة 1976 (بحسب فتحي البس الذي كان ضمن الكتيبة في كتابه "انثيال الذاكرة"، دار الشروق، 2008). ولأنه يعتبر أن الأساس هو الكتيبة الطلابية، فهو يحتج على حديثي عن انفصال، بعد أن أشرت إلى أنها أصبحت جزءاً من التيار بعد الانفصال الذي حدث سنة 1974، ليسأل "الانفصال عن ماذا؟". والسؤال نابعٌ من أن الطاهر لا يعتبر "خروج ناجي علوش" كما يصوّر هو انفصالا، بل ترك مجموعة للتنظيم الذي تصلّب بعد ذلك. وهذا نابعٌ من الإشكالية ذاتها التي تحكم نظر معين، حيث التنظيم الطلابي الذي تحوّل إلى كتيبة، وهنا ظل متماسكاً لم يخرج منه سوى شمس التيني، وكما أشرت، مجموعة مع ناجي وأبو داود، كما يحتج على تسمية التيار بـ "جماعة ناجي علوش".
بعد أحداث أيلول (سبتمبر 1970) في الأردن، ظهرت في حركة فتح ثلاثة تيارات تنتمي إلى 
اليسار، مجموعة سوفيتية (ماجد أبو شرار وأبو صالح)، ومجموعة كان رمزها أبو عمر (حنّا ميخائيل) وكان منها أبو خالد العملة وأبو موسى وإلياس شوفاني، وكانت تسمّى مجموعة الميّة، والثالثة هي تيار أو جماعة ناجي علوش (مع وجود مجموعة أصغر، وأفراد لم ينتموا إلى أحد هذه التقسيمات). هكذا كان يُطلق على هذا الطرف من يسار "فتح"، لأن ناجي علوش هو الأبرز فيه (مع أبو داود)، وعضو في المجلس الثوري لحركة فتح. لم تكن هذه شتيمةً، بل دلالةً على تيار نتيجة غياب الاسم الذي يعبّر عنه. وكان هذا التيار أوسع من التنظيم الطلابي، يضم مقاتلين ومثقفين، وشعبيين. حين حدث الخلاف، خرج أو أُخرج منير شفيق (المثقف والمفكر الفلسطيني)، وخرج معه التنظيم الطلابي، لكن التيار بقي موجوداً، وله فاعلية ظهرت في المجال العسكري خلال الحرب الأهلية اللبنانية، وحاول أن يبلور مشروعاً للثورة العربية، أوصل إلى تأسيس حركة التحرير الشعبية العربية. وتحضيراً للمؤتمر التأسيسي للحركة، كتب ناجي علوش عن التجربة منذ سنة 1972، قدّمه باسم اللجنة القيادية يشرح كل هذا المسار، ويحدّد الخلافات مع منير شفيق وخروج التنظيم الطلابي.
هذا ما يرفضه معين الطاهر، معتبراً أن هناك مجموعة، منها ناجي علوش وأبو داود، انتقلت "من كتفٍ إلى كتف"، على الرغم من أن العكس هو الذي حدث، فقد حصر حدود معرفته بالسّرية الطلابية والكتيبة الطلابية فقط، وهذا ما جعله يرفض بشدة، ويكيل اتهامات لي أنني أسيء إلى ناجي علوش، حينما أوردت طبيعة الخلاف مع منير شفيق، جازماً بأن ما ورد هو موقفي، وليس موقف ناجي علوش، من دون أن يولي اهتماما إلى أنني أعتمد على مصدر في توضيح موقف علوش، فقد أشرت إلى كرّاس "الخط العلمي الثوري والثورة القومية الديمقراطية" الذي هو توضيحٌ شاملٌ لجوهر الخلاف، وفيه عباراتٌ حاسمة، وتحديد دقيق للمآل الذي سارت فيه مجموعة منير شفيق. كان أجدى لمعين أن يعود إلى الكرّاس قبل أن يصدر كل هذه الأحكام، ويشدّد في النفي، فهذا أبسط أواليات البحث والتدقيق. حيث كيف يمكن أن يمتلك كل هذه الجرأة بالجزم أن ما أوردته هو رأيي، وهو لم يراجع الكرّاس؟ لقد تسرّع في إصدار كل هذه الأحكام، من دون أن يعود إلى مصدر ما أوردته، وبكلّ "ثقة مفرطة" في الرواية التي يكرّرها، وعلى معرفة بالأمور من دون حاجة للاطلاع. الكراس موجود ومن يريده يمكن أن أرسله إليه، وهو يتضمّن كشفاً أكثر بكثير مما أوردت، ويشير إلى اللجنة التي كانت تقود كل "التنظيم".
