ثغرات المتطرفين في جدار المعتدلين

ثغرات المتطرفين في جدار المعتدلين

27 مايو 2016
الصورة
+ الخط -
يبدو واضحاً أن الجماعات الإرهابية والمتطرفة تكتسب مزيداً من المؤيدين والتمويل، ومن البديهي الاستنتاج أن الأداء الإعلامي للمتطرفين والبيئة الإعلامية المحيطة ساعدتهم على اكتساب التأييد والمتطوعين للمشاركة في العمل والقتال معهم، لا يمكن تجاهل هذه المؤشرات الواضحة في ميزان التأييد والمعارضة للتطرف والإرهاب.
ولا جدال في معاداة المؤسسات الدينية والإعلامية في البلاد العربية للتطرّف والإرهاب. ولكن، يبدو واضحاً أيضاً أن التطرّف يتسلل إلى الأفراد والمجتمعات، من خلال هذه المؤسسات، ويمكن الاستنتاج، بداهةً، أنه ما من مؤسسات ووسائل إعلام معروفة للناس يلجأون إليها، من أجل معرفة الجماعات المتطرفة وأفكارها ومواقفها، وأن الناس لم يعرفوا هذه الجماعات، إلا من خلال المؤسسات القائمة في الدول العربية والإسلامية، وهي، وإن لم تكن تقصد أن تخدم المتطرفين، فقد فعلت.
تمثل المؤسسات الدينية (دور العبادة والإفتاء والدعوة والإرشاد والتعليم الديني) الحلقة الأضعف، والأكثر خطورةً، في مواجهة التطرّف والكراهية، ذلك أن المساجد والأنشطة الدينية تمثل الساحة الأكثر أهميةً وجاذبيةً للجماعات المتطرفة، للبحث عن الأنصار والمؤيدين، كما أن جزءاً كبيراً من الفكر والمحتوى الديني المتاح والمتقبل والمتبع في الحياة الدينية والسياسية يمثل، أيضاً، مصدراً أساسياً للتطرف والدعوة والتجنيد للجماعات الإرهابية.
ويمكن القول إن كثيراً من الخطاب الديني الذي يقدّم في المساجد والمدارس والفضائيات، على الرغم من أنه يقدم برعاية دول تحارب المتطرفين، ويفترض أنها ضد التطرف، إلا أنه خطاب يشجع على التطرّف والكراهية. ويبدو أن المتطرفين أكثر دأباً وجهداً في توضيح أفكارهم، وإسنادها بالأدلة المعتمدة في الخطاب الديني، السائد والتقليدي.
ولا يمكن، بالطبع، إهمال الدور الديني الرسمي والمجتمعي، أو تحييده، فذلك يُضعف المواجهة مع التطرّف والإرهاب، ويظهر المتطرفين وكأنهم أنصار الدين في مقابل أعداء الدين. ولكن، إذا أمكن الجمع بين الدور الديني المعتدل والمتسامح ومخاطبة الجمهور والمواطنين بالمصالح الوطنية والعالمية كما هي، وكما يجب أن تكون، فإن ذلك يجعل المواجهة مع التطرّف بعيدةً عن ساحتهم التي يتفوقون فيها.
ويبدو اليوم بديهياً أن القراءات العقلانية والمعتدلة للدين، والتي تعرّضت للإقصاء والملاحقة على يد السلطات السياسية، مثل أعمال نصر حامد أبو زيد وعلي عبد الرازق ومحمد أركون وابن رشد وطه حسين، هي الأكثر أهميةً وفاعليةً في بناء الاعتدال وتكريسه، وقد يكون محتواها متقدماً فكرياً ويصعب على نسبةٍ كبيرةٍ من الجمهور والمتدينين والشباب والناشئة استيعابها. ولكن، يمكن خدمة هذه الأفكار بمزيدٍ من التبسيط والشرح، وتحويلها إلى محتوىً قابل للهضم والاستيعاب، في المدارس والمساجد.
وقد تبدي المؤسسات الإعلامية في الدول العربية والإسلامية حماساً كبيراً لمواجهة المتطرفين
والردّ عليهم، وفي ذلك حسنات وإنجازات كثيرة، لكن الأداء الإعلامي العربي والإسلامي مليء بالثغرات التي ينفد منها التطرّف، والحال أن المؤسسات الإعلامية، عندما تخلت عن دورها الفكري والثقافي العميق والجاد، وغلب عليها الترفيه، حدث لها من الضعف مثل ما حدث للمؤسسات الدينية، وهي، اليوم، حتى تكون قادرةً على خدمة أهداف الدول والمجتمعات، لا تحتاج إلى الانشغال المباشر بنقد التطرف، وذم المتطرفين، قدر ما تحتاج إلى تشكيل بيئة ثقافيةٍ واجتماعيةٍ تشجع على القيم الأساسية الإيجابية التي تحمي من الكراهية والتطرّف، وتحمي المجتمعات والأفراد من تأثير المتطرفين وأفكارهم، وبناء شراكةٍ مع المجتمعات، والمشاركة الصحيحة والإيجابية مع المجتمع العالمي.
يتضمن الخطاب القائم على التوسع في انتقاد الإرهاب توسعاً في نشر الأخبار قد يخدم المتطرّفين، من حيث يُراد العكس، لكن الخطاب الإعلامي في توسّعه، في المحتوى والخدمات الإعلامية التي تساهم في سد الفراغ المعرفي والفكري، تشكّل قيماً واتجاهاتٍ تصرف الشباب والناشئة عن التطرّف والجماعات المتشدّدة، وتكرّس قيم الجمال والتسامح في المجتمع، وتزوّد المواطنين بالمعرفة والخدمات التي تقلل من الشعور بالخواء والفراغ، وتحسّن حياتهم، وتجعلهم ينفرون من التعصب والكراهية.
يعتمد التطرّف والإرهاب على النشر في الإعلام العالمي أكثر مما يعتمد على إعلامه الخاص، ولن يهتم الجمهور بالأخبار والأحداث والأفكار المتعلقة بالإرهاب من غير نشرها في إعلام الدول والمجتمعات. ومن المؤكد أن عمليةً إرهابيةً أو فكرةً متطرفةً حين تكون غير موجودة في وسائل الإعلام تكاد تكون كأنها غير موجودة في الواقع. ولذلك، فإن وسائل الإعلام يجب أن تكون حذرةً في عرض الأخبار والمشاهد والصور، وأن تمتنع عن نشر صور الضحايا. وفي الردّ على مقولات المتطرفين وتصريحاتهم، يجب أن يتم ذلك ضمن قواعد وحدود، لا تساعد على نشرها، والاهتمام بها.
وفي المواجهة الإعلامية والفكرية مع التطرّف، ربما يكون التجاهل أفضل من الردّ والمبالغة في الانشغال بالتطرّف، وأفضل في ذلك الانصراف إلى الانشغال الشامل بالفكر والحياة والفنون والأخبار وشؤون العالم، والاهتمام به، حتى مع الحضور الكبير للقصص والأخبار القادمة من عالم التطرّف والإرهاب، فالحياة يجب ألا تتوقف، والعالم يمضي، كل يومٍ، إلى آفاق واهتمامات وتجارب جديدة، لا يجوز الانشغال عنها، مهما كانت الحوادث جسيمةً في عالمنا، فلا خيار لنا سوى أن نكون جزءاً من العالم، يجب أن نتقبله ويتقبلنا.