من الواضح أن معين الطاهر غير مطّلع البتة على كل تلك المرحلة، وانغلق بعدها على تجربة الكتيبة الطلابية، ولهذا يرفض الأساس الذي قامت عليه، وهو السعي إلى بناء حزب شيوعي عربي. يشير ناجي في الكرّاس إلى أن منير شفيق لم يكن يوصل مواقف التنظيم ووثائقه إلى الأعضاء، ولهذا لم يطّلع معين على وثيقة "الطبقة العاملة العربية وحزبها الثوري". ولن أشير هنا إلى المسار الذي فرض بعد الانفصال صياغة وثيقةٍ، هي "موضوعات الثورة العربية" التي يطرح فيها تأسيس حزب شيوعي عربي، وهي الفكرة التي حكمت تأسيس حركة التحرير 
الشعبية العربية. ونجد أيضا أن معين لا يمتلك أي معلوماتٍ عن "دور عسكري" لهذا التيار، بل ينفي ذلك، لأنه يعتقد أن من يسعى إلى بناء حزب شيوعي لا يفكّر في القتال. لا يعرف معين أن أبو داود كان مسؤول بيروت الغربية العسكري، وكان ناجي علوش نائبه، وأن مجموعاتٍ من تياره كانت تقاتل مع الفصائل الأخرى هناك. وأن مجموعة حركة فتح في مخيم تل الزعتر ومسؤوليها كانوا مع هذا التيار، وهم من كانوا يقودون القتال ضد مسلحي حزب الكتائب اللبناني. وقبل ذهاب الكتيبة الطلابية إلى الجنوب، كانت هناك قواعد عسكرية للمحور الجذري الذي ضم، إضافة إلى التيار مجموعة ظافر الخطيب والمجموعة من "القيادة العامة" التي انفصلت، وأشخاصا من جماعة صلاح جديد (البعثي السوري). وبالتالي كان له وجود عسكري، ولم يكن ثلةً من الثرثارين.
أما بشأن العلاقة مع المنشق لاحقا عن حركة فتح، صبري البنا (أبو نضال)، فقد أشرت إلى الأمر ليس لكي أدخل في نقاش عنها، بل لتجنّب ذلك، لأنها خارج الموضوع الذي يُطرح، ولا أريد أن يصبح النقاش هنا أو هناك، لأن رأيي أنه لا هنا ولا هناك (على الرغم من أن معين أراد الاستفزاز بالسؤال: أين أعلنت موقفي؟ فلست معنياً بالرد).
أخيراً، يحاول معين الطاهر أن يُظهر أنني لم أقرأ الكتب التي أشرت إليها. في الحقيقة، لم أقرأ منها سوى بشأن المرحلة التي تخص ما قرّرت مناقشته، مع اطلاع واسع أو محدود على ما تبقّى، بالضبط لأنني لم أهتم كثيراً بتجربة الكتيبة الطلابية. لكن اللافت أن معين يحاول نفي أنّهم في الكتيبة كانوا مع الدخول السوري إلى لبنان، بالإشارة إلى أنهم قاتلوا الجيش السوري، ويستشهد بما أورده الأكاديمي الفلسطيني، شفيق الغبرا، والذي كان من المنتسبين في الكتيبة الطلابية، في كتابه "حياة غير آمنة" (دار الساقي، 2011). قرأت هذا النص في "تبغ وزيتون"، وأظن أن ما يقوله معين عن الأمر هو أوضح شكل لتزوير التاريخ، فمن قاتل الجيش السوري، كما هو معروف من كل الأطراف حينها، وبعد ذلك، هو قوات أبو خالد العملة وبقيادته، وهو الذي أوقف تقدّمهم في الجبل. وهذا ما يوضحه فتحي البس في "انثيال الذاكرة"، والذي كان في الكتيبة الطلابية، ويشير إلى وجود مجموعة من الكتيبة تحت قيادة أبو خالد العملة. وربما يوضح هذا كيف أن الذات تسعى إلى تضخيم دورها وتقزيم دور الآخرين. ولهذا تخترع وقائعها الخاصة، وترفض قراءة الحقائق.

دلالات